السبت 7 مارس 2020 05:51 م

بعد أسابيع قليلة من ظهوره في منصبه رئيسا جديدا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، أظهر "جوزيب بوريل" أنه قادر على الإشراف على قرارات السياسة الأوروبية بما يتجاوز مجرد البيانات الصحفية الصادرة عن أعلى مؤسسة في الاتحاد الأوروبي، وهي المفوضية نفسها، في العاصمة البلجيكية.

ونشهد هنا تغييرا هائلا بإغلاق الفصل الخاص بالمبادرة الإنسانية في ليبيا ليحل محله مبادرة عسكرية لوقف تدفق الأسلحة إلى ليبيا.

ومن الناحية العملية، تبعث تلك الخطوة برسالة مفادها أن هذه السياسة تهدف إلى إبطاء تقدم الجنرال "خليفة حفتر"، المدعوم من الإمارات  ومصر والسعودية، والولايات المتحدة (خطابيا)، وروسيا في الآونة الأخيرة. ويمكننا القول إن الاتحاد الأوروبي يفضل "حفتر" أيضا على نطاق واسع، باستثناء إيطاليا التي تدعم "فايز السراج"، رئيس حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس.

فلماذا يحاول الاتحاد الأوروبي إبطاء التقدم الذي تحرزه قوات "حفتر"، المعروفة باسم "الجيش الوطني  الليبي"، والميليشيات الأخرى؟ وما الذي يجب أن نبحث عنه بينما نراقب أول مهمة عسكرية حقيقية للاتحاد الأوروبي في شرق البحر المتوسط؟

حسنا، لا نعرف إلا القليل عن المهمة الجديدة بخلاف أنها ستقوم بدوريات في المياه الدولية، وليس الليبية، باتجاه شرق ليبيا، بدءا من نهاية مارس/آذار. وكانت النمسا والمجر، وكلاهما من دول الاتحاد الأوروبي التي لديها مواقف قوية ضد الهجرة، قد أحبطت سابقا عملية إنسانية لالتقاط المهاجرين الذين يحاولون الفرار من ليبيا.

وأبدت الدولتان تحفظات قوية في اجتماع مجلس الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي حول العملية الجديدة، التي ستكون عرضة لأسطول المهاجرين الذين يسعون للحصول على المساعدة للوصول إلى أراضي الاتحاد الأوروبي. كما أصدرت إيطاليا تحذيرا أكدت فيه أن العملية سيتم إلغاؤها على الفور إذا حدث ذلك.

وتأتي هذه الخطوة الجريئة بعد حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة. وفي 11 فبراير/شباط، صوت مجلس الأمن الدولي لصالح القرار 2509 بموافقة 14 دولة مقابل امتناع روسيا عن التصويت، ويقضي القرار بتمديد نظام العقوبات المفروض على ليبيا. باختصار، مدد المجلس قراره بحظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا حتى 30 أبريل/نيسان 2021.

وأتبع "بوريل"، الذي أدان قصف "حفتر" لميناء طرابلس، هذا القرار بالكشف عن عمليته البحرية الجديدة في شرق البحر المتوسط ​​لمراقبة تنفيذ حظر الأسلحة.

لكن مبادرته الجديدة تعرضت للانتقاد على الفور من قبل مسؤول بالأمم المتحدة لم يضع الكثير من الأمل في نجاحها في فعل أي شيء.

وسيتم مراقبة السفن البحرية التي تتموضع على بعد 100 كيلومتر من الشواطئ الليبية، بدعم جوي، يُحتمل أن يكون من حاملة طائرات. لكن "ستيفاني وليامز"، نائب رئيس بعثة دعم الأمم المتحدة في ليبيا، وصف الأمر بأنه "مزحة".

وبالنسبة للاتحاد الأوروبي نفسه في بروكسل، تعد هذه الخطوة بمثابة حيلة تتعلق أكثر بالعلاقات العامة لإنقاذ مصداقيته في مواجهة عدد من الإخفاقات السياسية المحرجة في ليبيا. 

وكانت الخطوة الجديدة الجريئة التي اتخذها الزعيم التركي "رجب طيب أردوغان"، بترسيم الحدود البحرية مع ليبيا من أجل استكشافات الطاقة، ضربة حقيقية للاتحاد الأوروبي. 

ويكافح الاتحاد الأوروبي لتحدي التحرك التركي بموجب القانون الدولي. ويستثمر الاتحاد في النفط والغاز في شرق البحر المتوسط ​​على المدى الطويل لإخراج نفسه من دائرة الاعتماد على الغاز الروسي.

ثم هناك أزمة المهاجرين نفسها التي بدأت وسائل الإعلام الرئيسية في إلقاء اللوم فيها على الاتحاد الأوروبي. ويعد الطغاة الأفارقة، الذين تدعمهم بروكسل بالمال، هم المسؤولون مباشرة عن الهجرة الجماعية للأفارقة الساخطين من الطبقة الوسطى، الذين يرون أن الاتحاد الأوروبي ليس مسؤولا فقط عن زيادة الفظائع التي يتم ارتكابها في بلدانهم، ولكنهم مسؤولون عن إنقاذهم أيضا.

ولا ينبغي أن تؤخذ خطة "بوريل" على محمل الجد. فقد أظهر استعداده لحشد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لدعم المبادرة، لكن مثل الكثير مما يفعله الاتحاد الأوروبي، لا يتجاوز الأمر في الواقع مجرد حيلة تتعلق أكثر بالعلاقات العامة وليس أكثر من ذلك. ويعتقد "بوريل" أن طريقة التعامل مع ليبيا تتمثل في منع "حفتر" من الاستيلاء على طرابلس، الكن دون تصور واضح لكيفية إنهاء الحرب الأهلية في ليبيا.

لكن إذا لم يجرؤ الاتحاد الأوروبي حتى على محاولة وقف الصواريخ المتطورة من التنقل من إحدى الضواحي في دمشق إلى جنوب لبنان، أو حتى فعل شيء بشأن تهريب الأسلحة سابقا في عامي 2012 و2013 من ليبيا إلى سوريا، فكيف يمكن أن نأخذ المخطط الجديد على محمل الجد؟

وستقوم روسيا والإمارات بتطوير طرق برية جديدة عبر السودان ومصر لتزويد قواتهما، ولا شك أن تركيا ستحذو حذوهما. فهل سيقوم الاتحاد الأوروبي بتتبع جميع الرحلات الجوية أيضا؟

ثم هناك منطقة رمادية صغيرة في القانون الدولي. فماذا ستفعل الزوارق الأوروبية إذا تعرضت للتهديد أو تعرضت لإطلاق النار؟ هل سترد بإطلاق النار هي الأخرى؟ إذا، يمكن لمهمة الاتحاد الأوروبي أن تصبح شرارة لحرب جديدة في ليبيا، على غرار السفن الحربية الأمريكية في عام 1983 في لبنان.

ولا تعد هذه بداية سيئة لـ"بوريل"، الذي تم وصفه من قبل بأنه أكثر قادة الاتحاد الأوروبي نشاطا عندما كان رئيسا للبرلمان الأوروبي من 2004 إلى 2007.

لكن أفضل ما يمكن أن نأمله هو وقف إطلاق النار، ومن شأن ما سيحدث لاحقا أن يدعم تعليق مسؤول الأمم المتحدة حول كل ذلك باعتباره "مزحة"؛ حيث سيترك الكثيرون يتساءلون عن الهدف من إرسال تلك السفن، أو في الواقع، ما الهدف من سياسة الاتحاد الأوروبي نفسها.

المصدر | مارتن جاي - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد