الأربعاء 8 أبريل 2020 06:33 م

"أزمة فيروس كورونا ستدفع إلى التعجيل ببعض الإصلاحات الهيكلية العامة".. بهذه الكلمات أشارت وزيرة التعاون الدولي المصرية "رانيا المشاط" إلى إجراءات تنوي الحكومة اتخاذها لمعالجة تداعيات تفشي فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" على الاقتصاد المصري الذي يعاني ديونا متفاقمة، وذلك خلال اجتماع عقد عبر تقنية الفيديو كونفرانس مع ممثلين لمؤسسات الإقراض الدولي.

أكثر من 100 مؤسسة تواصلت معها الوزيرة لمحاولة الحصول على قروض جديدة لسد عجز الموازنة المتوقع تفاقمه جراء أزمة كورونا، بينها صندوق النقد والبنك الدوليين، والبنك الأفريقي للتنمية، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبي، ومؤسسة التمويل الدولية، والمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة، والوكالة الفرنسية للتنمية، والوكالة الأمريكية للتنمية، حسبما أفاد بيان وزارة التعاون الدولي، ما اعتبره مراقبون مؤشرا على صحة التقارير بشأن تأثير الانكماش الاقتصادي على موارد البلاد من النقد الأجنبي.

دين متضخم

وعلى هذا الأساس؛ فإن أزمة كورونا تمثل تهديدا لقدرة مصر على سداد دينها الخارجي الذي تجاوز 109 مليارات دولار، بعد إصابته قطاعات حيوية تمثل المورد الرئيسي للنقد الأجنبي للدولة، وأهمها السياحة وإيرادات قناة السويس وتحويلات المغتربين وصادرات الغاز، بما يعني فقدان الدولة مليارات الدولارات خلال الأشهر المقبلة، وهو ما توقعته وكالة فيتش للتصنيف الائتماني العالمية، بنهاية مارس/آذار الماضي، مشيرة إلى احتمال تآكل احتياطي مصر من النقد الأجنبي.

ويفسر ذلك حرص الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، في 26 مارس/آذار الماضي، على إطلاق دعوة إلى دول مجموعة العشرين لدعم الدول الفقيرة عموما، والأفريقية خصوصا، في مواجهة أعباء الديون المستحقة والمتفاقمة عليها، سواء بإعادة الجدولة أو التأجيل أو الإعفاء، وذلك في مؤتمر قمة مصغر تم عقده عبر تقنية الفيديو بحضور العديد من القادة الأفارقة.

ووفقا لدراسة عقدها الاتحاد الأفريقي، واطلعت عليها وكالة "رويترز"، فإن اقتصاد أفريقيا سوف يشهد انكماشا في العام الحالي بنسبة تتراوح بين 0.8% إلى 1.1% وسط تقديرات بأن تخسر الحكومات الأفريقية ما يتراوح بين 20 و30% من إيراداتها المالية، التي بلغت 500 مليار دولار في 2019.

وعليه، فإن مناشدة "السيسي" لمجموعة العشرين تتعلق بقضية جوهرية تمس مستقبل الاقتصاد المصري في ظل أزمة كورونا. ففي حين أن "السيسي" توسع في سياسة الاقتراض منذ وصوله إلى السلطة قبل نحو 6 سنوات، فإن هذه السياسة تسببت في زيادة الدين الخارجي بنسبة 138%، وهي ديون تواجه مصر احتمال التخلف عن سدادها في ظل تقلص مواردها من النقد الأجنبي.

وتكشف بيانات حديثة صادرة عن البنك الدولي أن أقساط الديون المستحقة على مصر في عام 2020 تقدر بـ18.6 مليارات دولار.

مأزق الموازنة

واستحوذت فوائد الدين المصري على جانب كبير من بند المصروفات في موازنة العام المالي الجديد 2020-2021، بواقع 566 مليار جنيه، من أصل تريليون و713 مليار جنيه مخصصة للمصروفات، مقابل تريليون و288 مليار جنيه من الإيرادات المتوقعة، بعجز أولي (دون حساب فوائد الديون) يبلغ 425 مليار جنيه (نحو 27 مليار دولار).

ولذا لم تصدر أي بيانات رسمية حول قيام الحكومة المصرية بسداد ديونها قصيرة الأجل المستحقة حتى نهاية مارس/آذار الماضي، والمقدرة بنحو 4 مليارات دولار، موزعة بواقع 3.98 مليار دولار في صورة أقساط، و32.14 مليون دولار في صورة فوائد، رغم حرص الحكومة سابقا على إعلان سدادها للأقساط، بما يدعم تصنيفها الدولي، الذي يساعدها للحصول على قروض أخرى لاحقا.

وفي ظل الأزمة الحالية التي يعانيها الاقتصاد العالمي، لن يكون توجه نحو الاقتراض من السوق الدولية لسداد ديون مستحقة أمرا سهلا، خاصة في ظل عزوف المستثمرين عن الأسواق الناشئة الأكثر هشاشة في مواجهة تداعيات كورونا.

ومع تزايد الضغوط المالية التي تتعرض لها دول الخليج، تبدو الحكومة المصرية في مأزق كبير للحصول على أي تمويل خارجي.

الأخطر من ذلك أن تأثير فقدان النقد الأجنبي قد يؤثر سلبا على سلاسل التوريد بالبلد الذي يعتمد على استيراد الحصة الأكبر من المواد الغذائية التي تستهلكها السوق المحلية، في وقت تتضارب فيه البيانات حول حجم المخزون الاستراتيجي للسلع الرئيسية.

ويشير الخبير الاقتصادي "زهدي الشامي"، في هذا الصدد، إلى تحذير منظمات الأغذية والزراعة "فاو"، والصحة العالمية، والتجارة الدولية، من "الغموض حول توفر الغذاء" مع اضطراب حركة التجارة الدولية، مؤكدا، عبر فيسبوك، أن "مصر من أول الدول المعنية بهذا التحذير".

ومع ظهور مؤشرات على انكماش على القطاع الخاص غير النفطي في مارس/آذار الماضي، فإن مخاطر دخول مصر في أزمة اجتماعية باتت متصاعدة، خاصة مع ارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، لتمثل نحو ثلث السكان، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء (حكومي)، في حين تقدّرها جهات مستقلة بأكثر من 50%.

وفي هذا الإطار، أوردت صحيفة "لوموند" الفرنسية مذكرة بحثية منسوبة إلى مؤسسة الفكر بوزارة الخارجية الفرنسية حذرت من "موجة الصدمة" التي قد تحدثها أزمة كورونا في الدول الأفريقية الضعيفة سياسيا واقتصاديا، ومنها مصر، مما يؤدي إلى "زعزعة استقرارها".

فهل يتحقق التنبؤ الفرنسي؟ الإجابة ترتبط على نحو وثيق بالوقت الذي ستستغرقه أزمة كورونا، ومدى نجاح حملة مصر للحصول على قروض دولية جديدة.

المصدر | الخليج الجديد