الجمعة 27 مارس 2020 03:11 م

عندما بدا أن الأمور لا يمكن أن تسوء أكثر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خرج فيروس "كورونا" الجديد "كوفيد-19" إلى المسرح العالمي.

وتمر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأزمات وجودية متتالية، مع موجات الثورات منذ بداية الربيع العربي، وظهور صراعات جديدة كنتيجة مباشرة وغير مباشرة للثورات، وقرب انهيار بعض الأنظمة وعودتها للحياة بشكل أو بآخر، بالإضافة إلى الصراعات القائمة على اللغة والهوية والمعتقدات السياسية التي دفعت معظم المنطقة إلى حافة الانهيار.

وفي بداية عام 2020، بدت الأمور كئيبة للغاية؛ حيث كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك تركيا وإيران، على وشك الحرب تقريبا. وكانت الضربات الأمريكية التي قتلت الجنرال الإيراني "قاسم سليمان" بمثابة تذكير بمدى هشاشة الوضع الأمني في المنطقة.

ولو اندلعت الحرب، لم تكن لتبقى إقليمية فقط، ولكن من شبه المؤكد أنها ربما كانت تنبئ بحرب عالمية. وكانت التداعيات التي لا رجعة فيها ستؤثر مباشرة على أوروبا، وأجزاء أخرى من آسيا وأفريقيا.

ويمكن القول إن التأثير العالمي للصراع السوري سيبقى حاضرا لفترة طويلة؛ حيث تستمر أزمة اللاجئين التي أعقبت ذلك في التأثير على السياسة الأوروبية إلى أجل غير مسمى.

ولم تفسح تلك الأزمة المجال فقط لكراهية الأجانب وإحياء النزعة القومية عبر أوروبا، (وفقا لاستطلاعات مختلفة: 1 من كل 4 أوروبيين أصبح قوميا)، ولكنه قسم أوروبا من الداخل.

ويعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مجرد قصة ترمز إلى الاتحاد الأوروبي بأكمله، الذي يجد نفسه في مشكلة خطيرة.

وخلقت نزاعات أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مثل الأزمة الليبية، مزيدا من الانقسامات داخل أوروبا الغربية، الذي تجلّي في التنافس والخلافات بين فرنسا وإيطاليا.

ولا يوجد نظام إقليمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولدى الحوكمة العالمية ووكالاتها، مثل الأمم المتحدة، سجل سيئ في كل صراع تقريبا في تلك البلدان. ويؤكد كل من هذه العوامل على الهشاشة الحالية للمنطقة وسط انتشار "كوفيد-19".

ولن تتراجع ​​أي من النزاعات الجارية أو تختفي ببساطة في ظل وجود جائحة "كوفيد-19". وفي الواقع، فإن طبيعة المنطقة وعدم القدرة على السيطرة على مسار الأمور فيها توحي بأن تفشي الفيروس سيجعل هذه الصراعات والقضايا ذات الصلة أسوأ بكثير.

وفيما يلي التأثيرات المحتملة للوباء على تلك النزاعات:

  • التصعيد العسكري

بالرغم من الفشل التام للمبادرات العالمية التي يقودها المجتمع الدولي في أي من النزاعات الإقليمية الرئيسية، مثل سوريا واليمن وليبيا، كانت هناك ولا تزال العديد من المبادرات غير الحكومية أو شبه الحكومية على مستويات متعددة.

وقد خلقت هذه المبادرات "مسارات" مفيدة في توفير مساحة للحوار بين الأطراف في بعض المناطق الأكثر تضاربا. وكانت معظم هذه "المسارات" إما برعاية أو إدارة المنظمات الأوروبية بالتوازي مع المنظمات الإقليمية.

وتعد أوروبا حاليا مركزا لوباء كورونا. لذلك، ستركز معظم الجهود الأوروبية وجميع آلياتها، على حماية مواطني الاتحاد الأوروبي ومعالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي ستبقى في المستقبل المنظور.

ويترك هذا فراغا في جميع مسارح الصراع الرئيسية، حيث سيتم استبدال الحوار بمزيد من التصعيد العسكري. ويمكننا أن نتوقع أن يستخدم كل جانب هذه الفرصة للسعي لتحقيق أقصى تقدم عسكري في ظل الأزمة.

  • تزايد الأزمة الإنسانية

وسيؤدي التصعيد العسكري غير المحدود إلى تعميق الأزمات الإنسانية التي لا تحتمل أصلا. هناك عامل آخر مقلق وهو ظروف مخيمات اللاجئين في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفي أماكن مثل إدلب وطرابلس وصنعاء والحديدة، تئن الناس بالفعل تحت ما يشبه الحصار بسبب الأعمال العدائية المستمرة.

وكانت هناك تحذيرات عديدة صادرة عن مختصين، من أن تفشي "كوفيد-19" في أي من هذه المناطق سيكون كارثيا؛ خاصة أن هؤلاء الذين يعيشون في هذه الظروف هم في خطر أعلى بسبب ضعف الجهاز المناعي بالفعل والمشاكل الصحية الأخرى.

  • مزيد من الافتقار إلى الحوكمة وزيادة المساحات غير المحكومة

وكان أحد الشعارات الرئيسية لثورات الربيع العربي "إسقاط النظام". وفي معظم بلدان الأزمات، لا يعمل "النظام" أو لم يعد يعمل. ولا تقدم الدول الرعاية الصحية والتعليم لمعظم مواطنيها. ولا يوجد شيء مثل العقد الاجتماعي، الذي هو أمر ضروري لربط المواطنين بالدولة.

وعبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تتزايد بسرعة المساحات غير المحكومة؛ حيث لا تملك الدولة سيطرة مباشرة وتملأها الجهات الفاعلة من غير الدول. وعندما تفشل الدولة في حماية مواطنيها من جائحة الفيروس التاجي، أو تكون غير قادرة على توفير الرعاية الصحية لمواطنيها الأكثر ضعفا، فإن ذلك من شأنه أن يدمر أي شعور بالانتماء للدولة.

وسيعود الناس بالتأكيد إلى أقاربهم وأسرهم وقبائلهم للحصول على الدعم. وتزدهر الجهات الفاعلة من غير الدول في مثل هذه المواقف، حيث يمكنها سد فجوة الحوكمة.

ردا على ذلك، ستحاول الدولة إضفاء الطابع الأمني ​​على القضية. وسيتم تطبيق خطوات مثل مزيد من المراقبة والقيود على حقوق الإنسان تحت شعار احتواء الفيروس.

وكلما حاولت الحكومات الإقليمية إضفاء الطابع الأمني ​​على استجابتها للفيروس، ستظهر مساحات أكثر غير محكومة. وستؤدي زيادة المساحات غير المحكومة إلى خلق مزيد من الصراعات بين الجهات الفاعلة من غير الدول وحكومات الدول.

  • الفجوة الاجتماعية والاقتصادية

وستزيد الجائحة من تعميق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وستكون الطبقات المتوسطة والطبقات الأدنى هي الأكثر تضررا.

ويعني عدم قدرة معظم الحكومات على ضخ حزم إنقاذ اقتصادية ضخمة للأفراد والشركات المحلية والقطاعات الاقتصادية الرئيسية أن جميع السكان سيعانون.

وكانت معظم الصراعات في المنطقة نتيجة لهذه الفجوة الاجتماعية الاقتصادية الآخذة في الاتساع. ويعد الربيع العربي مثالا رئيسيا في هذا الصدد.

وفي حين تسيطر جائحة "كوفيد-19" على الصورة، تتعرض الاقتصادات المحلية لضربة رئيسية أخرى. وبما أن معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعتمد بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، فإن الانهيار الوشيك سيعني ركودا مزدوجا. لذلك، فإن ربيعا آخر أو ثورة إقليمية أخرى في طور التكوين.

وسوف يسلط تفشي الفيروس الضوء على عدم كفاءة معظم دول وممالك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وإذا كان التاريخ يمثل أي مؤشر، فبمجرد الكشف عن عدم كفاءة وفساد النخب الحاكمة، سيكون من الصعب للغاية إعادة الأمور إلى نصابها.

المصدر | إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد