الجمعة 10 أبريل 2020 01:32 م

يثير تسلل فيروس "كورونا" إلى صفوف العاملين في القطاع الطبي المصري، العديد من التساؤلات حول مدى قدرة وكفاءة القطاع في مواجهة الوباء.

وخلال الأيام الماضية، أغلقت السلطات المصرية عددا من المستشفيات والمعاهد والمراكز الطبية، في محافظات مختلفة بأنحاء الجمهورية، بسبب تزايد الإصابات بين صفوف الفرق الطبية.

وتتداول الأوساط الطبية، شهادات بوجود نقص كبير في وسائل التعقيم والأقنعة المضادة لفيروس "كورونا" المستجد (كوفيد-19)، واتهامات للدولة بعدم توفير الاستعدادات اللازمة لمجابهة المرض.

عشرات الإصابات

مع ارتفاع عدد الإصابات بـ"كورونا" داخل البلاد إلى 1700 إصابة، و118 حالة وفاة، تتزايد المخاوف من تفاقم الوضع داخل المستشفيات المصرية، وانهيار المنظومة الصحية، حال تزايد معدل الإصابات.

ووفق ووسائل إعلام محلية، وبيانات رسمية، فقد أصيب 22 من أعضاء الطاقم الطبي في مستشفى الزيتون التخصصي بالقاهرة بفيروس "كورونا"، جراء مخالطة مريضة مصابة، توفت لاحقا، دون أن تخطر إدارة المستشفى طاقم الأطباء والتمريض بأن الحالة المتوفاة كانت مصابة بـ"كورونا".

كذلك جرى الإعلان عن إصابة 30 فردا من الطاقم الطبي والعمال بمستشفى مبرة مصر القديمة، نتيجة مخالطة مريضة مسنة.

ونشرت ممرضة بالمستشفى مقطع فيديو عبر "فيسبوك"، وهي تبكي داخل سيارة الإسعاف أثناء توجهها للحجر الصحي بعد إصابتها بالفيروس.

وزاد من صعوبة الوضع، إعلان مستشفيات جامعتي عين شمس والأزهر، وسط القاهرة، ظهور حالات إصابة بين طواقمهما.

وأغلقت السلطات المصرية، المعهد القومي للأورام، وسط القاهرة، بسبب تفشي فيروس كورونا بين 17 طبيبا وممرضا بالمعهد، وسط تعتيم من قبل إدارة المعهد، ما تسبب في زيادة الإصابات، ولاحقا، تعليق العمل به، وفتح تحقيق حول الواقعة، التي أثارت غضب الشارع المصري.

ويعد المعهد هو الأكبر من نوعه في مصر والشرق الأوسط ، ويخدم سنويا نحو 300 ألف مريض ويعمل به 600 ممرض وممرضة و 750 طبيبا وطبيبة.

وكشف طبيب يدعى "محمد رمضان" في مقطع فيديو، عن ظهور 21 حالة إصابة بين الأطباء والمرضى واختصاصيي الأشعة بمستشفى صدر دكرنس بمحافظة الدقهلية (دلتا النيل).

كذلك أعلن مركز الجراح العالمي "مجدي يعقوب" للقلب، في محافظة أسوان، جنوبي مصر، اكتشاف 4 حالات إصابة بفيروس كورونا ، بينهم مريض و3 من أفراد طاقم الأمن.

والشهر الماضي، فارق الحياة، الطبيب المصري "أحمد اللواح"، أستاذ الباثولوجيا الإكلينيكية بكلية الطب بجامعة الأزهر، بعد التقاطه الفيروس خلال عمله، وتردد حينها أنه لفظ أنفاسه بسبب عدم توفر جهاز تنفس اصطناعي له.

إغلاق المستشفيات

في محاولة لوقف تزايد الإصابات بفيروس "كورونا"، بين العاملين في القطاع الصحي، لجأت الحكومة المصرية إلى سياسة الإغلاق، التي طالت مستشفيات عدة.

وأغلقت السلطات مستشفى "السلام"، بالعاصمة القاهرة، بعدما تم تأكيد وجود إصابتين بكورونا، وقررت تعقيم المستشفى حفاظا على سلامة جميع المعنيين، دون تحديد موعد بعد لإعادة فتح المستشفى.

كذلك أغلقت وزارة الصحة، مستشفى طلبة جامعة الإسكندرية بمنطقة الشاطبي (شمال)، وذلك بعد اكتشاف حالة إيجابية بفيروس "كورونا"، والاشتباه في إصابة 5 آخرين مخالطين لها، مع تحويل المستشفى بالكامل إلى حجر صحي لجميع المرضى والأطباء والتمريض والعاملين لمدة 14 يوما.

وفي الإسكندرية أيضا، تقرر إغلاق مستشفى "طوسون" بعد ثبوت إيجابية تحاليل ممرضة مصابة بالفيروس، وتحويل المستشفى إلى حجر صحي، وغلق معامل "مبرة العصافرة" بعد ثبوت إيجابية تحاليل أحد موظفيه.

وفي محافظة بني سويف (وسط)، صدر قرار بإغلاق مستشفى بني سويف التخصصي لمدة 3 أيام لإجراء عمليات التطهير والتعقيم، بعد ظهور 5 حالات إيجابية بفيروس "كورونا"، منها ممرضتان و3 إداريين.

وفي بدايات الأزمة، طال الغلق مستشفى "الشروق" بالهرم، محافظة الجيزة، بعد إصابة طبيب بفيروس "كورونا". ومستشفى "السلام" بالمهندسين، قرب العاصمة، بعد إصابة اثنين من الفنيين، بعد سحبهم عينة لأحد المرضى المصابين بالفيروس.

وقبل أسابيع، نظمت الممرضات العاملات في مستشفى "الحميات" بإمبابة، قرب العاصمة، والمخصصة لعزل مرضى "كورونا"، وقفة احتجاجية، مستنكرين ضعف وسائل الحماية الموفرة لهن، بعد إصابة واحدة منهن بالفيروس.

نقص حاد

يشكو الأطباء المصريون من عجز كبير في المستلزمات الوقائية والعلاجية، بشكل يضطرهم إلى شراء الأقنعة الواقية على نفقتهم الخاصة، في وقت قدمت فيه مصر نحو مليون ونصف مليون كمامة بالمعايير الأوروبية لإيطاليا.

وجراء تلك المعاناة، لجأ بعض الأطباء إلى مواقع التواصل الاجتماعي لشرح المشاكل التي تواجههم أثناء أداء عملهم، وفي مقدمتها غياب وسائل السلامة كالأقنعة والقفازات الطبية.

ويطالب أطباء بإرسال بعثات للمستشفيات، للتأكد من وجود المعدات الوقائية الكافية، وإجراء فحوصات لكل العاملين في القطاع الطبي، قبل أن ينهار "الجيش الأبيض".

وفي محاولة للرد على تلك الانتقادات، حمل الرئيس "عبدالفتاح السيسي" من أسماهم "الأشرار" المسؤولية عن التشكيك في قدرات الدولة لمواجهة "كورونا"، مبررا إرسال مساعدات لإيطاليا، بالقول:"لما نقدم يد العون لدول شقيقة أو صديقة بنؤكد تضامننا مع الشدة اللي بتعاني منها الدول دي، والدولة جاهزة للتعامل مع جائحة كورونا وجاهزة في الوقت ذاته لتقديم مساعدات للدول المتضررة".

وتأتي الرعاية الصحية في البدان العربية، ومن بينها مصر، في ذيل الترتيب عالميا، حيث تعاني من ضعف كفاءة المنظومة الطبية، وعدم توفر التجهيزات والطرق الحديثة في التشخيص والعلاج، بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية، الصادر العام الماضي.

وتعاني المستشفيات العامة من نقص الاستثمارات الحكومية منذ عقود، مع اللجوء إلى التبرعات لمواجهة احتياجات الرعاية الصحية المتزايدة، وفق "رويترز".

ولم تحصل وزارة الصحة سوى على مليار جنيه (64 مليون دولار) من حزمة بقيمة 100 مليار (6.4 مليار دولار)، خصصتها الحكومة المصرية؛ لمواجهة تداعيات "كورونا".

وخصصت مصر 125 مليار جنيه من ميزانيتها البالغة 1.6 تريليون جنيه خلال السنة المالية 2019-2020 لقطاع الصحة، أغلبها يذهب لبند الأجور والراوتب.

رواتب متدنية

ورغم ذلك، يحصل الأطباء في مصر على رواتب وبدلات عدوى هزيلة تقدر قيمتها بـ19 جنيها مصريا شهريا (1.1 دولار)، ولم تطرأ أي زيادة على بدلات العدوى للأطباء منذ ربع قرن، ورغم حصول الأطباء على حكم من المحكمة بزيادة بدل العدوى إلى 1000 جنيه شهريا (60 دولارا)، لكن الحكومة رفضت تنفيذ الحكم.

وزاد قرار "السيسي"، بزيادة بدل المهن الطبية بنسبة 75%، من غضب الأطباء الذين اعتبروا الزيادة مهينة ومحبطة للآمال، حيث لا تتجاوز 500 جنيه (30 دولارا).

ويتقاضى الأطباء في مصر، رواتب متدنية، تبدأ من 3 آلاف جنيه (نحو 180 دولارا)، وهي لا تقارن بما يحصل عليه القضاة مثلا، أو رجال الشرطة والجيش وهو ما يضطرهم إلى ترك العمل الحكومي، والسفر للخارج، أو العمل في مستشفيات خاصة، أو التركيز على العمل في عياداتهم الخاصة.

ووفق مساعد وزيرة الصحة المصري، "أحمد محيي"، يوجد في مصر 120 ألف طبيب، منهم 60 ألفًا يعملون خارج البلاد، ما يفاقم من أزمة نقص الكوادر البشرية المؤهلة للتعامل مع الوباء العالمي. 

ويدلل على تفاقم الأزمة، لجوء وزارة التعليم العالي بالتنسيق مع وزارة الصحة لتنفيذ مبادرة "خليك مستعد"، وتعمل بموجبها على تأهيل طلاب الامتياز، وتدريب 4500 طالب للتعامل مع الفيروس.

المعطيات المتوافرة على أرض الواقع، تؤكد أن "الجيش الأبيض" في مصر يواجه نقصا في الكوادر، وضعفا في الإمكانيات، وقد يعاني انهيارا، حال تزايد الضغط عليه مع ارتفاع معدلات الإصابة بفيروس "كورونا" بين المصريين.

المصدر | الخليج الجديد