السبت 15 فبراير 2020 01:35 م

"أصبح واضحًا الآن أن قمة كوالالمبور لم تكن تهدف إلى تقسيم الأمة، والنتائج التي توصلت إليها توحد الأمة، وبالطبع كنت أتمنى الحضور".. هكذا عبر رئيس وزراء باكستان "عمران خان" من قلب ماليزيا في 5 فبراير/شباط الجاري، عن ندمه لعدم حضور القمة الإسلامية التي استضافتها كوالالمبور في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي، في إشارة واضحة إلى ضيق إسلام آباد من الضغوط السعودية الإماراتية التي اضطرت "خان" للانسحاب من القمة بعد إعلان مشاركته فيها.

مظاهر هذا الضيق لم تبد واضحة فقط في تصريحات "خان"، التي تضمنت إشارة إلى أن "بعض الأصدقاء ضللوه" بشأن قمة كوالالمبور، بل في سياسات باكستان على الأرض خلال الشهرين الماضيين، إذ اتجهت لتعميق علاقات استراتيجية مع تركيا بلغت مستويات غير مسبوقة، رغم ما يثيرة ذلك من حساسية لدى الرياض وأبوظبي، اللتين تخوضان حربا إقليمية باردة ضد أنقرة.

وفي هذا الإطار، تم استقبال الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في إسلام آباد، الخميس 13 فبراير/شباط 2020، بحفاوة بالغة، حيث وقع الجانبان على اتفاقيات متعددة من شأنها تعزيز الإطار القانوني للعلاقات الثنائية.

خلافات عميقة ومساعدات مشروطة

وأثار ذلك تساؤلات لدى المراقبين حول أسباب هذا التوجه الباكستاني نحو تركيا رغم العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين إسلام آباد من جانب والرياض وأبوظبي من جانب آخر، خاصة أن وزير خارجية باكستان "شاه محمود قريشي" أفصح صراحة عن الضغوط الي مورست على "خان" لثنيه عن حضور قمة كوالالمبور، في خروج لافت عن التقليد الدبلوماسي المعتاد.

وتمكن جذور الإجابة على هذا السؤال في موقف "الدولة الباكستانية العميقة" السلبي من ضغوط السعودية والإمارات على إسلام أباد. ويعود هذا الموقف لاعتبارين، أساسيين أحدهما يتعلق بالمشروطية السياسية للمساعدات الاقتصادية القادمة من الرياض وأبوظبي، والآخر يتعلق بموقف البلدين الخليجيين من قضية إقليم كشمير الذي تتنازعه باكستان مع الهند، وأعلنت الأخيرة أحاديا إلغاء تمتعه بالحكم الذاتي، العام الماضي.

فقد ذكرت وسائل إعلام باكستانية في 8 فبراير/شباط الجاري أن السعودية تعارض طلب باكستان عقد اجتماع وزاري طارئ لمنظمة التعاون الإسلامي لمناقشة قضية كشمير، على خلفية قرار الهند، رغم المرونة المبدئية التي أبدتها الرياض تجاه عقد الاجتماع عقب رفض إسلام آباد المشاركة في قمة كوالالمبور، وإيفادها وزير الخارجية السعودي لشكر باكستان على موقفها.

غير أن هذه المرونة تحولت بعد ذلك إلى معارضة لعقد قمة طارئة لمنظمة التعاون بشأن كشمير رغم الطلب الباكستاني المتكرر، واقتراح بدائل أخرى غير القمة، على غرار عقد منتدى برلماني أو اجتماع لممثلين يبحثون قضيتي فلسطين وكشمير معا، غير أن باكستان تمسكت بمطلبها.

وبدا جليا أن السعودية والإمارات تقدمان مصالحهما الاقتصادية والعسكرية مع الهند على مصالح باكستان، وهو ما أغضب إسلام أباد ودفعها نحو مزيد من التقارب مع تركيا، حسبما نقلت قناة الجزيرة عن المحلل السياسي "عمر عياصرة".

فالمسؤولون الباكستانيون، حسب "عياصرة"، خاب ظنهم في الرياض وأبوظبي بعد موقفهما السلبي من القضية الكشميرية وتقاربهما مع الهند، وهو ما قد يمثل فصلا جديدا في إتقان السعودية لـ "فن خسارة الحلفاء"، حسب تعبيره.

ولذا يشير "عياصرة" إلى أن الباكستانيين "بدؤوا يفكرون في تنويع خياراتهم والاقتراب أكثر من تركيا وماليزيا ولكن دون الخروج بشكل نهائي من تحالفهم مع السعوديين".

ومن خلال تعزيز علاقاتها مع تركيا، ترسل إسلام أباد رسالة إلى الرياض مفادها أن "باكستان تحاول البحث عن خيارات أخرى، وأنها حساسة جدا تجاه الهند وقضية كشمير، وأنه يمكن للباكستانيين إدارة ظهورهم للرياض إذا واصلت المملكة ضغوطها في هذا الاتجاه".

وعلى النقيض من الموقف السعودي الإماراتي، ركز الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، في خطابه أمام جلسة للبرلمان الباكستاني الجمعة، على دعم بلاده لباكستان في كلّ المجالات، لا سيما في قضية كشمير.

وتعد زيارة أردوغان وخطابه أمام البرلمان الباكستاني تتويجا للطفرة التي شهدتها العلاقات بين أنقرة وإسلام أباد مؤخرا وشملت زيادة التبادلات التجارية وتعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية.

 ووفقا لدائرة الاتصال في الرئاسة التركية، فقد وصل حجم التبادل التجاري بين تركيا وباكستان خلال عام 2019 إلى 803 ملايين دولار، وهو رقم مرشح للتضاعف خلال الأعوام القادمة.

وتسعى أنقرة من خلال تقاربها مع إسلام أباد لتحقيق مزيج من الفوائد الاقتصادية والجيوسياسية، إذ يمكن لباكستان دعم ضمّ تركيا إلى مشروع الممر الاقتصادي المشترك "CPEC" بين باكستان والصين، وهو ما يعطي فرصة جيدة للمستثمرين الأتراك.

في المقابل؛ تسعى إسلام أباد لإثبات قدرتها على موازنة علاقاتها وإرسال رسالة إلى حلفائها الخليجيين أن عليهم التعامل مع باكستان كدولة مستقلة في إطار تبادل مشترك للمنافع دون ضغوط سياسية، على غرار تركيا، أو مواجهة نزيف جديد لرصيدهما الإقليمي، حسبما يرى المحلل السياسي "رؤوف حسن".

ويتوقع "حسن" أن باكستان على وشك القيام بتغييرات كبيرة في توجهاتها قد تشكل نقلة نوعية في علاقاتها، بهدف "الحفاظ على حرية خياراتها كأي دولة ذات سيادة، بعدما فشلت خلال ديسمبر/كانون الأول الماضي في حضور قمة كوالالمبور" وفق ما نقلته قناة الجزيرة.

تاريخ من الدعم

بخلاف ذلك، تستند العلاقات النامية بين تركيا وباكستان إلى تاريخ طويل من "التآزر القومي" بين البلدين، عبر عنه "أردوغان" في خطابه بقوله: "في الوقت الذي هرعت فيه الأطراف المتشدقة بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، لإنقاذ الإرهابيين، فإن باكستان وقفت إلى جانب تركيا في كفاحها المحق"، في إشارة إلى دعم باكستان لتركيا في مواجهتها لانفصاليي حزب العمال الكردستاني.

ويعود هذا التاريخ إلى ستينيات القرن الماضي، ففي يوليو/تموز 1964، زار الرئيس الباكستاني آنذاك "أيوب خان" تركيا وأعرب عن قلقه إزاء الوضع في قبرص وأبدى اهتمامه ودعمه للجانب التركي، وردًا على هذا الموقف، أبدى رئيس الوزراء التركي حينها "سليمان ديميريل" امتنانه لهذه الخطوة.

وبمرور الوقت تحول التآزر القومي إلى تعاون تجاري واستراتيجي، شملت استيراد تركيا للمنتجات الباكستانية مثل الأدوات الجراحية والصودا الكاوية (هيدروكسيد الصوديوم) والجلسرين وزيت الخروع ومنتجات الفولاذ المقاوم للصدأ، واستيراد باكستان للمواد الكيميائية والمنسوجات من تركيا. وبخلاف ذلك حافظ كلا الطرفين على علاقات عسكرية طويلة الأمد، حيث زودت تركيا باكستان بالأسلحة والمعدات العسكرية ودربت كذلك الضباط الباكستانيين.

وأطلق الشعب الباكستاني مؤخرا حملة لدعم العملة التركية في مواجهة أزمتها، حيث تدفقوا إلى محال الصرافة لشراء الليرة من السوق، كما مددت باكستان، في وقت سابق من فبراير/شباط الجاري، الموعد المحدد لتسليم طائرات الهليكوبتر الهجومية التركية "T129"، التي تأخرت بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على تركيا.

في ضوء ذلك، يبدو أن علاقات إسلام آباد مع أنقرة مرشحة للنمو خلال الأشهر المقبلة، في وقت يبدو فيه أن باكستان حريصة على الحصول على استقلال أكبر عن نفوذ الرياض التي يمكن أن تخسر تحالفها مع باكستان حال استمرت في فرض الإملاءات السياسية على إسلام أباد بطريقته الفجة، والمهينة أحيانا.

المصدر | الخليج الجديد