الثلاثاء 11 أغسطس 2015 08:08 ص

عندما خرج العراقيون إلى الشوارع في 16 محافظة من مجموع 18 في عام 2011، نطق وكيل المرجعية «الصامتة»، غير المرئية لعموم الشعب، ليحذر المحتجين على سوء الخدمات والفساد، من استغلال تظاهراتهم من قبل «مندسين» يسيئون إلى العراق. 

وكان «نوري المالكي»، رئيس الوزراء أيامها، المدعوم من قبل المرجعية، قد أصدر حكمه على المتظاهرين المسالمين بالإرهاب مصرحا عبر قناة «العراقية» الرسمية، قبل يوم من تلك المظاهرة: «أدعو إلى عدم المشاركة في مظاهرة الغد لأنها مريبة… إن من يقف خلف المظاهرة الصداميون والإرهابيون والقاعدة». وكانت النتيجة إطلاق النار على المتظاهرين وقتل 29 متظاهرا بينهم طفل. واعتقل نحو 300 شخص فيهم صحافيون وفنانون ومحامون بارزون كطريقة للترهيب. 

إلى جانب المرجعية، وأعني هنا «السيستاني»، وقف «مقتدى الصدر» مقترحا، في أكثر لحظات الحكومة الطائفية تأزما، إمهالها مدة  100 يوم لإجراء الاصلاحات. كان هذا، بالاضافة إلى حملات التهديد والإغواء والاعتقالات، سببا آخر لإلهاء المتظاهرين عن أهدافهم الاساسية وتمييع القضايا وبالتالي انهاء حملة المطالبة بالحقوق.

وكما قامت قوى النظام بالإلتفاف حول المطالبين بحقوقهم الاساسية، عام 2011، عادت ذات القوى، هذه المرة، ومنذ انطلاق التظاهرات الحاشدة في العديد من المدن، من شمال العراق إلى جنوبه، للالتفاف حولهم، بتكتيك مغاير للمرة السابقة. إذ لم يهاجم النظام المتظاهرين بالقوة ولم يرشهم بالرصاص، بل سارع ساسته، كلهم، إلى اعلان تضامنهم مع المتظاهرين ضد الفساد.

وكأن الفساد جرثومة حطت على أرض العراق من الفضاء الخارجي ولا علاقة لهم به. فاستنكروا وأدانوا وشجبوا. سارع بعضهم إلى القنوات التلفزيونية، ليعلنوا، كما يفعل طيب القلب أمين عام الأمم المتحدة «بان كي مون»، عن «قلقهم» من الفساد الذي يعيق وصول التيار الكهربائي إلى أبناء الشعب المظلوم (وهو الاسم الرسمي، حاليا، للشعب العراقي). 

هدد آخرون بفتح ملفات الفساد (للمرة العاشرة بعد المائة على الأقل!) ومحاكمة المسؤولين وإبعاد غير الكفؤين. وبلغت خطوة احتواء التظاهرات وتمييع المطالب قمتها حين انضم ساسة الفساد، أنفسهم، من مسؤولين ومستفيدين من أحزاب ومليشيات وحشد شعبي إلى ساحات الاحتجاج في المدن المختلفة، لينفذوا ما برعوا بتنفيذه خلال الـ13 سنة الماضية أي السرقة والنهب ورمي المسؤولية على الآخرين. 

لم تسلم حتى الساحات وشعارات المتظاهرين ومطالبهم المشروعة من الايادي المتعودة على النهب. فجأة صارت مآسي الشعب مآسيهم. «مقتدى الصدر»، زعيم التيار الصدري، كان من بين الذين صحوا من سباتهم على أصوات المتظاهرين. فدعا «حيدر العبادي»، إلى «تشكيل لجان مستقلة وبإدارته المباشرة، لإحالة ملفات الفساد والمفسدين للحكومة السابقة والحالية إلى الادعاء العام». متناسيا أن هذا بالضبط ما قام به «المالكي» ليخلق بطانة الفساد الخاصة به وأن الدول والمؤسسات لا تبنى بهذه الطريقة.

تبعه «أسامة النجيفي»، نائب رئيس الجمهورية، الذي جدد «دعمه لأصوات المتظاهرين» وضرب رموز الفساد وهو أحد المتهمين بملف فساد ثقيل. وأكد رئيس الجمهورية «فؤاد معصوم»، على «حق المواطنين بحرية التعبير الحر عن حقوقهم ومطالبهم ومحاسبة المفسدين». أما رئيس كتلة الدعوة النيابية، فقد طمأن «العبادي» بأن «الجماهير ستقف مع رئيس الوزراء في قراراته الخاصة بإبعاد المفسدين من واجهة الحكومة، وإن عزيمة الشعب لا تقهر»، متعاميا عن حقيقة أن رؤساء الوزراء الثلاثة الذين أوصلوا العراق إلى هاوية التفكك والفساد الاداري والسياسي الحالي هم قادة حزب الدعوة، وأن نداء «المرجعية الرشيدة» الذي تم توجيهه، إلى «العبادي»، للضرب بيد من حديد على المفسدين سيتطلب، كخطوة اولى، محاسبة قادة حزب الدعوة نفسه، مهما تظاهروا بادعاء الإصلاح.

أما حث «المرجعية الدينية العليا» رئيس الوزراء العبادي على «أن يكون أكثر جرأة وشجاعة في خطواته الاصلاحية» ومن ثم استجابته الفورية، بإعلان التزامه الكامل بالتوجيهات القيمة للمرجعية الدينية التي عبرت عن هموم الشعب العراقي وتطلعاته، فإنه يبيّن،

أولا: إدراك المرجعية بأن النظام على حافة الانهيار ازاء غضب الجماهير.

ثانيا: إن المطالبات لم تعد مقتصرة على الخدمات بل تعدتها إلى الدفاع عن حق الحياة.

ثالثا: إن من يحكم العراق، فعلا، ليس ما يسمى بالحكومة والبرلمان بل ذلك الكيان المسمى «المرجعية الدينية العليا»، القابع في بيت منزو بمدينة النجف، الذي لا يسمع الشعب صوته، إلا عبر وكيل، ولم ير غير بعض صوره المضببة التي لا يعرف احد تاريخها بالاضافة إلى فيلم تم تصويره اثناء نقله إلى لندن عندما قامت قوات الاحتلال الأمريكي بتدنيس ضريح الامام علي.

ترى ما مدى معرفة هذه المرجعية بأمورالعراق والعالم بما فيه الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة الدولية والإقليمية والتوازنات العسكرية، أو حتى فهمها الإحصاءات والجغرافيا خارج اختصاصها في كتب الفقه؟ مع ذلك، يقدم النظام الحالي صورة المرجع غير المرئي، باعتباره مصدر الإلهام لسياسات الدولة الكبرى في قضايا مصيرية، إضافة لكونه أيقونة العواطف، العقائدية، الشعبوية، النقية. 

إنه «الذي يرى كل شيء»، لذلك تصبح طاعة فتاويه فرضا على المواطنين خاصة حين تتطابق مع متطلبات الساسة وتتماشى مع المحافظة على النظام الطائفي. ولعل أهم تساؤل سيوجهه جمهور المتظاهرين إلى أنفسهم عند انفضاض التظاهرات، بانتظار تحقيق «الإصلاحات» الموعودة، هو عن فائدة وجود حكومة ومجلس نواب إذا ما كانت مرجعية «السيستاني» هي القادرة على تسيير الدولة بواسطة فتوى؟ لم الانتخابات؟ ماذا عن الدولة المدنية وحق المواطنة وحكم القانون؟ والأهم من ذلك، ماذا عن بقية الشعب العراقي، بتنوعه الديني والمذهبي، إزاء مرجعية تمثل مذهبا واحدا؟

٭ د. هيفاء زنـﮔنة كاتبة من العراق