الأربعاء 6 مايو 2020 07:12 م

في اعتراف نادر، أقرّت السعودية مؤخرًا أن قوات الأمن التابعة لها قتلت في 15 أبريل/نيسان عضوًا من قبيلة سعودية رفض مغادرة منزله لصالح مشروع ولي العهد "محمد بن سلمان" المعروف بـ"نيوم" وهو مشروع مدينة ضخمة مستقبلية عالية التقنية على شواطئ البحر الأحمر تبلغ تكلفتها 500 مليار دولار.

اعترض "عبدالرحيم الحويطي" علناً على طرد قبيلته (التي انتشرت عبر جنوب غرب الأردن وسيناء وشمال غرب السعودية) من الأرض التي عاشوا عليها لقرون. ورفضت القبيلة عروض التعويض.

ويتوقع إبعاد ما يصل إلى 20 ألف شخص بالقوة من المنطقة لإفساح المجال لمشروع حلم ولي العهد، وفقًا لصحيفة "وول ستريت جورنال" في عام 2019.

يمكن تصور "نيوم" كمدينة فاخرة أكبر من مدينة نيويورك بحوالي 33 مرة، بمساحة أكثر من 10 آلاف ميل مربع، مع خدمات عبر الروبوت، وتقنية "الهولوغرام" للتعليم، والمطر الاصطناعي، وقمر اصطناعي عملاق.

وتعتبر "نيوم" جزءا من رؤية ولي العهد 2030. واسم NEOM هو مزيج من الكلمة اليونانية "neos"، وتعني "جديد"، والحرف الأول من الكلمة العربية "مستقبل". ومن المقرر الانتهاء منه في عام 2025.

نشر "الحويطي" عددًا من مقاطع الفيديو التي تدين "نيوم" وتتهم الحكومة السعودية بإزاحة السكان قسراً لمشروع غريب عن تاريخ المنطقة وتقاليدها. وانتقد "الحويطي" ممارسات "بن سلمان" وكذلك سلوك علماء سعوديين، ودعا خبراء قانونيين دوليين للفت الانتباه إلى محنة قبيلته.

قال "الحويطي" في أحد مقاطع الفيديو الخاصة به: "لن أتفاجأ إذا جاؤوا لي وقتلوني في منزلي مثلما يفعلون في مصر حيث يرمون أسلحة في منزلك ويصفونك بالإرهابي".

ومن المفارقات أنه ربما يكون قد قدم دليل إعدامه وقتله للحكومة السعودية. في 15 أبريل/نيسان، اقتحمت قوات الأمن السعودية مدينة الخريبة، على بعد حوالي 1400 كم شمال غرب العاصمة الرياض، بالقرب من الحدود الأردنية السعودية الإسرائيلية، وأطلقت النار على "الحويطي".

ادعى النظام السعودي أن "الحويطي" أطلق أعيرة نارية على قوات الأمن السعودية من وراء أكياس الرمل في الجزء العلوي من المبنى، في بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية.

وبحسب البيان، "لم يستجب الحويطي لنداءات الاستسلام، ونتيجة لاستمرار إطلاق النار وإلقاء قنابل المولوتوف، قامت القوات الأمنية بتحييد التهديد". وزعمت كذلك أن "قوات الأمن عثرت على مخبأ للأسلحة، بما في ذلك مسدسات وبنادق آلية وصندوق زجاجات حارقة في الموقع".

وسط موجة من الغضب والتعاطف على وسائل التواصل الاجتماعي بعد وفاته، نشرت الحكومة السعودية الكثير من التغريدات الوهمية على "تويتر" لتشويه "الحويطي" ووصفه بأنه "إرهابي".

في غضون ذلك، قالت "علياء الحويطي" وهي من نفس القبيلة وتعيش في لندن، إنها تلقت تهديدات بالقتل بسبب دورها في زيادة الوعي الدولي بخطة الحكومة السعودية لطرد أفراد قبيلتها لتمهيد الطريق لمدينة القرن 21.

وقالت "علياء" إنها تعتقد أن التهديدات من أنصار "بن سلمان"، وقد أبلغت الشرطة البريطانية بها.

وأوضحت أنه تم تهديدها بمكالمة هاتفية وعلى "تويتر"، مشيرة إلى أن نص التهديد كان كالتالي: "يمكننا أن نصل إليك في لندن.. تعتقدين أنك آمنة هناك ولكنك لست كذلك".

وقالت إنها تعرضت للتهديد بنفس مصير الصحفي السعودي "جمال خاشقجي".

ولم تتم محاسبة العقل المدبر لعملية اغتيال "خاشقجي" والتي خلصت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والمقرر الخاص للأمم المتحدة "أغنيس كالامارد" أنه ولي العهد نفسه إما جنائياً أو سياسياً.

وسعت المملكة إلى إعادة تأهيل صورتها من خلال إنفاق أموال النفط على مبيعات الأسلحة والاستثمارات الدولية.

إن فشل المجتمع الدولي في مساءلة "بن سلمان" ليس مفاجئًا حيث سعت المملكة إلى إعادة تأهيل صورتها السيئة وتخفيف سجلها المروع في مجال حقوق الإنسان من خلال إنفاق عائدات النفط الكبيرة على مبيعات الأسلحة والاستثمارات الدولية المهمة للحكومات الأجنبية.

ويعتبر مشروع "نيوم" مجرد وسيلة لتحويل الانتباه، ولكن مع هذا القتل الأخير "للحويطي"، يبدو أن هذا يأتي بنتائج عكسية.

وبدأ ولي العهد خلال العام الماضي استراتيجية جديدة أطلقت عليها جماعات حقوق الإنسان "غسل العار عبر الرياضة". وفي الوقت الذي تروج فيه مئات حسابات وسائل التواصل الاجتماعي على "انستجرام" و"فيسبوك" لاستحواذ "بن سلمان" الوشيك على فريق "نيوكاسل يونايتد" لكرة القدم في المملكة المتحدة بمبلغ ضخم يصل إلى 300 مليون جنيه إسترليني (حوالي 373 مليون دولار أمريكي).

ووصفت منظمة العفو الدولية ومنظمة "هيومن رايتس ووتش" استخدام السعودية الاستيلاء على النادي كحيلة علاقات عامة لـ"غسل العار عبر الرياضة" في سجل المملكة البائس لحقوق الإنسان.

وحذر "مارك أوين جونز"، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة "حمد بن خليفة" بالدوحة، من أن يكون "الاستحواذ على النادي يهدف لاستغلال مشجعي النادي لتحسين صورة أحد أكبر الطغاة المستبدين في العالم".

وبالفعل، أفادت "ميدل إيست آي" أن "غسيل السمعة عبر الرياضة" كان فعّالاً للغاية في المملكة، فقد دفع عشاق الرياضة البريطانيين إلى المزاح حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

لكن انتهاكات حقوق الإنسان ليست بالشيء الهزلي، وينبغي مساءلة الحكومات والقادة عن هذه الفظائع. ومع ذلك، فإن هذه الانتهاكات فعالة في إرسال الرسائل وردع المعارضة.

في الواقع، ورد أن شيخ القبيلة المزعوم، الشيخ "عليان الزمري الحويطي"، قال بعد وفاة "الحويطي" إنه "لا يمثل القبيلة". على النقيض من ذلك، أكد الشيخ، أن القبيلة موالية لبيت "آل سعود" و "بن سلمان" وتدعم إنشاء مدينة "نيوم" والوظائف التي ستجلبها.

وبالرغم أن مشروع "نيوم" معلق الآن نتيجة لأزمة "كورونا"، فقد تم الإشادة بـ"الحويطي" على وسائل التواصل الاجتماعي ووصفه بأنه "شهيد نيوم". وقد سلطت وفاته الضوء على بعض التوترات حول المشروع.

لا يجب على المجتمع الدولي أن يتجاهل قتل هذا الناشط السعودي، بل يجب أن يحقق في الأمر كآخر حدث في سلسلة من عمليات التخلص من أي شخص يقف في وجه طموحات "بن سلمان".

المصدر | إليزابيث مايرز - انسايد أرابيا- ترجمة وتحرير الخليج الجديد