الثلاثاء 24 مارس 2020 04:29 م

يمثل قرار السعودية الأخير لزيادة إنتاج النفط تحولا كبيرا في تفكيرها بشأن أسواق الطاقة واعتمادها الخاص على عائدات النفط. ويبدو أنه قد ولت الأيام التي كانت تُدار فيها احتياطيات النفط السعودي بحكمة لأجل الأجيال القادمة. ومن خلال عدم الحفاظ على نطاق محدد لأسعار النفط، أو الاحتفاظ بقدرة إنتاجية احتياطية، تبتعد المملكة عن دورها القديم كعامل توازن في سوق النفط.

ويعكس هذا التحول وجهة نظر ولي العهد "محمد بن سلمان" بأن المملكة لديها فرصة ضيقة نسبيا لاستثمار احتياطياتها النفطية الكبيرة. إذ شرع الأمير الشاب في سياسة الاستحواذ على حصة في السوق بدلا من محاولة تحديد السعر، متخليا مرة أخرى عن سياسات طويلة الأمد يُعتقد أنها أصبحت بالية.

وإذا استمر "بن سلمان" في هذه الاستراتيجية؛ فسيمكنه تغيير ديناميكيات أسواق الطاقة العالمية بشكل كبير. ومن خلال الحفاظ على انخفاض الأسعار، لن تدفع السياسة السعودية فقط أشكالا أكثر تكلفة لإنتاج النفط خارج السوق، بل ستضيق أيضا الخناق على منافسة الطاقة المتجددة للوقود الأحفوري، على الأقل على المدى القريب.

وأصبحت الاستراتيجية الجديدة واضحة، في 7 مارس/آذار، عندما قررت المملكة خفض سعر البيع الرسمي وزيادة إنتاجها النفطي إلى أكثر من 10 ملايين برميل يوميا، مع احتمال أن يصل الإنتاج في أبريل/نيسان إلى 11 مليونا، مقارنة بـ9.7 ملايين في الأشهر الأخيرة.

وعندما أعادت الأسواق فتح أبوابها يوم الإثنين التالي، عانت أسعار النفط من أكبر انخفاض لها في يوم واحد منذ عام 1991.

ورسميا، كان الإجراء السعودي ردا على رفض روسيا الموافقة على تمديد التخفيضات الطوعية لإنتاج النفط في اجتماع "أوبك+" في 6 مارس/آذار.

ومنذ عام 2016، كان الروس والسعوديون ينسقون إنتاجهم لإبقاء الأسعار مرتفعة عند نحو 50 إلى 60 دولارا للبرميل. ومع ذلك، كان التأثير الصافي لهذا التعاون هو مساعدة صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة على تعزيز إنتاجها ومبيعاتها، وبالتالي كسب حصة معظم الطلب المتزايد في العالم.

وبعد أن عانت من انخفاض الصادرات منذ عام 2016، كان السعوديون يأملون على الأرجح في أن يؤدي انخفاض الإنتاج إلى دعم الأسعار في وقت يضعف فيه الطلب العالمي؛ بسبب تفشي "كورونا".

لكن لماذا تغير المسار؟. حسنا، قدم المحللون تفسيرات مختلفة، بما في ذلك تخمين أن تكون المملكة متواطئة مع روسيا لتقويض صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة.

لكن مثل هذا التعاون أمر مستبعد للغاية. ويوجد القليل من الثقة بين "بن سلمان" والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، الذي لم ينس أن مكائد سوق النفط السعودي في الثمانينيات ربما لعبت دورا في انهيار الاتحاد السوفيتي.

علاوة على ذلك، حاولت المملكة بالفعل وفشلت في إدارة المنافسة مع صناعة النفط الصخري في الفترة بين عامي 2014 و2016، عندما قللت من تقدير الكفاءة الفنية لمنتجي الصخر الزيتي الأمريكي وقدرتهم على العمل بأسعار منخفضة.

وبدلا من السعي لتحقيق فوز تكتيكي قصير المدى، قد يركز "بن سلمان" بدلا من ذلك على العديد من أهداف التنمية طويلة المدى. وهو يعلم أن لديه وقتا محدودا، ربما بضعة عقود فقط، لاستخراج أقصى قيمة من النفط؛ لأن تغير المناخ غذى دفعة عالمية نحو إزالة الكربون واللجوء إلى الطاقة المتجددة.

وتمتلك المملكة ما يزيد عن 50 عاما من الاحتياطيات القابلة للاسترداد، وسيصبح معظم ذلك أصلا عالقا إذا لم يتم إنتاجه بسرعة أكبر.

وبالرغم من أن المملكة ستواجه عقبات فنية ومالية خطيرة في سعيها لتحقيق أهدافها الإنتاجية الجديدة والطموحة للغاية، فإن النقطة الأعمق هي أن القواعد القديمة لم تعد سارية.

وفي ظل النظام الجديد، قد يبدأ السعوديون أيضا في إدارة شركة النفط العملاقة المملوكة للدولة (أرامكو) مثل شركة دولية معظمة لزيادة الأرباح، أي تنتج قدر الإمكان، بدلا من لعب دور البنك المركزي لسوق النفط العالمية.

وتوجد حجج قوية حول السبب الذي يدعو المملكة إلى اتباع هذا المسار. وبالنسبة للعارفين بهذا المجال، فإن النفط السعودي أرخص عند استخراجه ونقله من العديد من الاحتياطيات الأخرى. كما أنه "أنظف" من ذلك الذي تنتجه رمال القار الكندية، وينبعث منه القليل من الميثان مقارنة بالنفط الروسي.

وتعد "أرامكو" السعودية واحدة من أكثر شركات النفط تقدما من الناحية التكنولوجية والكفاءة التقنية. بعبارة أخرى، يتمتع النفط السعودي بمزايا نسبية متعددة مقارنة بالمنافسين؛ وبالتالي فهو في وضع مثالي لشغل مكان مميز خلال التحول العالمي للطاقة النظيفة.

علاوة على ذلك، كانت المملكة تشير إلى تغييرها المقصود في الاستراتيجية لعدة أشهر. وفي ديسمبر/كانون الأول 2019، شرعت في الطرح العام الأولي لـ"أرامكو" بنسبة 1.5%؛ ما يمثل طريقة جديدة لتحقيق الدخل من القيمة الأولية لاحتياطياتها النفطية، مع الإشارة أيضا إلى التحول نحو تعظيم الربح.

وبعد أعوام عديدة من الخلافات، توصل السعوديون أيضا إلى اتفاق مع الكويت بشأن إنتاج النفط في المنطقة المحايدة، ما سيسمح بزيادة الإنتاج بما يصل إلى 500 ألف برميل يوميا.

وأخيرا، أعلنت المملكة عن خطط لتطوير حقل ضخم غير تقليدي للغاز يدعى "الجفورة"، والذي سيجعل المزيد من النفط متاحا للتصدير.

ويجب أن يلفت هذا التحول في سياسة المملكة انتباه السياسيين الأمريكيين الذين يفتخرون بأن الولايات المتحدة حققت استقلال الطاقة عبر إنتاج النفط الصخري. وفي حرب شاملة على حصتها في السوق، ستواجه الولايات المتحدة وكندا وروسيا ومنتجون آخرون للنفط صعوبة في التنافس مع دول الخليج، بالنظر إلى انخفاض تكاليفها ومزاياها التنافسية الأخرى.

والسؤال الذي يبرز هنا بالطبع هو إلى متى يمكن للسعودية الحفاظ على هذه الاستراتيجية قبل أن تستنزف البيئة الجديدة منخفضة السعر خزائنها. وتشير العملية الحسابية إلى أنها قادرة على الاستمرار في هذا لمدة عامين.

وربما يراهن "بن سلمان" على أنه يستطيع الفوز في هذه المنافسة. لكن بالنظر إلى السمات الهيكلية لسوق النفط، والتحول العالمي الحتمي إلى مصادر الطاقة المتجددة، ربما ليس أمامه أي بديل آخر. فلم تحقق حصص "أوبك" واتفاقيات الإنتاج مع الروس النتائج التي رغب بها. ويبقى أن نرى ما إذا كانت السياسة الجديدة ستأتي بفوائد ملموسة أكثر أم لا.

المصدر | برنارد هايكل/بروجكت سنديكيت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد