الخميس 13 فبراير 2020 12:44 م

"لن يكون هناك اتفاق سلام من دون تحقيق العدالة، هناك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ارتُكبت في حق أبرياء في دارفور ومناطق أخرى"..

هكذا برر "محمد حسن التعايشي"، المتحدث الرسمي باسم وفد الحكومة السودانية في المفاوضات مع حركات إقليم دارفور (غرب) المسلحة، موافقة الحكومة على مثول المطلوبين من رموز النظام السابق، وعلى رأسهم الرئيس المخلوع "عمر البشير"، أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وجاء تصريح "التعايشي" عقب جولة من التفاوض في مدينة جوبا، عاصمة جنوب السودان، بين الحكومة وحركات مسلحة في دارفور، وهي المفاوضات التي تسعى إلى تحقيق السلام في الإقليم وتناولت عدة ملفات منها، هي ملف تسليم المطلوبين للجنائية الدولية، وتكوين محكمة خاصة بجرائم دارفور، بما فيها الجرائم ضد الإنسانية، وملف المصالحة.

وتضم قائمة المطلوبين للمحكمة الدولية وزير الدفاع السوداني الأسبق، الفريق "عبدالرحيم محمد حسين"، ووزير الدولة في الداخلية الأسبق "أحمد هارون"، إضافة إلى القيادي القبلي "علي كوشيب"، حيث يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية في دارفور.

وأثار إعلان الحكومة نيتها تسليم "البشير" ورموز حكومته إلى المحكمة الجنائية الدولية أسئلة عدة بين مراقبي الشأن السوداني حول دلالات الخطوة وأهدافها ومغزى توقيتها، خاصة أن المجلس العسكري الانتقالي، الذي أدار البلاد بعد الإطاحة بـ"البشير" وقبل تشكيل الحكومة التي يرأسها "عبدالله حمدوك"، سبق أن رفض في يونيو/حزيران الماضي طلباً من الجنائية الدولية بتسليم الرئيس المعزول لمحاكمته، وقدمت الخارجية السودانية حينها غطاء دبلوماسيا لهذا الموقف، مؤكدة أن "البشير سيلقى محاكمة عادلة أمام القضاء السوداني؛ لأن البلاد ليست طرفاً في المحكمة الجنائية الدولية".

كما بحث النائب العام السوداني "تاج السر علي الحبر"، مع وفد من هيئة محامي دارفور، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إمكانية تسليم "البشير" للجنائية الدولية، واتفق الطرفان على أن "الوقت غير ملائم للخروج بتصريحات تتعلق بتسليم البشير"، وأن "تصريحات كهذه سابقة لأوانها"، وفقا لما أوردته وكالة الأنباء السودانية الرسمية "سونا" آنذاك.

فما الذي تغير لتطوير الموقف الرسمي السوداني على هذا النحو؟

أهداف الخطوة

يكمن طرف من الجواب في دلالات اللقاء الذي أجراه رئيس مجلس السيادة السوداني، رئيس المجلس العسكري "عبدالفتاح البرهان" مع رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في 2 فبراير/شباط الماضي، وهو اللقاء الذي اعتبره مراقبون، بينهم الخبير في الشأن السوداني"مارك لافرن"، فصلا في الصراع الداخلي حول السلطة في الخرطوم.

فالجيش السوداني يسعى عبر التقارب مع (إسرائيل) إلى كسب تأييد الولايات المتحدة ودول الخليج لجهوده لاستعادة كامل السلطة مستقبلا من الحكومة المدنية أو على الأقل رفع العقوبات الأمريكية والسماح له بتلقي الأموال من دول الخليج، حسب رأي "لافرن"، الذي نقلته يومية "لاكروا" الفرنسية، بما يعني أن حكومة "حمدوك" بحاجة إلى عنصر معادلة في سباق تقديم القرابين لضمان التأييد الدولي في صراع السلطة الداخلي.

ويعزز من هذا التحليل أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يشترط على الدول التصديق على المعاهدة من أجل الخضوع لطائلة المحكمة الدولية، وهو ما لا ينطبق في حالة السودان التي لم توقع على معاهدة روما، وبالتالي لا يجب أن يخضع أي من مواطنيها لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية من الناحية القانونية.

وعليه فإن ما أعلنته حكومة "حمدوك" بشأن استهداف تسليم "البشير" إلى المحكمة الدولية يمكن قراءته في إطار لعبة السلطة الداخلية التي يمارسها "حمدوك" مع "البرهان"، وسعي الأول لكسب المزيد من النقاط لدى الولايات المتحدة والقوى الغربية.

ولم يوقع على نظام روما الأساسي سوى 60 دولة حول العالم، وترفضه الكثير من الدول الأفريقية التي ترى أنها مُستهدفة من قِبل الجنائية الدولية عبر محاكمات "مسيسة" لقادة دولها، ولذا حث الاتحاد الأفريقي الدول الأعضاء، في وقت سابق، على عدم الامتثال للمحكمة وهدد بعقوبات في حالة المخالفة.

وفي المقابل، بدا أن إعلان حكومة "حمدوك" يحمل بين طياته مغازلة لمواقف الدول الخليجية الداعمة لـ"البرهان"، والتي لديها خصومة شخصية مع "عمر البشير"، خاصة الإمارات، التي أظهر إعلامها ترحيبا واضحا بإعلان السودان نيته تسليم "البشير".

الميزان الدولي

يبدو من الواضح إذن أن جميع القوى الفاعلة في المشهد السوداني اليوم صارت تدرك أن ديناميات القوى الداخلية في السودان الجديد لا يمكن فصلها عن توجهات القوى الإقليمية والدولية، ونتيجة لذلك، فإن العديد من الأحزاب سبق أن طالبت بتسليم "البشير" إلى المحكمة الجنائية، وعلى رأسهم رئيس حزب الأمة القومي "الصادق المهدي"، الذي كرر مطلع الشهر الجاري، مطالبته للحكومة بتسليم "البشير" إلى الجنائية الدولية و"محاسبة جميع من انتهك أو سرق من مال الشعب السوداني" وفقا لما نقلته وكالة الأنباء السودانية.

ويشتهر حزب الأمة السوداني بتبني توجهات برجماتية تراعي موازين القوى الإقليمية، رغم أن "المهدي" صارع إلى إدانة لقاء "البرهان" مع "نتنياهو" قائلا إنه لا يحقق أي مصلحة للسودانيين.

جدير بالذكر أن حزب الأمة أول حزب سوداني يبدأ علاقة تطبيع مع (إسرائيل) لتساعده على مواجهة ضغط الأحزاب التي كانت تنادي بالاتحاد مع مصر، وتصطف مع زعيمها "جمال عبدالناصر"، في النصف الأول من خمسينات القرن الماضي.

ففي ذلك التوقيت، عقد زعيم الحزب "صديق المهدي"، والد "الصادق المهدي"، لقاء سريا بلندن في 1956 مع عدد من أعضاء السفارة الإسرائيلية في العاصمة البريطانية، وهو ما كشفته وثيقة باللغة العبرية نشرها محلل الشؤون الاستخباراتية الإسرائيلي "يوسي ميلمان" في تقرير نشره بصحيفة "هآرتس" العبرية.

في ضوء ذلك، يمكن فهم تصريحات "حمدوك" عقب لقاء "البرهان - نتنياهو"، ومسارعة رئيس الوزراء للتأكيد على احترامه لـ "تخصص المجلس السيادي"، وتجنب التماهي مع إدانة قيادات قوى الحرية والتغيير لـ "التطبيع مع (إسرائيل)".

وفيما لايزال مبكرا القطع بمدى تأثير نفوذ القوى الدولية على حسب مستقبل الصراع على السلطة في السودان، لكن تطورات ملفي التطبيع مع (إسرائيل) وتسليم "البشير" تعطي مؤشرات واضحة أن جميع القوى الفاعلة في المشهد السوداني صارت تؤمن أن مفاتيح السلطة في الخرطوم باتت تقع خارج السودان، وهي تتسابق اليوم لنيل رضا القوى الإقليمية والدولية من أجل ضمان نصيبها في كعكة السلطة.

المصدر | الخليج الجديد