الخميس 9 أبريل 2020 09:05 م

لحظة النهاية والخوف من الفناء، والشعور الدائم لدى البشرية بأن هناك لحظة ما سينتهي فيها هذا العالم، هي الشغل الشاغل للبشر منذ نشأتهم على الأرض، وظهر ذلك في الأدبيات المختلفة التي أنتجها المبدعون شعرا أو قصة أو رسوما على جدران الكهوف.

وعندما ظهرت السينما كفن، ولأنها تحمل أيضا نفس الهم البشري، اهتمت أيضا بإنتاج العديد من الأفلام التي تحمل فكرة الفناء البشري.

وتناول الإنتاج السينمائي أفلاما قدمت موضوعاتها فكرة نهاية العالم من زوايا مختلفة؛ فالبعض تناول الحروب كسبب رئيسي في انتهاء الجنس البشري، فيما تمخض خيال البعض عن أسباب أخرى منها التلوث، وانتشار الزومبي (الموتي الأحياء)، والحروب مع كائنات من عوالم أخرى تريد غزو الأرض.

إنه الفزع الدائم والشعور بالملاحقة لدى الجنس البشري.

  • تطابق الواقع والخيال

تمكنت السينما من استكشاف هذا المجال؛ حيث استخدم المبدعون كل ما لديهم من قدرات على التخيل، واستعانوا ببعض العلماء في مجالات تخصصهم ليقدموا لنا أفلاما تتحدث عن تفشي وباء ما يجتاح العالم، وصوروا لنا كفاح العلماء من أجل بقاء البشرية، وحمق السياسيين بل وغبائهم المصالحي إلى حد يصل إنكار الكارثة واستهتارهم بحياة البشر.

كما دمجت أفلام الوباء عناصر الخيال والإثارة، وبنت لنا عالمه بدقة، بل وتحدثت في أحيان كثيرة عن وجود مؤامرة خلف بعض الأحداث.

في بادئ الأمر، استقبلنا خبر تفشي فيروس "كورونا" في الصين كما لو كنا قد خرجنا للتو من دار عرض سينمائي تعرض فيلما من تلك الافلام التي اعتدنا عليها (فيروس يتفشى - معركة علمية - انتصار البشرية)، وانتظرنا أن ينتهي الأمر بمجرد أن نعود إلى منازلنا بعد سهرة سينمائية مرتفعة الادريانيل.

لكننا مع استمرار أخبار الصباح قفزنا لنتسائل: ماذا لو أن ما حدث في الفيلم الأمريكي "عدوى" (Contagion)، وهو من إنتاج 2011، قابلا لأن يقع بكل تفاصيله في الحياة؟، ألا يمكن أن تكون نهاية العالم تدق أبوابنا الآن؟

إن حياتنا مهددة الآن عبر أهم آليات الحياة البشرية؛ فنحن مهددون بالتنفس، وبلمس الأشياء. قديما طلب الملك ميداس من الجني أن يتحول كل شيء يلمسه إلى ذهب، كان ميداس طماعا يحب الذهب فتحولت حياته إلى جحيم باللمس، وها نحن تتحول حياتنا إلى رعب بسبب اللمس، لكننا نتحول إلى مرضى لا إلى ذهب.

  • زومبي وفيروسات ونهاية العالم؟

في عام 2018، صدر للمؤلفة "داليا شوايترز" كتاب بعنوان "زومبي وفيروسات ونهاية العالم" عن دار نشر "يونفيرستي برس"، خلصت فيه الكاتبة إلى أن البشر اليوم يعيشون في وضع أكثر أمانا من ذي قبل، رغم الأحداث السياسية والحروب التي تملأ الأرض.

واتهمت الكاتبة، الإعلام من طرف خفي بأنه يساعد على التهويل وتزييف الواقع، رغم أنه ينقل أخبارا تحوز الاهتمام من حروب وفواجع.

وأشارت إلى أن السينما، بما تنقله من موضوعات عن كوارث محتملة وفناء للعالم، تقدم لنا موضوعات غير قابلة للتحقق، معتبرة أن ما يميز هذه الأفلام هو شيء واحد، وهو أننا نراقبها من خلف الشاشة، ونخرج منها، ونحن مصابون بقليل من القلق؛ لأننا نعلم أن احتمال حدوث ما شاهدناه بعيد عن الواقع.

  • كورونا غير المعادلة

لكن ظهور وباء "كورونا" والرعب الحقيقي الذي بدأ ينتشر، مثل ضربة في الصميم لأولئك الذين يظنون أن الأمر مجرد خيال لمبدع، وأن ما نسجته عقول المبدعين عن إمكانية تحول التكنولوجيا والأبحاث العلمية إلى كارثة على البشر باتت حقيقية، فقد بدأنا نعيش مرحلة محاكاة ومقابلة المخاوف وجها لوجه.

وها هو فيلم "ستفين سودربيرج" يتحقق أمام أعيننا، وتفرض العدوى حظر التجوال على مئات المدن في العالم بداية من مدينة ووهان وسط الصين؛ فالفيروس، الذي رأيناه في فيلم الأمريكي "Contagion"، انتقل إلى أهالي ووهان فعليا، وانطلق من هناك.

الوطواط كان سببا والطباخ الذي لمس السائحة الأمريكية كان بداية، والسائحة حملت العدوى وبدلا من متابعة مسيرة الفيروس عبر شاشة السينما نتابعها من خلال الأخبار ووسائل التواصل واحصاءات الإصابات والوفيات والمدن المحاصرة.

  • كيف ينتشر الوباء؟

التساؤل الذي طرحه الفيلم الأمريكي "اندلاع" (Outbreak)، وهو من إنتاج 1995، حول ما الذي يحدث عندما يكتشف العالم أن هناك وباءً معديا انتقل من أفريقيا إلى الولايات المتحدة، لم يمر تأثيره علينا كمشاهدين وقتها تأثيرا عابرا، لكنه أخذ من وقتنا ونقاشاتنا الكثير.

فواقعية الفيلم جعلتنا نناقش ما يمكن أن تسببه الولايات المتحدة للعالم من مآس بسبب غباء ساستها وتحكمهم ومحاولتهم التعتيم على أحداث تهم مستقبل البشرية، لكننا أيضا كانت لدينا ثقة، من خلال احتواء الوباء في الفيلم، أن البشر لديهم القدرة على المواجهة والانتصار على الأوبئة.

وإن كان فيلم "اندلاع" أثار تساؤلات بداخلنا، إلا أننا لم نعر اهتماما كبيرا للفيلم الدنماركي "وباء" (Epidemic)، الذي تم إنتاجه عام 1987 وأخرجه "لارس فون ترينر"، وهو النسخة التي اقتبس منها صانعو فيلم "بطل من ورق" المصري فكرة فيلمهم؛ حيث كان هناك كاتب سيناريو يبحث عن منتج لنص قام بكتابته عن طبيب يحاول الوصول لمصل يعالج به وباء قبل أن ينتشر، لكن الأمور تأخذ منعطفا خطيرا عندما يكتشفون أن مرضا مشابها أصاب العالم في الحياة الواقعية، وأن ما كُتب في النص بدأ ينتقل إلى أحداث حقيقية، فيبدأ المنتج والمخرج في البحث عن كيفية تسريب أحداث النص.

  • مسارات عدة ورصد دقيق

بالمجمل، عالجت أفلام نهاية العالم موضوع الأوبئة والكوارث من كافة الجوانب وتتبعت المسارات المختلفة؛ فبعضها كان يكتفي بالرصد والتتبع للوباء أو الكارثة، ويبحث في أسباب النشأة والتطور.

فيما تتبعت بعض تلك الأفلام جهود مقاومة الوباء ومحاولات السيطرة والانتصار عليه أو الإخفاق، والبعض الآخر كان يتحدث عن مرحلة ما بعد الوباء والكارثة، ولعل أشهر أقلام هذه النوعية الفليم الأمريكي "أنا اسطورة" (I Am Legend)، وهو من إنتاج 2007؛ حيث الأرض كلها انتهت ولم يبق غير ناج وحيد يحاول مواجهة الزومبي.

وهناك أفلام أخرى تتبعت دور العسكريين والسياسيين في أوقات الكوارث، وكيف أن دورهم عادة كارثي يزيد من مأساة الحياة، وسنجد أن أشهر أفلام هذه العينة هو الفيلم البريطاني "بعد 28 يوما" (28 Days Later)، وهو من إنتاج 2002، والفيلم الأمريكي البريطاني المشترك "أعشاب بلا نصال"، وهو من إنتاج 1970.

ولم تكتف السينما بذلك، بل تطرقت حتى إلى الصراع بين الناجين والمصابين في أفلام عديدة، خصوصا في الأفلام التي كانت تتناول موضوع الموتى الأحياء.

إذ تناول الفيلم الأمريكي "منذ أن انتهى العالم" (Ever Since the World Ended)، وهو من إنتاج عام 2001، المخاوف التي قد يواجهها من تبقى على قيد الحياة في سان فرانسيسكو، وهم 186 فردا، في ظل فناء العالم من حولهم.

عموما، ونحن في حصار "كورونا"، لابد أن نتساءل: ماذا بعد الأزمة؟، وكيف ستتناول السينما حياتنا بعد اليوم؟، هل سنرى أفلاما تحدثنا عن العيش في ظل الأقنعة؟، وأخرى تحدثنا عن ممنوع اللمس والعلاقات العاطفية في ظل مخاطر اللقاءات العاطفية، وماذا عن جفاف المشاعر هل سيجد طريقه للشاشة ويجد من يعبر عنه؟

المصدر | الخليج الجديد + إمام أبو زهرة