السبت 21 مارس 2020 03:52 م

شيء ما يجري مرة أخرى في قصر "آل سعود". في الأسبوعين الماضيين، مع اشتداد الأزمة الصحية العالمية، أثار ولي عهد السعودية "محمد بن سلمان" اضطرابا جديدا في علاقات المملكة الخارجية، أولا باعتقال 4 من أقاربه من الأسرة المالكة، ثم بالانخراط في لعبة محفوفة بالمخاطر مع روسيا بشأن إمدادات النفط مما دفع أسعار النفط الخام إلى الانهيار وضرب الاقتصاد العالمي الهش بالفعل.

وجاهد المتخصصون في الشأن السعودي لتحليل أحدث تحركات ولي العهد. ويرى البعض أنها فصول أخرى في رواية تعزيزه للسلطة، بعد أشهر من بلوغ والده الملك "سلمان" 84 عاما.

لكن، في الواقع، ما نراه هو المزيد من الأدلة على تلاشي المرونة داخل الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط، وهي المرونة التي راهن عليها العديد من صانعي السياسة الغربيين بشكل غير حكيم.

وقبل أقل من عقد من الزمن، ومع اجتياح الانتفاضات الشعبية الشرق الأوسط، بشر القادة الغربيون بحذر بتقدم الديمقراطيين في المنطقة. ومع تعثر الانتفاضات، لم تستغرق القوى الغربية وقتا طويلا لتجدد احتضانها للاستبداد في المنطقة.

ولا تعتبر حماسة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" للديكتاتوريين في الشرق الأوسط سوى أحدث وأفظع مثال. وكان سلفه "باراك أوباما"، هو الذي منح "بن سلمان" الضوء الأخضر لتقديم أوراق اعتماده من خلال شن الحرب في اليمن.

و لم يخفِ "ترامب" أن مبيعات الأسلحة الأمريكية للمملكة كانت سببا كافيا لتأمين علاقته الوثيقة مع السعودية. فيما كانت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة أيضا متحمسة، بل لم تكن أقل تفاخرا، لكونها تبيع الأسلحة لمجموعة من الدكتاتوريين في جميع أنحاء الشرق الأوسط منذ الربيع العربي.

ويواصل الاتحاد الأوروبي إعلان دعمه لحقوق الإنسان والديمقراطية في المنطقة. لكن في عام 2019، تم عقد أول قمة بين جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي في مصر، وهي دولة تنحدر إلى حالة استبداد أعمق مما كانت عليه في عهد الدكتاتور المخلوع "حسني مبارك". وكان عنوان إعلان القمة: "الاستثمار في الاستقرار".

ويراهن صناع السياسة الأوروبيون والأمريكيون بلا شك على أن اليد القوية للطغاة هي الطريقة الأنسب لتأمين المصالح الغربية. وفي هذه الأيام، تنطوي هذه المصالح على وقف التهديدات المتصورة، مثل الإرهاب وإيران واللاجئين.

ولكن بدلا من اتباع المسار الأقل صعوبة، استقر صناع السياسة على الطريق الأقل مرونة. وفي السعودية، اكتسب "بن سلمان" تأييدا وسط الشباب بعد تخفيف القيود الاجتماعية والدينية، لكن ولي العهد أظهر تخوفا من أقل تحدٍ محتمل لسلطته، سواء كان يأتي من أفراد الأسرة أو الصحفيين المستقلين.

وبالمثل، تشير حرب أسعار النفط بين "بن سلمان" وروسيا إلى تعثر إصلاحات "بن سلمان" التي تم امتداحها كثيرا لإبعاد السعودية عن اعتمادها على النفط. فما الذي يستحق هذه الخطوة المحفوفة بالمخاطر لتأكيد سيطرة السعودية وحصتها السوقية في سوق النفط العالمي؟

وفي حين أن مثل هذا السلوك يخاطر بتآكل الوسادة المالية للدولة السعودية، فإن المملكة على الأقل لديها وسادة. لكن بالذهاب إلى الحليف الأوتوقراطي الرئيسي الآخر للغرب في المنطقة، وهو الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، فقد اتبع نهجا أكثر قتامة يحاول فيه الحفاظ على نظامه عبر إفقار شعبه.

وأشاد صندوق النقد الدولي بالنظام لنجاحه في خفض الدعم، لكن عدد المصريين الذين يعيشون تحت الفقر ارتفع إلى 1 من كل 3 مواطنين، وشعر "السيسي" مؤخرا بأنه مضطر للبدء في تهدئة الطبقة العاملة المضطربة بعلاوات الرواتب وتخفيضات الضرائب.

وسيضع الأثر الاقتصادي العالمي للفيروس التاجي الجديد المزيد من التبعات على ظهر الاقتصاد المصري والسعودي، ما يقوض بشكل أكبر قدرة الأنظمة الحاكمة في هذه البلدان على بناء أو الحفاظ على الشرعية الشعبية.

ويعد هذا الأمر مهما لأنه في الماضي ظل المستبدون في الشرق الأوسط في السلطة من خلال مزيج من الإغراء والإكراه. وقد تم شراء الأول إلى حد كبير من خلال عقد اجتماعي يوفر للمواطنين مزايا اقتصادية واجتماعية مقابل الولاء. وركز الإكراه بشكل رئيسي على أولئك الذين لا يرغبون في الالتزام بشروط العقد.

ومع ذلك، إذا لم يكن بالإمكان الحفاظ على النصف الأول من العقد، فحينئذ ينتهي الأمر بالحاكم المستبد بالاعتماد أكثر على القمع. وفي كل من مصر والسعودية، يزداد هذا الاتجاه التراجعي وضوحا.

وفي مصر، قمع "السيسي" الدولة بأكملها، واعتقل الآلاف، وخنق معظم أشكال حرية التعبير. وبالمقارنة مع مصر، كان القمع السعودي أكثر انتقائية، حيث استهدفت الاعتقالات والقتل المعارضين، وكان أكثرهم شهرة "جمال خاشقجي"، كاتب العمود في "واشنطن بوست".

ورغم أن القمع ليس عنصرا جديدا في الشرق الأوسط، لكن هذه الحقيقة لا يجب أن تقودنا إلى تجاهل الطرق غير المسبوقة التي يتم فيها تطبيق القمع الآن. ومع عدم احترام المجموعة الحالية من الدكتاتوريين لمواطنيهم، وافتقارهم لأي سياسات أخرى يمكنهم اتباعها لضمان السيطرة على السلطة، فإنهم يضغطون على مجتمعاتهم ويدفعونهم إلى نقطة الانهيار.

وعندما يؤدي هذا إلى احتجاج أو عنف، تكون الأنظمة أقل ميلا إلى التراجع بحكمة، كما فعل بعض أسلافهم في الماضي، بل يستمرون بدلا من ذلك في الضغط بأقصى ما يستطيعون.

وتبقى نتيجة تلك الحلقة التي لا تنتهي من الضغط والاضطرابات الشعبية هي التمزق المستمر والصاخب أحيانا للأنظمة والمجتمعات في المنطقة. ولا يعد هذا عاملا للاستقرار الذي يتوق إليه صناع السياسة الغربيون على الإطلاق، وليست تلك الحياة التي يستحقها مواطنو المنطقة.

المصدر | أنتوني بابلو - ذا نيو ريبابليك - ترجمة وتحرير الخليج الجديد