الأحد 5 أبريل 2020 04:09 م

في 20 مارس/آذار، كانت شوارع الجزائر فارغة للمرة الأولى في يوم جمعة منذ تشكيل حركة "الحراك"، حيث ظل نشطاؤها في منازلهم بسبب وباء فيروس "كورونا" المستجد.

وبدأت الحركة نشاطها في فبراير/شباط 2019 احتجاجا على إعلان الرئيس "عبدالعزيز بوتفليقة" نيته ترشيح نفسه لولاية خامسة، ونجح "الحراك" سريعا في إنهاء حكم "بوتفليقة" الذي دام 20 عاما.

وتحول "الحراك" منذ ذلك الحين إلى حركة جماهيرية ضخمة بلا قيادة تدعو إلى إصلاح شامل للنظام السياسي الجزائري.

ونظرً لأن "الحراك" كان قائما على خروج الاحتجاجات مرتين كل أسبوع في المدن الرئيسية، يخشى البعض من أن الإغلاق بسبب فيروس "كوفيد-19" قد يسبب موت الحركة.

ومع ذلك، لطالما دعا قادة الفكر في "الحراك" إلى تكتيكات تكميلية، مشيرين إلى أنه بالرغم من كونها من بين أهم الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية في التاريخ الجزائري الحديث، بيد أن الاحتجاجات وحدها قد لا تكون فعالة كما كانت في السابق في انتزاع تنازلات ذات معنى من النظام الحاكم.

وبالتالي، نظرا لصعوبة التوقيت والقلق الذي يشعر به الكثير من المؤمنين بالحراك، فقد تأتي الأزمة الصحية العالمية كفرصة سياسية مهمة للحركة.

البقاء في المنزل

وتوجد الآن 847 حالة إصابة مؤكدة بالفيروس فضلا عن 58 حالة وفاة في البلاد، وترتفع هذه الأرقام يوميا، لكن النظام يواجه مفارقة في إدارة الأزمة، فانعدام الثقة العامة يجعل أي خطوات صارمة لكبح انتقال العدوى أكثر صعوبة.

وبالرغم أن الحكومة الجزائرية فرضت حظر التجول في المناطق الأكثر تضررا، لكنها كانت أبطأ بكثير في التحرك من المغرب وتونس، وما زالت لم تحذ حذوهما في اتخاذ خطوة إعلان حالة الطوارئ على الصعيد الوطني.

ومن المتوقع أن تكشف الاختبارات غير الكافية، وعمليات تقنين الإمدادات الطبية، عن طبقات إضافية من فساد الدولة وسوء الإدارة، والتي ستكون بمثابة وقود إضافي للمعارضة.

وفي الواقع، حتى عندما منعت الحكومة التجمعات العامة في أوائل مارس/آذار، امتنعت في البداية عن القول صراحة ما إذا كان ذلك يمتد إلى المظاهرات.

وتوصلت دراسة لجامعة "جون هوبكنز" إلى أن الجزائر من بين أقل البلدان استعدادا في العالم للتخفيف من انتشار الوباء، بما يشمل عدم كفاية أنظمة الكشف والصحة، بالرغم من تأكيدات الرئيس الجديد "عبدالمجيد تبون" أن البلاد لديها 2500 وحدة للعناية المركزة، و6 آلاف جهاز تنفس، و6 آلاف مجموعة اختبار.

كما يحذر الأطباء داخل الجزائر من أن البنية التحتية الطبية ستصل إلى حدود طاقتها قريبا، وبهذه الطريقة، يمكن أن يكون تفشي المرض في البلاد كارثيا على النظام غير المستعد والمحاصر بالخوف من "الحراك".

وعندما أعلن "تبون" في النهاية حظرا على المسيرات في 17 مارس/آذار، اندلعت المعارضة في وسائل التواصل الاجتماعي الجزائرية.

وتعهد الكثير بالاستمرار في النزول إلى الشوارع، معتبرين أن النظام كان يبالغ في مستوى التفشي من أجل خنق الحركة، مستشهدين بالعديد من الذرائع التي استخدمها النظام خلال العام الماضي لكسر زخم "الحراك"، حتى إن البعض مال في البداية إلى نظريات المؤامرة، بالإشارة إلى أن النظام يصطنع الوباء.

ومنذ ذلك الحين، تبنى ناشطو الحراك التباعد الاجتماعي كممارسة لنوع من المسؤولية المدنية التي جعلتها الحركة جزءا من صورتها وثقافتها.

وحثت أصوات "الحراك" البارزة الناس على البقاء في منازلهم، وفي بيان، قالت مجموعة طلاب "التجمع من أجل التغيير"، التابعة للحراك، إنه "يجب تعليق التجمعات حتى لا يستخدم النظام غير الشرعي المظاهرات لتبرير إخفاقه في احتواء الوباء"، وحذر البيان من أنه يجب على الجزائريين حماية وتنظيم أنفسهم ورعاية أحبائهم في مواجهة غياب الدولة.

وبالفعل بدت الشوارع شبه مهجورة الجمعة الماضي، وهي الجمعة رقم 57 منذ بدء الحراك، ما يدلل على التأثير الذي يمارسه "الحراك" على الجماهير مقابل الدولة.

فرصة سياسية

ويشير "الحراك"، الذي يعيد صياغة البقاء في المنزل كشكل من أشكال الاحتجاج، إلى طريقتين مهمتين لتحويل الوباء إلى فرصة سياسية للحركة.

أولا، تقود الديناميات الاجتماعية الجديدة الحركة لتعديل الطرق التي تحتج بها ووسائل التعبير لديها بما يتلاءم مع الوباء.

وكان "الحراك"، مثل معظم الحركات الاحتجاجية، يؤمن بأن احتلال الأماكن العامة هو في حد ذاته طريقة مهمة لتقديم المطالبات.

وأصبحت شوارع الجزائر موقعا للتعبير عن المستقبل الجزائري المشترك الجديد كل ثلاثاء وجمعة. وقد عقدوا معسكرات شهدت تنوعا بحضور العلمانيين والإسلاميين وغيرهم، وربما لم يجروا حوارا أبدا، لكن انضمامهم معا يعيد تعريف الانتماء الجزائري من خلال رفض الوضع الراهن.

وكان التقارب الجسدي بين معظم الناشطين قد منحهم إحساسا متجددا بالملكية الشخصية والمدنية للأماكن العامة التي كانت تسيطر عليها الدولة، ويتضح ذلك من عمليات التنظيف بعد الاحتجاج، والوجبات الجماعية، ولجان الأمن الشعبية.

ويعني هذا أن الإبعاد الاجتماعي أو إغلاق الشوارع سيجبر "الحراك" على تغيير طريقة الحشد.

ومع ظروف الوباء، ينتقل الناشطون إلى مجالات جديدة، ويتكيفون مع أنماط العمل الجديدة في شكل احتجاجات قائمة على الإنترنت ومواقع التواصل، ويضربون الأطباق من النوافذ والشرفات، مع الوضع في الاعتبار استئناف النزول للشوارع في أسرع وقت ممكن.

ثانيا والأهم، ستتيح الشروخ الواضحة بشكل متزايد في الأنظمة الصحية والحكم والقيادة الجزائرية، فرصة لتعزيز الاحتجاج لإعادة صياغة المظالم، وصياغة مطالب جديدة، وصياغة دور في توفير السياسات والخدمات.

وتنذر ولاية "البليدة"، التي تضم ما يقرب من نصف حالات البلاد، بما لم يأت بعد لبقية الجزائر إذا لم يتم تسطيح المنحنى.

وتركت محطات الغاز ومحال المواد الغذائية المغلقة في البليدة المواطنين غير قادرين على الوصول إلى المواد الغذائية والضروريات الأساسية الأخرى وسط تصاعد الحالات وإرهاق المستشفيات.

وعبّر ناشطو الحركة في البليدة خلال الأسابيع الماضية عن يأسهم وغضبهم عبر الإنترنت مطالبين باستجابة أسرع من الدولة للأزمة الفريدة في المنطقة.

وبالتالي يحفز "كوفيد-19" تحولات كبيرة، ليس فقط في أساليب الحراك لعرض المطالبات، ولكن أيضا في جوهر تلك المطالبات، من خلال إعادة التركيز على إدارة الدولة لأزمة الصحة العامة.

وفي الواقع، كان أحد النقاط الرئيسية التي يستند عليها الحراك لاكتساب شرعية هو أنه (وليس الدولة) الصوت الحقيقي المعبر عن الشعب.

وتحقيقا لهذه الغاية، يدعو ناشطو "الحراك" بالفعل إلى عمل جماعي يتخذ شكل حملات توعية وجهود إغاثية وتسخير الخبرات الطبية في صفوف "الحراك" لتشكيل مجموعات توعوية، ونشر رسائل عامة ذات مصداقية حول المرض.

وبدأت بعض المجموعات المؤيدة للحراك حملات لزيادة الوعي وتطهير شوارع المدينة وتوزيع الأدوات الواقية على المحتاجين.

ويتم صياغة هذه المحاور على أنها لسد الثغرات التي خلفتها الدولة.

وجلب الوباء شكوكا عميقة وغير محددة إلى المجتمعات في جميع أنحاء العالم، ويبقى أن نرى ما إذا كان الانفتاح الذي توفره الأزمة الصحية سيكون له آثار دائمة على طرق عمل "الحراك".

علاوة على ذلك، في حركة متنوعة الأيدلوجيات مثل "الحراك"، لا يمكننا أن نفترض أنها تعمل ككتلة واحدة.

وفي الواقع، لا تزال هناك بعض الأصوات المتشددة داخل "الحراك" تدعو إلى العودة إلى الشوارع، ومع ذلك، فإن الأغلبية تدعو إلى مسار مختلف وجاهزة لاستخدام الأزمة والغضب الشعبي، الذي من المحتمل أن يتبع ذلك، كفرصة سياسية تظهر الحراك كحركة ديناميكية وقابلة للتكيف لتظل ركيزة أساسية لوقت طويل في السياسة الجزائرية.

المصدر | فيش ساكثيفيل | معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد