الجمعة 28 فبراير 2020 02:12 م

بالرغم من اعتبار فيروس "كورونا" في البداية كأزمة صينية، إلا أن الآثار المترتبة على الوباء تجاوزت مساحته الجغرافية الأولى. 

وانتشرت آثار الأزمة التي كانت تبدو في السابق مقصورة على الاقتصاد والصحة والسياحة والقطاعات الصناعية في الصين، حتى طرقت أبواب منطقة الخليج.

أبلغت جميع دول الخليج تقريبا عن حالات داخل حدودها مصابة بفيروس "كورونا". وكان لانتشار الفيروس آثار على الاقتصاد العالمي، وربما يستمر ذلك، لا سيما لأنه يؤثر الآن على أكبر منطقة مصدرة للنفط في العالم.

وقد أدى ذلك إلى مزيد من التأثيرات على قطاع الطاقة والقطاعات الاقتصادية والصحية في الخليج. وفي حين تعاني دول الخليج جميعا من القلق بشأن تفشي المرض، لا تزال كيفية الاستجابة لانتشاره تشكل تحديا أكبر لبعضها مما تشكله لغيرها.

وبالنظر إلى الحقيقة البسيطة المتمثلة في بدء انتشار المرض من الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فإن من الطبيعي توقع الآثار السلبية على أسعار النفط وأسواق الأسهم العالمية. وبعد تقارير عن زيادة حالات الإصابة بفيروس "كورونا" خارج الصين، شهدت البورصة أكبر انخفاض لها منذ ما يقرب من عامين.

وفي 24 فبراير/شباط 2020، فقد مؤشر "داو جونز" 3.5% من قيمته، في حين أغلق مؤشر "ناسداك" منخفضا بنسبة 3.7% عن افتتاحه. وشهدت البورصات الخليجية نمطا مشابها أيضا، حيث تأثرت الأسواق في الكويت والمملكة العربية السعودية وقطر سلبا بتأثير الفيروس على الأسواق العالمية والتجارة الإقليمية مع آسيا.

ومع مكانة الصين كأكبر مستورد للنفط في منطقة الخليج، أثر تفشي الفيروس على العمليات الصناعية؛ ما أدى إلى انخفاض في سعر النفط والطلب عليه، ومن المنتظر أن يهز ذلك الخليج.

ويمكن القول إن سوق النفط في الصين هو أحد أهم الأسواق لمنتجي النفط. لذلك، فإن أي انخفاض في صادرات النفط إلى المصافي الصينية سيؤثر بشكل كبير على إيرادات جميع دول الخليج تقريبا.

وفي عام 2019 وحده، ارتفعت واردات الصين من النفط بنسبة 9.5%، وكان من المتوقع أن تنمو الطلبات الصينية في عام 2020. لذلك، بالنظر إلى أن أكثر من نصف احتياجات الصين من النفط تأتي من دول "أوبك"، فقد أثر تفشي المرض على منطقة الخليج بشكل خاص.

وفي عام 2018، كانت 6 دول خليجية، وهي السعودية وإيران وعُمان والعراق والكويت والإمارات، من بين أكبر 10 مزودين لطلبات الصين من النفط، وهو تمثيل زاد في عام 2019، وكان من المتوقع أن ينمو في عام 2020.

  • تأثر السوق

وجاء انهيار الطلب الصيني على النفط في وقت كان فيه الطلب منخفضا بالفعل. وحفزت هذه العوامل أعضاء "أوبك" على التشاور مع الصين من أجل التنبؤ بالآثار طويلة الأجل لانتشار فيروس "كورونا" على الطلب من بكين، وكذلك من السوق العالمية.

وكان الهدف من هذا الحوار في المقام الأول هو التنبؤ بالسيناريوهات التي قد تحدث من ذلك الوقت وحتى اجتماع "أوبك" المقرر في الأسبوع الأول من شهر مارس/آذار. نتيجة لهذه المحادثات، ومن أجل منع انخفاض إضافي للسعر، أوصت اللجنة الفنية في "أوبك +" بخفض إضافي قدره 600 ألف برميل يوميا.

وبحلول 10 فبراير/شباط 2020، أي بعد شهر واحد بالضبط من تفشي الفيروس، انخفض الطلب على النفط وكذلك السعر إلى أدنى مستوياتهما في 13 شهرا. ووصل "خام برنت" إلى 53 دولارا للبرميل، وهبط متوسط ​​"غرب تكساس الوسيط" إلى 49.57 دولارا للبرميل. ووصل فرق السعر بين 20 يناير/كانون الثاني و10 فبراير/شباط إلى 11 دولارا.

بالإضافة إلى ذلك، في 21 فبراير/شباط، بلغ فرق السعر في نفس اليوم 4 دولارات، عندما ارتفع سعر الافتتاح البالغ 55 دولارا إلى 59 دولارا بنهاية اليوم. وتمنحنا هذه التقلبات غير التقليدية لمحة عن آثار عدم اليقين فيما يتعلق بالطلب على النفط في آسيا مع تزايد عدد الحالات المبلغ عنها في جميع أنحاء القارة.

والآن، بعد أن وصل المرض إلى أسبوعه الثاني، أوقفت العديد من المصافي الصينية عملياتها، وبالتالي وارداتها. وخلال هذين الأسبوعين، خفضت المصافي الصينية شحناتها القادمة بنحو 1.5 مليون برميل يوميا.

بدوره، كان هذا الانخفاض هو العامل الرئيسي الذي تسبب في انخفاض أسعار النفط، وأدى إلى الحديث عن جهود "أوبك" المنسقة لتحقيق الاستقرار في السوق.

وبعد أسبوعين، استرد السعر 10%، ليتجاوز 58 دولارا، نتيجة لاتفاق "أوبك" الأولي على خفض إضافي في الإنتاج. وتجدر الإشارة إلى أن انخفاض الطلب في السوق الآسيوية قد أثر على أسعار كل من النفط والغاز الطبيعي المسال.

  • "كورونا" في منطقة الخليج

وحتى كتابة هذا التقرير، كانت هناك حالات إصابة مؤكدة بالفيروس في كل دول الخليج باستثناء اليمن والسعودية. وسجلت إيران نفسها 245 حالة، وهي الأعلى في منطقة الخليج. ومن المفارقات، من بين تلك التشخيصات المؤكدة نائب وزير الصحة ونائبة الرئيس لشؤون المرأة.

وداخل إيران، يبدو أن الوباء نشأ في مدينة "قم" الدينية، وأدى إلى 26 حالة وفاة مؤكدة، وهو أعلى عدد خارج الصين. وأدى انتشار الفيروس داخل إيران إلى إثارة الخوف بين دول مجلس التعاون الخليجي المجاورة والعراق، وكلها أغلقت الحدود وأوقفت الرحلات الجوية مع إيران وسط تفشي المرض.

وأبلغت البحرين وعُمان والكويت والعراق عن حالات إصابة بفيروس "كورونا" بين الأفراد الذين سافروا إلى إيران في الأسابيع الأخيرة. ومن بين الحالات الـ 13 المبلغ عنها في الإمارات، كانت جميعها إما من المغتربين الصينيين أو أفراد عادوا مؤخرا من إيران.

وأبلغت قطر عن حالة واحدة من متلازمة الشرق الأوسط التنفسية "ميرس"، وهي العدوى التي يسببها "كورونا". وفقط من بين الدول الخليجية كانت السعودية واليمن هما الوحيدتان اللتان لم تبلغا بعد عن حالات إصابة بالفيروس، وكلاهما اتخذ تدابير لمنع انتشار الفيروس في الداخل.

وبدأت آثار "فيروس "كورونا" على الصحة العامة واقتصادات دول الخليج في الظهور. وستكون قطاعات التجارة والنقل والسياحة والنفط أول الضحايا في حالة استمرار تفشي المرض داخل منطقة الخليج.

وأعلنت البحرين والكويت إغلاق المدارس لمدة أسبوعين لمنع تفشي الفيروس، في حين تشجع إيران المواطنين على البقاء في منازلهم. وسيكون لاستراتيجيات التخفيف هذه آثار مختلفة على اقتصادات الخليج، وستزيد بالتأكيد من الضغوط على قطاعات الرعاية الصحية في المنطقة.

وبشكل عام، يمثل احتواء الفيروس نفسه التحدي الرئيسي لدول الخليج، خاصة تلك التي تواجه الاضطرابات، مثل اليمن والعراق، وكذلك تلك التي تواجه أزمة اقتصادية بسبب العقوبات، ونعني في ذلك إيران بالدرجة الأولى.

وفي حين أن الخسائر البشرية وآثار الفيروس على الصحة العامة أمر مثير للقلق بالتأكيد، فمن المهم أن نظهر أن الوباء سيكون له تأثير على الدول المنتجة للنفط، التي قد لا تسجل حتى حالة واحدة مؤكدة من الفيروس.

وتربط الطبيعة العالمية لأسواق النفط، فضلا عن مركزية الاستهلاك الصيني والآسيوي لصادرات النفط الخليجية، بشكل وثيق بين علاقة العرض والطلب في هاتين المنطقتين. لذلك، بينما يعمل خبراء الطب على الحد من انتشار الفيروس، يجب على مخططي "أوبك +" مواصلة المراقبة والتأهب للطرق غير المتوقعة التي قد يتسبب بها فيروس "كورونا" في الإضرار باقتصاديات منطقة الخليج.

المصدر | منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد