الأحد 23 فبراير 2020 10:08 ص

تتواصل تداعيات قضية الرشاوى العالمية المتعلقة بعملاق الطائرات "إيرباص"، ويبدو أن أصداء هذه القضية وصلت إلى الكويت وسط اتهامات لمسؤولين حكوميين بالتورط، وتحقيقات برلمانية متواصلة في الصفقات المبرمة مع شركة صناعة الطائرات العالمية.

وطلبت الخطوط الجوية الكويتية في العام 2014، 15 طائرة من طراز "320 نيو" و10 طائرات طراز "إيرباص 350".

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2018، تم تعديل العقد ليشمل شراء 28 طائرة جديدة تتسلمها الشركة الكويتية حتى عام 2026.

ولم تثر الصفقات حينها أية شكوك، لكن اتفاق التسوية الذي وقعته "إيرباص" أمام محكمة بريطانية في 31 يناير/كانون الثاني الماضي، ويقضي بدفع 3.6 مليار يورو كغرامات لبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة لإغلاق تحقيقات فساد ضد الشركة، فتح الباب للتحقيق في أنشطة الشركات وصفقاتها المبرمة في الكويت.

تسوية كاشفة

اللافت أن التسوية التي وافقت عليها "إيرباص"، كانت بمثابة الغطاء الذي فتح خزانة الأسرار أمام المحققين من دول عدة، أوروبية وآسيوية، للتحقيق في قضايا فساد محتملة تورطت فيها "إيرباص".

وتشير وثائق القضية، إلى تورط مسؤولين في تلقي رشاوى في كل من "النمسا وماليزيا وسريلانكا وكولومبيا وإندونيسيا وتايوان وغانا".

وهناك دول أخرى يتم البحث فيها عن احتمال دفع رشاوى فيها، وهي "الصين واليابان والبرازيل وتركيا والكويت".

وتجري في النمسا حاليا تحقيقات موسعة حول دفع "إيرباص" عمولات في البلاد بقيمة 55 مليون يورو (59.2 مليون دولار) لـ14 شخصا ومؤسسة لتسهيل شراء صفقة "يوروفايتر".

وفي الهند تجري تحقيقات كذلك حول صفقة بيع 43 طائرة "إيرباص" لشركة الخطوط الجوية الهندية بقيمة 2.2 مليار دولار، وإذا ما كانت الصفقة قد تضمنت أي نوع من الرشوة.

تصعيد برلماني

في السياق ذاته، أعلن مجلس الأمة الكويتي، تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في صفقات "إيرباص" داخل الكويت وإذا ما كانت قد تضمنت شبهات فساد أو رشاوى مالية.

ووفق تصريحات النائب "رياض العدساني"، فإن التحقيقات كشفت جرائم مالية وشبهات تعارض مصالح وأدوار مشبوهة لوسيط عربي (لم يسمه) مع مسؤولين كويتيين (لم يسمهم).

كذلك تم تكليف ديوان المحاسبة (جهة رقابية حكومية) بفحص ومراجعة أعمال الخطوط الجوية الكويتية في الصفقة التي كانت قيمتها تقدر بمليارات الدولارات.

وستقوم أيضا الهيئة العامة لمكافحة الفساد (نزاهة) بالتحقيق في ما أثير حول شبهات فساد متعلقة بصفقات شركة الخطوط الجوية الكويتية.

تجاوزات سابقة

وإضافة إلى وقائع الفساد محل التحقيق، يجرى حاليا الكشف عن وجود تعيينات من دون إعلانات توظيف، وشكاوى مرتبطة بالتمييز بين الكويتيين وغير الكويتيين في المزايا المالية والإدارية، إضافة إلى تجاوزات مالية أخرى بقطاع الطيران في البلاد.

وفي تأكيد على تمدد تفاعلات فضيحة الرشوة، قال مقرر لجنة التحقيق، النائب "صالح عاشور"، إن عمل اللجنة لا يقتصر فقط على التحقيق في صفقة "إيرباص"، بل يشمل التحقيق في صفقات أخرى، بالإضافة للتجاوزات المالية والإدارية سواء التي تمت في فترة مجلس الإدارة الحالي، أو المجالس السابقة.

ومن المقرر رسميا، انضمام جهات حكومية هي "وزارة الخارجية وإدارة الفتوى والتشريع ووزارة المالية والهيئة العامة للاستثمار وشركة الخطوط الجوية الكويتية"، إلى تحقيقات القضية، التي تتوسع دائرتها يوما بعد الآخر.

ولا يزال الشارع الكويتي يعيش أصداء قضية الاستيلاء على نحو 800 مليون دولار من صندوق لمساعدة العسكريين، التي كشفها وزير الدفاع الكويتي السابق الشيخ "ناصر صباح الأحمد" في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وتسببت في استقالة حكومة "جابر المبارك".

أزمة "كاراكال"

ورغم أنه لا يمكن التنبؤ حتى الآن بحجم الفساد في صفقات "الإيرباص" و"اليورو فايتر" الأخيرة في الكويت، وهي صفقات ضخمة بمليارات الدولارات، لكن يبدو أن القضية ستفتح أمام الكويتيين ملفات فساد جديدة في قطاع الطيران المدني والعسكري.

ومن المتوقع أن تمتد تحقيقات القضية إلى صفقات عسكرية تتعلق بـ"إيرباص"، أبرمت منذ سنوات، إحداها بقيمة 9 مليارات دولار لشراء طائرات "تايفون"، وأخرى تتعلق بشراء 30 طائرة عمودية من نوع "كاراكال" بلغت قيمتها 1.2 مليار دولار.

وقد تتسبب الفضيحة الجديدة في إقالة مسؤولين بارزين، بعد أن امتدت الأدوات الرقابية في البرلمان الكويتي إلى سؤال نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، الشيخ "أحمد منصور الأحمد"، والتهديد باستجوابه، عن عمولات "الكاراكال".

وتثير صفقة طائرات "الكاراكال" مسائل حساسة تتعلق بأمن البلاد، وسلامة طياريها، بعد الكشف عن وجود خلل فني، وثبات عدم صلاحية طائرتين تمت تجربتهما، قبل تسلمهما رسميا من الشركة المصنعة (إيرباص).

والشهر الجاري، اضطرت وزارة الدفاع الكويتية، إلى تعليق تسلم 30 مروحية من طراز "الكاراكال"، إلى حين انتظار نتائج فحص اللجنة المشكلة بشأن الخلل الذي تعرضت له بعض تلك الطائرات.

مؤشرات الفساد

وتثير قضية "إيرباص" مخاوف عدة في الشارع الكويتي، من تورط مسؤولين كبار، وتمدد قضية الرشوة لتشمل قطاعات أخرى في الدولة الخليجية التي تراجع ترتيبها 7 مراكز في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية العالمية.

وحلت الكويت في المركز الـ85 عالميا (من أصل 180 دولة) خلال 2019، بعد أن كانت في 2018 في المرتبة الـ78؛ لتصبح في المركز الأخير خليجيا والتاسع عربيا.

ويفيد تقرير صادر عن مجلس الوزراء الكويتي، ديسمبر/كانون الأول الماضي، باستقبال هيئة مكافحة الفساد 320 بلاغاً خلال 15 يوما فقط، للتحقيق في شبهات فساد تخص تعاملات وأعمال تصل قيمتها إلى 2.5 مليار دولار.

ومن المؤكد أن تفاعلات رشى "إيرباص" تعزز مطالب الشارع الكويتي، بضرورة إنجاز عدد من التشريعات للحد من ارتفاع معدلات الفساد، من أبرزها قانون تعارض المصالح، وقانون حق الاطلاع وتنظيم الحصول على المعلومات، وقانون تنظيم تعيين القياديين.

وربما تقود التحقيقات الجارية، إلى كشف شبكة من العملاء السريين المعنيين بالتنسيق مع بعض المسؤولين الكويتيين؛ أو أعضاء في الأسرة الحاكمة، للضغط على الشركات الوطنية بشكل مباشر أو غير مباشر لإبرام عقود، مقابل عمولات ورشاوى ضخمة.

وليس من المستبعد أن تشهد الأيام المقبلة، الكشف عن المزيد من وقائع الفساد، وصداما أقوى بين البرلمان ووزارات سيادية، وربما احتجاجات شعبية، أو إقالات بحكومة الشيخ "صباح خالد الحمد الصباح".

المصدر | الخليج الجديد