الاثنين 17 فبراير 2020 12:59 م

تعتبر ترسانة (إسرائيل) النووية هي أكثر سر مظلم في العلاقات الدولية، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، حافظت (إسرائيل) على رادع نووي من أجل الحفاظ على توازن القوى الإيجابي مع جيرانها.

وبصرف النظر عن بعض اللحظات المقلقة خلال حرب يوم الغفران (حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973)، لم تفكر الحكومة الإسرائيلية مطلقًا في استخدام هذه الأسلحة.

ويعد السيناريو الأكثر ترجيحًا لاستخدام (إسرائيل) للأسلحة النووية هو الرد على هجوم نووي أجنبي، إن دفاعات (إسرائيل) الصاروخية، والدفاعات الجوية، وأنظمة إيصالها معقدة للغاية لدرجة يصعب معها تصور سيناريو تستطيع فيه أي دولة أخرى غير إحدى القوى النووية الكبرى تنفيذ ضربة أولى تشلها.

وبالتالي، فمن المؤكد أن أي دولة ستهاجم (إسرائيل) نوويا ستواجه انتقامًا كبيرًا في وقت قصير. وستتمثل أهداف (إسرائيل) في تدمير القدرة العسكرية للعدو (لنفترض أن هذا العدو هو إيران)، وكذلك سترغب في إرسال رسالة مفادها أن أي هجوم نووي ضد (إسرائيل) سيواجه رداً كارثياً لا يمكن تصوره.

ولكن ما الذي قد يدفع (إسرائيل) لتكون البادئ في حرب نووية؟

الاستباقية النووية

إذا ظهر أن قوة عدائية (لنفترض أنها إيران) على وشك الحصول على قنبلة نووية، فقد تفكر (إسرائيل) في هجوم نووي وقائي.

في حالة إيران، يمكننا أن نتخيل سيناريوهات لم يعد فيها المخططون الإسرائيليون يجدون أن الهجوم التقليدي يكفي لتدمير البرنامج الإيراني أو تأخيره.

في مثل هذا السيناريو، وفي غياب تدخل مباشر من الولايات المتحدة، قد تقرر (إسرائيل) القيام بهجوم نووي محدود ضد المنشآت الإيرانية.

ونظراً لأن إيران تفتقر إلى دفاعات صاروخية باليستية يُعتدّ بها، فمن المرجح أن تسقط (إسرائيل) الأسلحة النووية بصواريخها الباليستية "أريحا 3" متوسطة المدى.

ومن المحتمل أن تقصر (إسرائيل) هجماتها على أهداف مرتبطة تحديداً بالبرنامج النووي الإيراني، بعيداً عن المناطق المدنية.

ونظرًا لأنها ستكون قد كسرت خط المحرمات النووية على أية حال، فقد تستهدف (إسرائيل) منشآت وقواعد عسكرية أخرى، لكن من المحتمل أن ترغب الحكومة الإسرائيلية في تقييد سابقة استخدام الأسلحة النووية قدر الإمكان.

ولكن من المرجح أن تتسبب الأسلحة النووية في أضرار أكبر من معظم الهجمات التقليدية التي يمكن تخيلها، كما أنها تعكس مستوى من الخطورة قد يفاجئ حتى الإيرانيين.

من ناحية أخرى، فإن استخدام (إسرائيل) للأسلحة النووية قد يزيد من اهتمام الجميع في المنطقة (وربما في جميع أنحاء العالم) بتطوير ترساناتهم النووية.

نقل السلاح النووي

وتعتبر أحد أهم مخاوف (إسرائيل) هي فكرة أن تقوم قوة نووية (مثل إيران، باكستان، أو كوريا الشمالية) بإعطاء أو بيع سلاح نووي إلى منظمة غير حكومية.

سيكون من الصعب ردع "حماس" أو "حزب الله" أكثر من دولة قومية تقليدية، وحتى إذا لم تستخدم هذه المنظمات السلاح على الفور ضد هدف إسرائيلي، فمن المحتمل أن تحصل على تنازلات لن ترغب (إسرائيل) في تقديمها.

في مثل هذا السيناريو، قد تفكر (إسرائيل) جيدًا في استخدام الأسلحة النووية لمنع نقل الأسلحة النووية أو تدميرها بعد تسليمها. هذا سيعتمد على الوصول إلى معلومات استخبارية دقيقة حول عملية النقل، ولكن ليس من الصعب أن تتمكن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ذات الكفاءة التشغيلية العالية من توفير مثل هذه المعلومات.

لماذا ستستخدم (إسرائيل) القوة النووية في هذه الحالة إذن؟ السبب الأكبر هو ضمان نجاح الضربة. سيكون كل من السلاح نفسه والأشخاص الذين يتعاملون مع السلاح أهدافًا مهمة، وسيضمن الهجوم النووي تدميرهم بشكل أكثر فعالية من الضربة التقليدية الضخمة (التي قد تصاحب الهجوم النووي).

علاوة على ذلك، قد يؤدي الالتزام بأكثر أشكال استخدام القوة تطرفًا إلى ردع كل من المنظمات غير الحكومية والدولة الأصلية (ناهيك عن أي دول سهّلت النقل عبر حدودها مثل سوريا) من محاولة نقل أخرى.

ومع ذلك، فإن الاستخدام النشط للأسلحة النووية ضد جهة فاعلة من غير الدول قد يبدو للعالم وكأنه مبالغة، ويمكن أن يعزز من جديد اهتمام الدولة الأصلية مصدر السلاح النووي في إثارة المزيد من المشاكل لـ(إسرائيل).

تكبد هزيمة تقليدية

تبدو فكرة أن (إسرائيل) قد تخسر حربًا تقليدية سخيفة الآن، ولكن أصول إنشاء البرنامج النووي الإسرائيلي كانت تكمن في الخوف من أن الدول العربية قد تطور ميزة عسكرية حاسمة يمكن أن تستخدمها لإلحاق الهزيمة بـ(إسرائيل) في ساحة المعركة.

واقترب ذلك  من الحدوث خلال حرب "يوم الغفران" عام 1973، عندما سيطر الجيش المصري على قناة السويس وتقدم الجيش السوري إلى مرتفعات الجولان.

ولا يزال هناك غموض حول مدى جدية مناقشة (إسرائيل) لاستخدام الأسلحة النووية خلال تلك الحرب، ولكن لا شك في أن (إسرائيل) يمكن أن تفكر في استخدام أسلحتها القوية إذا كان التوازن التقليدي يميل بشكل حاسم ضد مصلحتها.

كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ يمكننا أن نتخيل بعض السيناريوهات، التي ينطوي معظمها على زيادة العداء بين (إسرائيل) وجيرانها الأكثر تسامحًا.

يمكن لثورة أخرى في مصر إعادة كتابة المعادلة الأمنية بسهولة على الحدود الجنوبية لـ(إسرائيل)؛ وفي حين أن صداقة السعودية تبدو آمنة، فإن عدم الاستقرار السياسي قد يغير ذلك؛ حتى السياسة التركية قد تتغير في اتجاه سلبي.

تمتلك (إسرائيل) حاليًا مزايا عسكرية تقليدية ساحقة، لكن هذه المزايا تعتمد إلى حد ما على بيئة استراتيجية إقليمية مواتية. قد تترك التحولات السياسية (إسرائيل) معزولة دبلوماسياً، لتكون هشة أمام الهجوم التقليدي مرة أخرى.

وفي مثل هذه الحالة، ستظل الأسلحة النووية جزءًا من مجموعة من الأدوات لضمان بقائها.

الخلاصة

من غير المحتمل أن تقرر (إسرائيل) استخدام الأسلحة النووية بشكل استباقي في نزاع مستقبلي، لكن ذلك ليس مستحيلًا.

أفضل طريقة لمنع حدوث ذلك هي الحد من الأسباب التي قد ترغب (إسرائيل) بسببها استخدام هذه الأسلحة، مثل منع المزيد من انتشار الأسلحة النووية.

إذا استخدمت (إسرائيل) الأسلحة النووية في أي وقت بغضب، فستعيد كتابة الهيكل الدبلوماسي والأمني ​​في الشرق الأوسط، وكذلك بنية عدم انتشار الأسلحة النووية في العالم بأسره.

المصدر | روبرت فارلي - ناشيونال إنترست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد