الثلاثاء 18 أغسطس 2015 08:08 ص

هناك اعتقاد يسود بعض دوائر صنع القرار الغربي والعربي، أن الاتفاق النووي الذي تم توقيعه في فيينا، الشهر الفائت، مع إيران، ورفع العقوبات المتوقع عنها، سوف يقود بالضرورة إلى انفتاحٍ معاكس، وسوف تكون إيران بعده أكثر ليونة، في التعاطي مع ملفات إقليمية تقبض عليها. يذهب محللون إلى أبعد من ذلك، بالقول إن الانفتاح الاقتصادي، والدخول في فلك الرأسمالية المعولمة، سوف يُسرّع بالضرورة من وتيرة الإصلاحات السياسية داخل جسم النظام. 

لو فصَّحنا كلامنا أكثر، وطرحنا السؤال: هل سيؤدي الاتفاق النووي الإيراني الغربي إلى تآكل الإيديولوجية الإيرانية، وتراجع شرعية النظام لصالح نظام ليبرالي ديمقراطي جديد؟ في ظني، ثمة رهانٌ خاطئ، ناجمٌ عن الاعتماد على التحليل الرومانسي، أو على الترمومتر الليبرالي ونظرياته السياسية الرائجة في مراكز دراسة السياسات، والتي ليست بالضرورة قادرة على قراءة الحالة الإيرانية قراءة دقيقة. مختصر هذه الفلسفة أن كل تغيير في البنية الاقتصادية داخل النظام سوف يؤدي، مباشرة، إلى تغييرٍ في البنى السياسية، وأن ثمة طبقة وسطى، ستنمو في حضن الاقتصاد الجديد، تستفيد من مميزاته، وتتمتع بموارده، لن ترتاح، أو تهدأ، إلا بتغيير شكل النظام السياسي الحالي. وبالتالي، سوف تسعى إلى إسقاطه أو لتغييره من الداخل. 

قد يصدق هذا القول على أنظمة طبقت الديمقراطية الليبرالية. لكن، ليس بالضرورة أن تفلح داخل الحالة الإيرانية، لعدة عوامل؛ منها ما هو سياسي، ومنها ما هو اقتصادي اجتماعي. في الشق السياسي، لا يمكن اعتبار النظام الإيراني ديمقراطياً كاملاً، على الرغم من وجود مؤسسات وحياة سياسية نابضة في إيران، وعلى الرغم من أن الرئيس يتم اختياره عن طريق صناديق الاقتراع، فإن نظام ما بعد الثورة حصر السياسة في الأحزاب الإسلامية، المحافظة أو المنفتحة نسبياً، كما حصر اختيار الرئيس في الطائفة الشيعية، وحجّمَ من صلاحياته، حيث وضعه تحت إدارة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، السيد علي خامنئي، المعروف بانغماسه في تفاصيل السياسة اليومية، منذ كان بجانب الخميني، وبحرصه على مراقبة حسن سير النظام، من خلال مستشارين يعملون في مكتبه الذي يضم آلاف الموظفين. 

بناءً على ما تقدم، لا يمكن أن يكون هذا الشكل من الأنظمة منفتحاً انفتاحاً شاملاً. يأخذ إدعاؤنا هذا وجاهة أكبر، إذا ما أضفنا إليه تصريح المرشد في خطبة عيد الفطر المبارك، بعد توقيع الاتفاق مع الغرب، حين قال "سواء تمت المصادقة على النص المُعد أو لا، لن نسمح لأيّ أحد بالمساس بالأصول الأساسية للنظام الإسلامي. ولن يتخلى شعب إيران عن دعم الشعوب المظلومة في فلسطين واليمن والبحرين وشعب سورية وحكومتها وشعب العراق وحكومته والمجاهدين الصادقين في لبنان وفلسطين". نفهم من كلام المرشد أن السياسة الخارجية ستبقى على حالها، ولن تتغير قيد أنملة، ما لم تجبر على ذلك، فهو الذي يرسم حدودها. 

في الشق الاقتصادي، يعتقد بعضهم أن الاقتصاد الإيراني سوف يكون مفتوحاً أمام الجميع على قاعدة "دعه يعمل دعه يمر"، متجاهلين أن هذا الاقتصاد من أكثر الاقتصاديات انغلاقاً، وتُسيطر عليه قوى لصيقة بالنظام، كالبازار، وهو بالمناسبة من الطبقة الوسطى التقليدية في الجمهورية، وحليفٌ أساسي ساهم في إنجاح الثورة الإسلامية، وأن ربع الاقتصاد تقريباً هو في جيب الحرس الثوري الذي يُشرف عليه المرشد مباشرة، وأن الحرس داخل في معظم القطاعات التجارية والصناعية، بدءاً من الطاقة، والتشييد والبناء، وليس انتهاءً بالبنوك، فمعظم الصفقات الكبيرة تكون تحت إشراف مؤسسة "خاتم الأنبياء" للإعمار وتنفيذها، وهي التي تضم تحتها أكثر من 800 شركة تابعة. إلى جانب هذا التأثير الكبير للقوى الراديكالية المهيمنة، يجري تضخيم دور القوى النيوليبرالية داخل مؤسسات النظام، وحجم تأثيرها المتوقع على البنية الاقتصادية، وهو إن حصل، لا يمكن بأي حال أن يُعطي ثماره في المدى المنظور. 

نقول هذا القول، من دون أن نغفل وجود شرائح شبابية متعلمة وطموحة، ممن أعمارهم أقل من 30 سنة، وتصل نسبتهم إلى 60% من نسبة السكان، لا شك أنهم يسعون، كغيرهم، إلى الإصلاح، وكذلك وجود طبقة وسطى حديثة، تشكلت مع تطور التعليم من مهندسين وأطباء وغيرهم، لا تخفي رغبتها في الوصول إلى السلع الاستهلاكية، لكن هذا كله لا يعني حتمية التغيير السياسي؛ لأن هذه الطبقة لا تملك عناصر قوة كافية، خصوصاً، وذاكرتنا لازالت حية بآلية تعامل النظام مع تمرد هؤلاء، وبمشاهد قمع المظاهرات التي خرجت في شوارع طهران 2009، احتجاجاً على نتائج الانتخابات التي نجحت في إعطاء الرئيس السابق، محمود أحمدي نجاد، ولاية ثانية، وهو القريب من مزاج المرشد. 

يبدو أن المسار الذي اختارته الجمهورية الإسلامية، في مواجهة الضغوط والحصار الغربي، يشابه، بقدرٍ كبير، السياسة الروسية والصينية، فعلى الرغم من الانفتاح الصيني على الولايات المتحدة، وتحوّل نمط الاقتصاد من الاشتراكية إلى نمط شبه رأسمالي، وتوسع الطبقة الوسطى، حافظت الصين على نظام حكم الحزب الواحد، حيث لم يساهم التطور الاقتصادي في تغيير البنية السياسية للنظام، بل أضاف النمو الاقتصادي للصين لها عناصر قوة، ما ساعدها على تثبيت سياستها الخارجية في محيطها تجاه تايوان وجزر سبراتلي. روسيا هي الأخرى، على الرغم من كل ما قيل فيها، وحولها، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وما لحقه من تبعات، أدت لتراجع الدور الدولي لموسكو، إلا أنها حافظت على نهجها في التعامل مع الغرب، وعلى ندية علاقاتها مع أميركا، وها هي الآن تستعيد جزءاً لا بأس به من مكانتها لاعباً أساسياً في لعبة الأمم. 

نجحت إيران في تكوين نفوذ حقيقي لها في الوطن العربي، واحتاج هذا النفوذ إلى عقود لكي ينضج، ويصبح صالحاً للاستثمار. اعتمدت الجمهورية الإسلامية، في جزء كبير منه، على الهوية المذهبية للتمدد، وعلى غياب المشروع العربي المقابل، القادر بالمواطنة على احتضان التنوع المذهبي، وبالقومية على حماية سيادة الأراضي العربية. لذا، مقاومة النفوذ الإيراني مصيرها الفشل، إن راهنت على انحسار الأيديولوجية الثورية، أو تغيير يقوم به الإيرانيون الليبراليون، فالمكاسب السياسية لا تحصل بالمقامرة.