الأربعاء 1 أبريل 2020 08:32 ص

تتغير موازين المعارك الدائرة في ليبيا بين قوات حكومة "الوفاق" المعترف بها دوليا، وميليشيات اللواء "خليفة حفتر"، المدعوم من مصر والإمارات والسعودية وفرنسا ومرتزقة روس. 

وتميل دفة المعركة حاليا لصالح "الوفاق"، التي حققت خلال الأيام القليلة الماضية، انتصارات ثمينة، وكبدت قوات "حفتر" خسائر فادحة، ستلقي بظلالها، على الوضع الميداني للبلاد خلال الفترة المقبلة.

وقد تنجح عملية "عاصفة السلام" التي أطلقتها "الوفاق"، منذ الأربعاء الماضي، ردا على الانتهاكات المستمرة للهدنة من قبل قوات "حفتر"، في فرض واقع عملياتي جديد على الأرض، يعزز نفوذ حكومة طرابلس.

سقوط "الوطية"

يعد سقوط قاعدة "الوطية" الجوية الاستراتيجية (140 كم جنوب غرب طرابلس)، بمثابة تحول نوعي لافت على الأرض، سيلقي بتداعيات سلبية على قوات "حفتر" التي كانت تسيطر عليها منذ العام 2014.

وتعد قاعدة "الوطية" التي سيطرت عليها "الوفاق"، أكبر قاعدة عسكرية في المنطقة الممتدة من غرب طرابلس إلى الحدود التونسية، وكانت مركزا لقيادة عمليات قوات "حفتر" في الغرب، وجرى منها إدارة عمليات قصف طرابلس ومختلف الجبهات القتالية في المنطقة الغربية.

وتمكن أهمية قاعدة الوطية، في كونها نقطة تمركز لقوات "حفتر" القادمة من قاعدة بنينة الجوية، في مدينة بنغازي (ألف كم شرق طرابلس)، وقاعدة الجفرة الجوية (650 كم جنوب شرق طرابلس)، وبإمكانها إيواء 7 آلاف عسكري.

ويضاعف من أهمية القاعدة، كونها نقطة انطلاق للطيران بما يشمل طائرات "ميج"، و"سوخوي"، الأمر الذي يعني أن "حفتر" الذي تعرض لهجوم مباغت وسريع، فقد بسببه مركزا استراتيجيا لعملياته الجوية التي كانت تمنحه تفوقا في السابق، كما فقد عددا من طياريه الذين وقعوا في الأسر.

وفي أول بيان بعد نجاح الهجوم، قال رئيس حكومة الوفاق "فايز السراج": "أكدنا أننا سنرد على الانتهاكات المستمرة للهدنة، وقلنا ومازلنا نقول بأننا لن نقف مكتوفي الأيدي، وهذا تحديدا ما حدث حيث أصدرت الأوامر بالرد وبقوة على الاعتداءات الإرهابية المتكررة على المدنيين".

معارك الوشكة

بخلاف ذلك، شمل الهجوم الذى نفذته "الوفاق" على مدار الأيام الماضية عدة محاور، كان من أبرزها منطقة "الوشكة" المحيطة بمدينة سرت شمال شرقي ليبيا (450 كم شرقي طرابلس)، ما أسفر عن مقتل آمر غرفة عمليات سرت الكبرى، اللواء "سالم درياق الفرجاني"، ومعاونه العميد "القذافي الصداعي".

وفي وقت سابق، أقرت غرفة عمليات قوات "حفتر"، بمقتل "الفرجاني" (من قبيلة "حفتر") وأحد مساعديه في معارك الوشكة، وجرى لاحقا تكليف العميد "علي عمر المقرحي" بمهام آمر غرفة عمليات سرت الكبرى، بحسب وكالة "سبوتنيك" الروسية.

إضافة إلى ذلك، قتل قادة آخرون، من أبرزهم آمر مجموعة حماية حقول النفط في منطقة السرير "علي سيدا التباوي"، المقرب من "حفتر"، والمسؤول الأول عن تجنيد وتجميع المرتزقة من الجنجويد والأفارقة.

وقتل أيضا أمراء محاور وقادة ميدانيون، من بينهم القيادي الميداني في الكتيبة 302 "صالح القابسي المغربي"، وآمر عمليات الوشكة "وليد الدبار الفرجاني"، وآمر وحدة الاستطلاع بغرفة عمليات سرت الكبرى "ضو المقرحي"، وآمر محور الطريق الساحلي - الوشكة "صابر المطهر"، ومعاون غرفة عمليات سرت الكبرى "محمد المجدوب الوافي"، وآمر سرية 103 "خالد كريس"، و"الأمين عثمان" آمر اللواء 112.

ونقلت مصادر ميدانية لـ"الجزيرة،"، أن طائرات شحن عسكرية نقلت عشرات الجرحى والقتلى من سرت إلى بنغازي شرقي ليبيا في 5 رحلات جوية.

ووفق المتحدث باسم عملية بركان الغضب، "مصطفى المجعي"، فإن "حفتر فقد أكثر من 120 شخصا قتلوا في صفوف قواته خلال الأيام الماضية"، معتبرا أن "خسارة أكثر من 10 قادة في يومين هي خسارة كبيرة جدا لن يمكن تعويضها".

تدخل إماراتي

جراء الخسائر المتلاحقة التي تكبدتها قوات "حفتر"، سارعت الإمارات إلى محاولة إنقاذ حليفها عبر إرسال 3 طائرات شحن عسكرية، تحمل عتادا وذخيرة، إلى إحدى القواعد بمدينة المرج (شرق البلاد).

وبحسب "العربي الجديد"، فإن "حفتر" حاول الضغط على مصر للعدول عن قرار سحب المقاتلين والخبراء العسكريين التابعين للجيش المصري بسبب المخاوف من تفشي فيروس "كورونا"، إضافة إلى طلب توجيه ضربة جوية سريعة لتمركزات قوات "الوفاق".

ويسود الارتباك غرفة العمليات الرئيسية لقوات الشرق الليبي، وسط مخاوف من حدوث اختراق استخباراتي، لاسيما وأن هجوم الوشكة تزامن مع انعقاد اجتماع لقادة ميدانيين لتنسيق هجوم على "أبوقرين" التابعة لمصراتة.

ويقول الناطق السابق باسم قوة حماية وتأمين "سرت" التابعة لحكومة الوفاق، "طه حديد"، إن "تنفيذ هذه العملية الدقيقة يؤكد قوة استخبارات الجيش الليبي وقدرته على تحديد مكان الغرفة مع التوقيت المناسب للاستهداف حيث كان هؤلاء القادة في اجتماع فكانت الضربة الاستباقية لهم".

عاصفة السلام

وتشير المعطيات على الأرض في الوقت الراهن إلى أن "الوفاق" التي التزمت بالهدنة التي أقرها مؤتمر برلين، يناير/كانون الثاني الماضي، قررت اتباع استراتيجية مختلفة، بشن هجوم عكسي، مدعوم بطائرات تركية مسيرة.

وخططت حكومة الوفاق لشن هجوم على محاور عدة لتشتيت قوات "حفتر"، لكن الهدف الرئيسي كان قاعدة "الوطية" التي سقطت سريعا، بهجوم مباغت، قبل أن تتمكن قوات "حفتر" من إمدادها بالدعم اللازم، والحيلولة دون سقوطها.

وطالت هجمات الوفاق تجمعات لمرتزقة أفارقة، ومبنى في منطقة قصر بن غشير يحتمي داخله مرتزقة روس، ما أوقع عشرات القتلى في صفوفهم، وفق تأكيدات المتحدث باسم الجيش الليبي التابع لحكومة طرابلس "محمد قنونو".

ويرى مراقبون أن التكتيك الجديد لقوات "الوفاق" يعد تحولا استراتيجيا، نحو توجيه ضربات استباقية جديدة، والانتقال من مرحلة الدفاع عن العاصمة، إلى الهجوم، خاصة مع إصرار "حفتر" على انتهاك الهدنة وقصف طرابلس.

ويبدو أن الطائرات المسيرة، التي حصلت عليها "الوفاق" من تركيا، إضافة منظومات الدفاع الجوي، نجحت في إحداث الفارق وأكسبت الحكومة المعترف بها ميزة نوعية، من المرجح أنها ستظهر بشكل أوضح خلال الأسابيع المقبلة.

ومن المؤكد أن "حفتر" يواجه مأزقا بعد فقدان قاعدة "الوطية" الاستراتيجية، ما قد يدفعه لسحب جزء من قواته من محاور العاصمة، في محاولة لاستعادتها، وهي معركة لن تكون سهلة، وسوف تضعف موقفه على جبهات القتال الأخرى.

المصدر | الخليج الجديد