الأربعاء 19 فبراير 2020 05:30 م

بعد تأجيلات متكررة، تستعد الإمارات لتشغيل واحد من بين أربع مفاعلات نووية سلمية للمرة الأولي في العالم العربي، حيث أعلن "حمد الكعبي" نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة الاتحادية للرقابة النووية بالدولة الخليجية، إصدار رخصة تشغيل المفاعل الأول؛ مما يمهد الطريق لبدء الإنتاج في وقت لاحق من العام الجاري.

وكان من المقرر أن يتم افتتاح محطة "براكة" النووية في أبوظبي، التي تبلغ تكلفتها عدة مليارات من الدولارات وتشيدها شركة كوريا للطاقة الكهربائية (كيبكو)، في عام 2017.

وقد أثار تأجيل بدء التشغيل أكثر من مرة مخاوف الخبراء والمراقبين في مجال الطاقة النووية، ويبدو أن هذه المخاوف والشكوك مستمرة حتى الآن.

فما هي دوافع الإمارات وراء دخول إلى مجال الطاقة النووية، وما مخاطر هذا المشروع؟ ومدي إمكانية أن تستغل الدولة الخليجية مشروعاتها النووية الجديدة في أغراض غير سلمية؟

دوافع متعددة

يمكن القول إن هناك أهمية اقتصادية وبيئية واستراتيجية للمشروع النووي الإماراتي، الذي أعلنت أبوظبي تدشينه في ديسمبر/ كانون الأول 2009، فعدد سكان الإمارات في تزايد مستمر، وهي مركز اقتصادي مهم بالمنطقة ويحتاج الحفاظ على النمو الاقتصادي إلى تدفقات مستمرة ومتزايدة من الطاقة.

ورغم أن الدولة الخليجية تمتلك بالفعل وفرة من مصادر الطاقة التقليدية وعلى رأسها النفط، لكن أبوظبي تعد نفسها لمرحلة ما بعد نفاذ هذه المصادر، كما أن الطاقة النووية تعد مصدرا نظيفا نسبيا للطاقة مقارنة بالوقود الأحفوري المرتبط بزيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

وعندما يتم تشغيل المفاعلات الأربعة سيكون لدي الإمارات القدرة على توفير 25% مما تستهلكه من النفط والغاز محليا، وعندما يحل هذا القدر من الطاقة النووية محل الطاقة المحلية فإن ذلك يعادل التخلص من 3 ملايين سيارة في العام.

كما ترغب الإمارات، وهي منتج كبير للنفط في "أوبك"، في تنويع مزيج الطاقة لديها، بإضافة الطاقة النووية لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء والمساعدة في إتاحة مزيد من الخام للتصدير.

وتريد الدولة أن توفر الطاقة النووية 6% من إجمالي احتياجاتها من الطاقة بحلول 2050.

ووفق "الكعبي" فإن الترخيص الممنوح لمشغل المحطة، "نواة للطاقة"، مدته 60 عاما، مشيرا إلى أنه بمقدور "نواة" الآن البدء في الاستعداد للعمليات التجارية حيث ستستمر التجارب لبضعة أشهر.  وستضم محطة "براكة" عند استخدامها 4 مفاعلات بقدرة إجمالية 5600 ميجاوات، موزعة بالتساوي.

شكوك ومخاطر

وأثارت التأجيلات المتكررة لعملية بدء تشغيل المفاعل الإماراتي مخاوف الخبراء والمراقبين في مجال الطاقة النووية، كان آخرها ما أورده "بول دورفمان" مؤسس مجموعة الاستشارات النووية، والذي زعم أن تصدعات وتشققات ظهرت في مباني الاحتواء بالمفاعلات الإماراتية الأربعة التي يتم تشييدها بشراكة مع المؤسسة الكورية للطاقة الكهربائية (KEPCO)، وفرعها كوريا للطاقة المائية والنووية (KHNP).

وأورد "دورفمان" تحذيراته في تقرير مكون من 24 صفحة، بعنوان "الطموح النووي الخليجي.. مفاعلات نووية جديدة في الإمارات"، وأكد فيه أنه تم العثور على تشققات في جميع المباني الحاضنة للمفاعلات الأربعة أثناء عملية البناء، مما يستلزم تعليق أعمال التشييد للقيام بإجراء الإصلاحات اللازمة.

 وذكر "دورفمان" أن شركة كوريا للطاقة المائية والنووية المساهمة في المشروع عانت سابقا على وقع فضيحة تمثلت في استخدامها أجزاء مزيفة في بناء مفاعلاتها، كما كان هناك خلاف سابق بين الشركة ومؤسسة الإمارات للطاقة النووية بشأن استبدال عمال مختصين في محطة الظفرة بعمال آخرين أقل خبرة دون إعلام مسبق للسلطات الإماراتية.

ومما يعزز الشكوك التي ذهب إليها "دورفمان" بشأن تصاميم المؤسسة الكورية للطاقة الكهربية، عجز الشركة عن الحصول على أي عقود جديدة، حيث يبقى عقدها مع الإمارات الوحيد رغم محاولات حثيثة باءت بالفشل للحصول على عقود في كل من ليتوانيا وتركيا وفيتنام والمملكة المتحدة.

 ولفت "دورفمان" إلى أن تصميم المفاعل المستخدم في موقع براكة لا يحتوي على مواصفات الأمان المشترطة في كل المفاعلات النووية بأوروبا، حيث لا يضم مفاعلا حاضنا إضافيا أو ما يعرف "بالماسك الأساسي"، "الذي يساعد في الحد من إطلاق الإشعاعات في حال وقوع أي ظواهر طبيعية أو حادث أو هجوم متعمد على المنشأة.

ولتجنب المخاطر الطبيعية بحثت الإمارات عن تاريخ الزلازل في مجمل أراضيها ووقع اختيارها على المنطقة التي أقيمت عليها المحطة النووية، بسبب قلة الزلازل فيها، إضافة إلى قربها من مياه الخليج حت تستخدم المياه في عملية التبريد وأيضا بسبب بعدها عن المناطق السكانية وقربها من شبكة الكهرباء التي ستستفيد من مصدر للطاقة.

لكن بالنظر إلى وجود هذه المحطات النووية في مرمى صواريخ الأعداء وعلى رأسهم إيران، فلا يمكن استبعاد إمكانية استهدافها كما حدث مع شركة "أرامكو" السعودية، في سبتمبر/ أيلول الماضي.

بجانب أن هناك صعوبة أخري تتمثل في مشكلة النفايات النووية والتي تحتاج إلى تقنيات خاصة جدا لدفنها في أعماق كبيرة جدا في الأرض وسط إجراءات صارمة جدا وتبقي مشعة لعشرات وأحيانا لمئات السنوات.

خطاب مزدوج

وفى عام 2008 أصدرت الإمارات وثيقة لسياستها الخاصة بالمجال النووي، أعلنت خلالها التزامها بعدم تخصيب اليورانيوم أو التعامل مع الوقود النووي وهاتين العمليتان وهما العمليتان الأساسيتان في تصنيع السلاح النووي.

وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك مؤسسات دولية تراقب المشروعات الإماراتية منذ البداية، بجانب وجود ألف خبير أمريكي يراقبون التزام الإمارات بالرخصة الممنوحة لها لاستخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية.

لكن رغم أن الإمارات تحرص على إبداء التزامها بسلمية برنامجها النووي، فلا يمكن استبعاد أن تحول الإمارات برنامجها لأغراض عسكرية خاصة إذا حصلت دول أخرى في المنطقة مثل إيران، أو حتى السعودية التي تدير هي الأخرى برنامجا طموحا للطاقة النووية، على السلاح النووي.

ويعزز إمكانية تخلي الإمارات عن التزاماتها في هذا الصدد ما ورد في تقرير نشره موقع "ذا ديبلومات" في 2017 تحت عنوان "لماذا تشتري الإمارات أسلحة من كوريا الشمالية".

واتهم التقرير أبوظبي بتبني خطاب مزدوج، مستشهدا ببيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية الإماراتية أدان إطلاق كوريا الشمالية صواريخ باليستية عابرة للقارات سقطت في المنطقة الاقتصادية الخاصة باليابان، في الوقت الذي اشترت فيها الدولة الخليجية أسلحة من بيونج يانج بقيمة 100 مليون دولار.

وذكر الموقع، المعني بالشؤون الآسيوية، أنه على الرغم من خطاب أبوظبي الصارم تجاه بيونج يانج، إلا أن تسريبات أمريكية أفادت بانتهاك الإمارات العقوبات الدولية المفروضة على كوريا الشمالية، عبر شراء أسلحة من هذه الدولة المنبوذة أممياً، موضحاً أن الصلات السرية بين الجانبين قد تصل إلى سعي أبوظبي لشراء أسلحة نووية من بيونج يانج.

وذكر الموقع، في حينها، أنه بما أن العديد من صناع السياسة الإماراتيين يعتقدون أن إيران سوف تتراجع عن التزاماتها في الاتفاق النووي (وهو اعتقاد صار أكثر ترجيحا مع انسحاب "ترامب" من الاتفاق عام 2018)، فقد أعرب كبار المسؤولين الإماراتيين، مثل سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة "يوسف العتيبة"، عن اهتمامهم بتطوير رادع نووي إماراتي.

وعلى الرغم من أن المسؤولين الأمريكيين لا يريدون من دولة الإمارات شراء أسلحة نووية، إلا أن أبوظبي حافظت على روابط تجارية مع الدول النووية المناهضة للغرب، حتى يمكنها أن تستجيب بسرعة لانتهاك إيراني كبير لاتفاق خطة العمل الشاملة.

وفي هذا السياق، يضيف الموقع أن كوريا الشمالية تعتبر موردا محتملاً للمواد النووية لدولة الإمارات، مشيرا إلي أن الروابط العسكرية بين الإمارات وبيونج يانج تعود إلى عام 1989 عندما اشترت أبوظبي صواريخ "سكود-بي" من كوريا الشمالية.

ووفق موقع "ذا ديبلومات"، فقد حدثت عمليات شراء الصواريخ هذه جنبا إلى جنب مع حصول الإمارات على طائرات "ميراج 2000" و"إف - 16" التي يمكن استخدامها كنظم تسليم الأسلحة النووية.

وفي حين اعتبرت الصين وباكستان في البداية الموردين المحتملين للمواد النووية للإمارات، فإن عدم رغبة بكين أو إسلام آباد في عزل إيران يمكن أن يجعل بيونج يانج موردا أفضل للتكنولوجيا النووية.

المصدر | الخليج الجديد