الأربعاء 26 فبراير 2020 12:43 م

طائرة تحمل الجثمان إلى مقبرة في منطقة مصر الجديدة بالقاهرة يبلغ طولها من الخارج 70 مترا، وتضم 3 مداخل، خلفها تستقر جدران فاصلة، أحدها كتب عليه عائلة "ثابت"، نسبة إلى "سوزان ثابت" زوجة الرئيس المصري الراحل..

هكذا وصف التليفزيون الرسمي في مصر نهاية مسار جنازة الرئيس الأسبق "محمد حسني مبارك" بعد ظهر الأربعاء (26 فبراير/شباط 2020) في طريقها إلى مدافن أسرة زوجته.

وانطلقت الجنازة العسكرية عقب صلاة الظهر من مسجد المشير طنطاوي بمنطقة التجمع الخامس في القاهرة الجديدة، بحضور شخصيات مصرية وعربية رفيعة المستوى، وهو المشهد الذي أثار جدلا واسعا عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حول المعايير التي استندت إليها الرئاسة والجيش في مصر لتنظيم هذه المراسم، بينما لم يتم السماح بدفن أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد "محمد مرسي" في جنازة رسمية أو شعبية.

 

 

وبحسب "فريد الديب"، محامي أسرة "مبارك"، فإن الرئيس الأسبق توفي، الثلاثاء (25 فبراير/شباط) في مستشفى الجلاء العسكري بالقاهرة، عن عمر يناهز 91 عاما، إذ كان يعاني من مرض "سرطان البنكرياس"، وتعرض لوعكة صحية شديدة قبل أيام قليلة، نُقل على أثرها إلى غرفة العناية المركزية.

وأشار "الديب" إلى أن "مبارك" عانى من مضاعفات مرضية خلال اليوم السابق لوفاته إثر عملية جراحية أجريت له منذ أكثر من أسبوعين، وفقا لما أورده موقع "مصراوي".

غير أن إفادة "الديب" تضمنت معلومات تؤشر إلى أن تنظيم جنازة رسمية لـ"مبارك" لم يكن مرتبا له منذ اللحظة الأولى لإعلان وفاته، إذ ذكر أن أسرة الرئيس الأسبق تم إبلاغها من جهات بالدولة، في اللحظات الأولى بعد إعلان الوفاة، بأن "الجنازة ستقتصر على العائلة"، وفقا لما نقه موقع "العربي الجديد".

وجاءت إفادة محامي "مبارك" متزامنة مع بيان صدر عن الرئاسة المصرية نعى فيه الرئيس الأسبق دون إشارة إلى جنازة رسمية، قبل أن تعود الرئاسة لاحقا لتعلن الحداد العام لمدة 3 أيام في جميع أنحاء الجمهورية، ما اعتبره مراقبون مؤشرا على تردد ما، عززه ما كشفته مصادر بالتليفزيون المصري الرسمي عن حالة ارتباك حدثت داخل المبنى بعد وفاة "مبارك".

وذكرت المصادر أن القناة الأولى سارعت بإذاعة تقرير يقلل من شأن "مبارك"، ثم عادت، بعد أن صدر بيان رئاسة الجمهورية الذي وجه التحية لـ"مبارك" ووصفه بأنه "بطل حرب أكتوبر"، وقامت بتعديل التقرير.

ويعزو مصدر "العربي الجديد" هذا التغير إلى مخاطبة عدد من الحكومات الخليجية للرئاسة المصرية من أجل مشاركة "قادة وممثلين رفيعي المستوى" في الجنازة، وتلقي الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" اتصالا هاتفيا خاصا من الإمارات حسم على أثره أمر تنظيم جنازة عسكرية لـ"مبارك" ومشاركته فيها.

وتدعم إفادة المصدر ما أورده وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية "أنور قرقاش"، عبر "تويتر" بعد إعلان وفاة "مبارك"،  إذ نشر تغريدة جاء نصها: "فقد العالم العربي اليوم رجل دولة، صاحب مواقف وطنية وتاريخية كبيرة. الرئيس حسني مبارك رحمه الله تميز بالحكمة والشجاعة. ودوره في معركة تحرير دولة الكويت وأزمات عديدة طالت الوطن العربي، يحفظه التاريخ. عزاؤنا لأسرة الرئيس الراحل وللشعب المصري الشقيق".

 

 

كما أن إعلان الرئاسة المصرية للحداد العام جاء بعد إعلان دولة الإمارات تنكيس الأعلام لمدة يوم واحد بجميع الوزارات والمؤسسات الحكومية داخل الدولة إلى جانب السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج.

وعليه، أعلن "الديب"، محامي "مبارك"، لاحقا أنه استكمل إجراءات المطالبة بإقامة جنازة عسكرية لـ"مبارك"، مشيرا إلى أن قيادات بالدولة - لم يكشف عن هويتها - أكدت تنظيمها "نظراً لما قدمه (مبارك) من خدمة الوطن منذ قيادته للقوات الجوية في حرب أكتوبر 1973"، وفقا لما نقله موقع "الجزيرة نت".

تغطية عسكرية

ثمة عامل آخر يشير المراقبون إلى وقوفه وراء غموض موقف الرئاسة المصرية من إقامة جنازة عسكرية لـ"مبارك"، وهو أن الرئيس الأسبق قد أدين بحكم نهائي في القضية المعروفة إعلامياً بـ"القصور الرئاسية"، وهي من الجرائم التي يعتبرها القانون المصري "مخلة بالشرف"، ويترتب عليها الحرمان من الأوسمة والنياشين، وإقامة جنازة رسمية للعسكريين، والمسؤولين الرسميين.

لكنه في المقابل، تشير مصادر إلى أن الكثير من قيادات الجيش ضغطوا من أجل إقامة جنازة عسكرية لـ"مبارك"، وهو ما جاء موافقا للضغوط التي مارستها دول الخليج لتكريم الرئيس الراحل الذي تم خلعه في انتفاضة شعبية اندلعت في يناير/كانون الثاني عام 2011.

وفي هذا الإطار، قام مصدر مطلع بوزارة الدفاع المصرية بمحاولة توفير غطاء قانوني لإقامة الجنازة العسكرية قائلا إنه تمت "استشارة عدد من المستشارين القانونيين للجيش أكدوا قانونية إقامة جنازة عسكرية للفقيد" وفقا لما أورده "العربي الجديد".

وزعم المصدر أن الأثر الذي كان من المفترض ترتيبه على حكم الإدانة البات من محكمة النقض، والصادر ضد "مبارك" ونجليه "علاء" و"جمال" يقتصر على ما جاء في نص البند 6 من المادة الثانية من قانون مباشرة الحقوق السياسية 45 لسنة 2014، ما يعني فقط الحرمان مدة 6 سنوات من الترشح الانتخابي فقط.

وقد ذهبت تعليقات المتحدثين بلسان حال القوات المسلحة، الذين تستضيفهم وسائل الإعلام المصرية بوصفهم "خبراء استراتيجيين"، ذهبت في الاتجاه ذاته، وهو ما عبر عنه اللواء "محمد زكي" بقوله : "مصر دولة قانون ودستور وتحترم رموزها جيدًا، وحسني مبارك أدى رسالته العسكرية وحكم مصر لمدة 30 عامًا كأكثر شخص يحكمها في التاريخ الحديث"، وفقا لما أورده موقع "القاهرة 24".

وفي السياق ذاته، شدد اللواء "عبدالرافع درويش" على أن "مبارك" كان قائد القوات الجوية في حرب أكتوبر/تشرين الأول، واصفا إسقاط حكمه بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 بأنه جاء "بمخطط أمريكي صهيوني".

ويأتي وصف "درويش" ضمن رواية يروجها العسكريون في مصر حول الثورة المصرية، مفادها أنها جاءت ضمن تنفيذ مخطط الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد، الذي سبق أن أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "كوندليزا رايس"، ويستهدف "إسقاط الجيوش العربية من الداخل".

الخليج و(إسرائيل)

في السياق ذاته، بعث العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبدالعزيز"، وولي عهده "محمد بن سلمان"، وملك البحرين "حمد بن عيسى آل خليفة"، وأمير الكويت "صباح الأحمد الجابر الصباح"، الثلاثاء (25 فبراير/شباط)، برقيات عزاء ومواساة لـ"السيسي" في وفاة "مبارك".

فيما نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" منشورا على وسائل التواصل الاجتماعي عقب فيه على وفاة "مبارك"، مؤكدا أن الرئيس المصري الأسبق "كان صديقا شخصيا له"، مضيفا: "باسم الشعب الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية، أود أن أعبر عن حزني البالغ على رحيل مبارك".

ووصف "نتنياهو" الرئيس المصري الأسبق بأنه كان "زعيما قاد شعبه نحو تحقيق السلام والأمن، ونحو تحقيق السلام مع (إسرائيل)"، مؤكدا أن دولة الاحتلال ستواصل المضي قدما على طريقه.

قدمت تلك المواقف، بحسب مراقبين، تأكيدا على حلف الخليج و(إسرائيل) المناهض للربيع العربي عموما، والثورة المصرية خصوصا، وهو ما عبر عنه المحلل السياسي السعودي "خالد الزعتر"، الذي أشاد بتاريخ "مبارك" عبر "تويتر"، مغردا: "رحل الرئيس مبارك، لكن التاريخ لن ينساه، لم يكن يحب اللعب على التناقضات، بل كان سياسياً واضحاً في مواقفه".

الرئيس المصري الأسبق، بحسب "الزعتر"، "حافظ على مكانة ‎مصر ودورها ومركزيتها وثقلها العربي والإقليمي والدولي"، وهو ما اعتبره مصريون معارضون تعبيرا عن الدور الذي لعبه حكم "مبارك" كضامن لأمن الخليج وكـ"كنز استراتيجي لإسرائيل" بحسب وصفهم.

 

 

 

 

 

 

 

المصدر | الخليج الجديد + متابعات