السبت 21 مارس 2020 12:33 م

مع تفشي فيروس "كورونا" في (إسرائيل)، تضطر فصائلها السياسية إلى التفكير في حل وسط للتعامل مع التهديد الوجودي المتزايد. في 16 مارس/ آذار، كلف الرئيس الإسرائيلي "رؤوفين ريفلين" رسميًا زعيم حزب "أزرق أبيض"، ''بيني جانتس"، بتشكيل حكومة في الأيام الـ 28 المقبلة. وتعهد "جانتس" منذ ذلك الحين بتشكيل حكومة وحدة وطنية، والتي سيكون لها المزيد من القوة السياسية والسلطة القانونية بالمقارنة مع حكومة تسيير الأعمال الحالية في البلاد، مما يساعد على التخفيف من التداعيات الاقتصادية المتوقعة لأزمة "كورونا".

وبالفعل، يُقدر أن جهود الحجر الصحي الحالية التي تقوم بها (إسرائيل) والتي لم يتم استخدام معظمها إلا في زمن الحرب تكلف البلاد 3% من نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 2020. ولكن حتى مع هذه الظروف الاستثنائية بسبب الجائحة، من غير المرجح أن تكون الحكومة المؤقتة قوية بما يكفي لمنع الاضطرابات الإضافية التي يسببها فيروس "كورونا" في الضفة الغربية، ناهيك عن تجاوز الوباء الحالي. وهكذا، بمجرد أن تتراجع الأزمة الصحية للفيروس ببطء، من المرجح أن تبرز الأزمة السياسية الإسرائيلية مرة أخرى.

إجراءات صارمة

حتى مع حكومة تصريف الأعمال الحالية، اتخذت (إسرائيل) بالفعل إجراءات صارمة لإبطاء انتشار الفيروس. في 19 مارس/آذار، أمر رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" الإسرائيليين بتقييد حركتهم بشدة والخروج فقط عند الضرورة القصوى.

وبالإضافة إلى تنفيذ إغلاق المدارس على الأقل حتى عيد الفصح في 16 أبريل/نيسان، جرى تقييد صناعة السياحة عن طريق إغلاق المواقع الدينية ومطالبة جميع المسافرين بالحجر الذاتي لمدة 14 يومًا عند العودة إلى منازلهم. كما حظرت مؤخرًا اجتماع أكثر من 10 أشخاص لتعزيز التباعد الاجتماعي وكبح انتشار الفيروس.

ومع ذلك، فإن جهود الحجر الصحي الصارمة هذه تؤثر بشكل كبير على اقتصاد (إسرائيل)، وخاصة صناعة السياحة فيها.

كان التأثير الأكثر إلحاحًا حتى الآن هو الانخفاض السريع للسياح في الأسابيع الأخيرة حيث زار 22 ألف سائح فقط (إسرائيل) في 16 مارس/آذار، مقارنة بـ 52 ألف سائح في 1 مارس/آذار. ومن المتوقع أن يستمر هذا التراجع حتى قبل عيد الفصح والأعياد الدينية في أبريل/نيسان، والتي عادة ما تشهد زيادة في التدفق.

ونتيجة لتراجع السياحة، فقد تم بالفعل منح 24% من عمال الفنادق في (إسرائيل) إجازة بدون أجر، وتم تسريح 53% من عمال وكالات السفر في البلاد أو منحهم إجازة أيضًا. واضطرت شركة الطيران الإسرائيلية، "العال"، بالفعل إلى إلغاء معظم رحلاتها وتعليق 80% من قوتها العاملة بسبب انخفاض الطلب والقيود المفروضة على السفر. في الوقت نفسه ، تم منح 35% من عمال المطارات إجازة بدون أجر.

ويزيد تفشي الفيروس في أجزاء أخرى من العالم تفاقم التداعيات الاقتصادية للفيروس بالنسبة لـ(إسرائيل)، حيث يمكن لشركات التكنولوجيا الفائقة التي تشكل 30% من الناتج المحلي الإجمالي أن ترى أن أرباحها النهائية تتأذى مع دخول الأسواق في الولايات المتحدة وأوروبا في فترات الركود. وفي مسح حديث، يتوقع أن تسرح ثلث شركات التكنولوجيا الإسرائيلية عمالها بسبب الوباء.

لتعويض هذه التداعيات الاقتصادية، أعلن البنك المركزي الإسرائيلي أنه سيشتري سندات حكومية لتعزيز السيولة. كما كشف "نتنياهو" مؤخرًا عن حزمة قروض بقيمة 2.7 مليار دولار للشركات المتضررة من الفيروس. من المحتمل أن تكون هذه مجرد بداية لإجراءات التحفيز وغيرها من جهود الإغاثة الحكومية، خاصة مع تفاقم الظروف الاقتصادية العالمية.

حكومة وحدة غير مستقرة

ستواجه الفصائل السياسية الإسرائيلية ضغوطًا جديدة ومكثفة للوحدة في مواجهة هذه التهديدات الصحية والاقتصادية التي تلوح في الأفق. إذا تمكن "جانتس" من جمع حكومة وحدة طارئة بحلول منتصف أبريل/نيسان، فمن المحتمل أن تشمل أيضًا الفصائل الرئيسية الأخرى وقادتها أي "بنيامين نتنياهو" من "الليكود" و"أفيغدور ليبرمان" من "يسرائيل بيتنا".

ستمنح هذه الفصائل الحكومة السلطة لإخراج (إسرائيل) من أزمة الفيروس الحالية بشرعية أكبر مقارنة بحكومة تسيير الأعمال الحالية. وستكسر هذه الفصائل الشلل السياسي لبعض الوقت، وستدفع (إسرائيل) إلى العودة نحو الوسطية.

ومع تركيز الدولة طاقتها السياسية على إدارة أزمة الفيروس، من المرجح أن يتباطأ توجه (إسرائيل) نحو المزيد من القومية، إلى جانب تباطؤ الدفع اليميني الأخير لضم الضفة الغربية بسرعة.

وهذا سيعطي بدوره فصائل يسار الوسط فرصة تشتد الحاجة إليها لاستعادة شرعيتها من خلال الحكم. ومن المحتمل أيضًا أن تنحسر المناقشات السياسية الاستقطابية الأخرى، مثل دور المتدينين المتطرفين في الجيش الإسرائيلي وسجل فساد "نتنياهو". والواقع أن محاكمة "نتنياهو" قد تم تأجيلها بالفعل لمدة شهرين بسبب أزمة الفيروس.

ولكن سيتوجب على حكومة الوحدة الطارئة مراقبة استجابة السلطة الفلسطينية للفيروس في الضفة الغربية، حيث تشهد السلطة الفلسطينية بالفعل تراجعا اقتصاديا كبيرا بسبب الجهود الإسرائيلية لمكافحة الفيروس. يعبر ما يقرب من 100 ألف فلسطيني إلى (إسرائيل) كل يوم للحصول على عمل، لكن إجراءات الحجر الصحي قطعت بالفعل عمل العديد من الفلسطينيين.

وبالمقارنة مع (إسرائيل)، فإن السلطة الفلسطينية لديها أدوات مالية أقل بكثير تحت تصرفها لتحفيز اقتصادها، بالإضافة إلى نظام رعاية صحية محدود لاحتواء تفشي واسع النطاق داخل حدودها.

ومن خلال زيادة زعزعة استقرار السلطة الفلسطينية، فإن أزمة الفيروس قد تؤدى إلى مزيد من الاضطرابات المتفاقمة بالفعل في الضفة الغربية بسبب حملة ضم (إسرائيل) الأخيرة للضفة والأزمة الداخلية بين الفصائل الفلسطينية .

ومع ذلك، قد تكون حكومة الوحدة في (إسرائيل) منقسمة للغاية بحيث لا يمكنها تقديم الدعم اللازم للتخفيف من هذا التهديد الأمني ​​بما فيه الكفاية، حيث لا تزال فصائل الوسط واليمين المتطرف ترغب في إضعاف وعزل السلطة الفلسطينية استعدادًا لمزيد من جهود الضم.

وبالفعل، فإن إنهاء الشلل السياسي بشكل مؤقت سيؤدي إلى إبطاء وليس إيقاف انتقال (إسرائيل) الأيديولوجي نحو الطرف اليميني القومي من طيفها السياسي، والذي تفرضه اتجاهات ديموجرافية وثقافية أعمق لن يتمكن "كورونا" من قلبها بالكامل.

وستظل لدى حكومة الوحدة انقسامات داخلية قوية بين أطرافها العلمانية ووسطها وأحزابها الدينية، مما يعني أنه من غير المحتمل أن تستمر لفترة طويلة جدًا بعد أزمة الفيروس.

وبمجرد أن تبدأ حالة الطوارئ في التراجع، يمكن لأي فصيل واحد أن يهدد بإسقاط الحكومة في محاولة لكسب تنازلات، ومن المحتمل أن يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى إسقاط (إسرائيل) في الفوضى السياسية التي كانت عليها قبل "كورونا" مع استمرار (إسرائيل) في طريقها نحو القومية.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد