الخميس 20 فبراير 2020 02:08 م

تتجه العلاقات القطرية الأردنية اليوم نحو المزيد من التعزيز، على المستويين السياسي، والاقتصادي، بعد عامين تقريبا من الجمود في العلاقات بين البلدين.

وكانت عمان قد انحازت إلى جانب دول الحصار الرباعي (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، في مقاطعة قطر منذ 5 يونيو/حزيران 2017، حيث خفضت مستوى تمثيلها الدبلوماسي مع الدوحة، وسحبت سفيرها من البلاد، وأغلقت مكتب قناة "الجزيرة" في عمان.

لكن العلاقات بين قطر والأردن بدأت تستعيد مسارها الطبيعي، خلال الأشهر الأخيرة.

وفي يوليو/ تموز 2019، أعلنت المملكة الهاشمية استئناف العلاقات الدبلوماسية مع قطر، وعينت سفيرا للبلاد في الدوحة.

ويترقب الأردن أول زيارة يجريها أمير قطر، الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني" للمملكة الهاشمية، الأسبوع المقبل، وهي الأولى من نوعها منذ مارس/آذار 2014.

خطوات محسوبة

مقارنة بموقف دول الحصار، فإن الأردن انتهج سياسة محسوبة، وترك الباب مواربا لعودة العلاقات، دون التورط في الحصار الاقتصادي، أو الحرب الإعلامية التي تعرضت لها قطر.

مقابل ذلك، أبدت الدوحة تفهما سياسيا لدوافع القرار الأردني الذي اتخذ تحت ضغوط سعودية إماراتية، ووعود بحزم مساعدات لدعم الاقتصاد الأردني الضعيف.

وفي أعقاب الاحتجاجات التي شهدها الأردن بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، وأدت إلى إسقاط حكومة "هاني الملقي"، يونيو/حزيران 2018، أبدت الدوحة موقفا داعما لعمان، وأعلنت عن تقديم 500 مليون دولار للاستثمار في البنى التحتية، دعما للأردن، وتخصيص 10 آلاف وظيفة للأردنيين في مختلف المجالات.

وفي المقابل المساعدات القطرية الفعلية، لم يتحصل الأردن من الرياض وأبوظبي سوى على وعود فضفاضة بالدعم، فضلا عن كون علاقات عمان مع الثنائي الخليجي تشهد توترا مكتوما على خلفية تباين وجهات نظر الرياض وعمان حيال تطورات القضية الفلسطينية وصفقة القرن وقضية القدس، والمعتقلين الأردنيين في السجون السعودية.

ويبدو أن صانع القرار الأردني، أراد الوقوف في المنتصف، وتجنب تفاعلات الأزمة الخليجية، حتى تكشفت الأمور، وبدا يدرك أن مصالحه تكمن في إعادة التموضع واستعادة العلاقات مع الدوحة.

دعم قطري

عبر التوجه إلى الأردن، تراهن قطر على تعزيز دبلوماسيتها في المنطقة، وكسب حليف جديد إلى جانبها، في مواجهة الرباعي العربي، وفي المقابل، يراهن الأردن على الدعم القطري في حل جزء من الأزمة الاقتصادية التي تواجه البلاد.

وتدفع المصالح المشتركة، علاقات البلدين إلى اتجاه تصاعدي، في مجالات مختلفة، وكذلك تنسيق المواقف حيال أزمات المنطقة، خاصة سوريا والعراق وإيران.

ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 400 مليون دولار، وتحتل قطر المرتبة الثالثة من حيث حجم الاستثمارات في الأردن، والذي يقدر بنحو ملياري دولار، وفق بيانات رسمية أردنية لعام 2018.

وحقق التبادل التجاري بين البلدن نموا لافتا في عام 2018 بنسبة بلغت 18%، وصولا نحو 1.3 مليار ريال (نحو 200 مليون دولار)، مقابل 1.1 مليار ريال في 2017، رغم الفتور السياسي القائم بين البلدين.

وشهد السوق القطري دخول نحو 175 شركة أردنية جديدة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2019، من خلال شراكات وتحالفات مع شركات قطرية.

وبلغ عدد الشركات القطرية الأردنية المشتركة العاملة في السوق القطري بنهاية الربع الثالث من العام الماضي، 1725 شركة، مقابل 1550 شركة بنهاية العام 2018.

وتتجه قطر للاستعانة مستقبلاً بقوات الدرك الأردنية في تأمين فعاليات مونديال 2022.

سياسيا، تدعم قطر الوصاية الأردنية الهاشمية التاريخية على المقدسات الدينية، الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة، أمام المساعي السعودية لنقل تلك الوصاية إليها، ما أحدث توترًا في العلاقات الأردنية السعودية.

لم تقف الأمور عند هذا الحد، حيث تطورت التفاهمات السياسية والاقتصادية بين البلدين إلى شكل من أشكال التعاون في المجال العسكري، وظهر ذلك في المباحثات التي جمعت وزير دفاع قطر "خالد بن محمد العطية"، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأردنية "يوسف أحمد الحنيطي"، وانتهت إلى توقيع عدد من اتفاقيات التعاون العسكري المشترك، العام الماضي.

 واقعية أردنية

يخبرنا استقراء بوصلة الدبلوماسية الأردنية أن الواقعية السياسية تحكم توجهات عمان، التي أدركت مبكرا أنها لم تستفد شيئا من التورط في الأزمة الخليجية المتواصلة للعام الثالث على التوالي.

وفي النهاية، توصلت الدبلوماسية الأردنية إلى نتيجة مفادها أنه ليس من مصلحة عمان القطيعة مع الدوحة، خاصة أن الحصار تآكل بالفعل، وأن أقطابه الرئيسية بدأت فعليا في إحداث خروقات به، على مستويات عدة تراوحت من الرياضة إلى المشاركة العسكرية.

وقد عزز من هذا التوجه الأردني أن قطر بادرت لدعم الأردن اقتصاديا واستثماريا وسياسيا، بينما غابت المساعدات السعودية التي اقتصرت على الوعود التي يتم التلويح بها بين الحين وال’خر، وهو ما لجأ إليه السفير السعودي لدى عمان "نايف السديري"، مجددا وعود بلاده للأردن بحزمة مساعدات تتضمن ضخ استثمارات بـ3 مليارات دولار.

وجاء التعهد الجديد، قبل أيام من الإعلان عن زيارة أمير قطر للعاصمة الأردنية، ما اعتبر رسالة استمالة من الرياض لعمان، تحاول من خلالها لجم اندفاعها نحو توثيق العلاقات مع الدوحة.

تحالف جديد

ورغم أنه من المبكر الجزم بهذه النتيجة، فليس من المستبعد أن تتطور العلاقة النامية بين البلدين إلى تحالف جديد، لاسيما في ظل التوترات الكامنة بين الأردن والرياض التي تحاول تهميش دور الدولة الهاشمية في الشأن الفليطيني عبر دعم "صفقة القرن" التي طرحتها إدارة "ترامب".

وتعول عمان على تفعيل مجلس الأعمال القطري الأردني المشترك، في جذب فرص استثمارية للبلاد، ونيل حصة ثمينة من كعكة الاستثمارات القطرية حول العالم، وزيادة معدل التبادل التجاري بين البلدين.

ومن المأمول للطرفين، أن تتوج زيارة "تميم" للعاصمة الأردنية، مسار التقارب بعد القطيعة، والتعاون بعد الفتور، وربما تمهد الطريق نحو تحالف اقتصادي وسياسي، يكسر الحصار الرباعي المفروض على قطر، وكذلك الحصار السعودي المفروض على الأردن.

المصدر | الخليج الجديد