الجمعة 15 مايو 2020 04:19 م

جدل كبير أثاره المشروع التمهيدي لتعديل الدستور الجزائري الذي طرحه "عبدالمجيد تبون" على الأحزاب والجمعيات مؤخرا، في ظل احتواء التعديل على عدد من البنود المثيرة وغير المسبوقة.

وتقع مسودة الدستور، التي أعدتها لجنة شكلها "تبون" مطلع العام الجاري، في 56 صفحة، وتتضمن 7 أبواب تنقسم إلى مجموعة فصول، وتضم إجمالا 240 مادة، مثلت خلاصة مشاورة الرئيس الجزائري مع خبراء القانون الدستوري، ومن المقرر أن تخضع لنقاش مجتمعي لتنقيحها قبل أن يتم طرحها في استفتاء شعبي.

وشملت المسودة عدة تعديلات جوهرية؛ على رأسها تحديد مدة الرئيس بولايتين فقط على الأكثر، واستحداث منصب نائب الرئيس، وتحديد مدة عضوية البرلمان لفترتين فقط أيضا، وإسناد رئاسة المجلس الأعلى للقضاء إلى الرئيس الأول للمحكمة العليا، نيابة عن رئيس الجمهورية، بدلا من وزير العدل، واستبعاد وزير العدل نهائيا من تشكيل المجلس.

غير أن مقترحا طُرح لأول مرة ولاقى الجانب الأكبر من الجدل في نقاشات الأحزاب والسياسيين، وهو بند يفتح الباب أمام إرسال وحدات عسكرية إلى الخارج بعد موافقة البرلمان الجزائري، وفقا لماء جاء في المادة 31 من المسودة.

ونصت المادة على أنه "يمكن للجزائر في إطار الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، وفي ظل الامتثال التام لمبادئها وأهدافها، أن تشارك في عمليات حفظ واستعادة السلام".

كما نصت المادة 91 على أن رئيس الجمهورية الذي يتولى مسؤولية الدفاع الوطني "يقرر إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج بعد مصادقة البرلمان بأغلبية الثلثين من أعضائه".

وأثارت المسودة جدلا واسعا بين فريقين، أحدهما اعتبر التعديل "تغييرا في العقيدة العسكرية للجيش الجزائري"، وآخر رآه استجابة للتحديات الأمنية الجديدة.

تحد إقليمي

من جانبه، اعتبر الخبير الدستوري "رشيد لوراري" أن اقتراح إرسال الجيش إلى خارج الحدود يعد تغييرا جوهريا في العقيدة العسكرية للجيش الجزائري لكنه لا يعني خوض الحروب بالضرورة، مشيرا إلى أن الظروف الإقليمية باتت تفرض ذلك، خاصة في ظل واقع الحرب الدائرة في ليبيا (شرق) وعمليات مكافحة الإرهاب في مالي (جنوب)، وفقا لما نقلته "أمواج" القناة الإذاعية الأولى بالجزائر.

ويشير الخبير الأمني، العقيد المتقاعد "بن عمر بن جانة"، في السياق ذاته، إلى تضرر المصالح الاستراتيجية والعمق الأمني للجزائر بمحيطها الإقليمي، خاصة مع زيادة التهديد من المجموعات المسلحة في منطقة الساحل، وإنشاء قواعد عسكرية لدول إقليمية وغربية في مالي والنيجر بما يهدد عمق البلاد الأمني.

ولفت إلى أن هذا التعديل الدستوري من شأنه أن "يغير موازين القوى في المنطقة من جهة، وأن يزيد من ثقل الحضور الجزائري في  الدول التي تعيش توترات ونزاعات في محيطها من جهة أخرى"، وفقا لما أوردته صحيفة "الشروق" الجزائرية.

ولم تكن فكرة إجراء هذا التعديل من بنات أفكار الرئيس "تبون"، حيث سبق أن جرى طرح الفكرة في عام 2018 من قبل "أحمد قايد صالح"، رئيس أركان الجيش الجزائري ونائب وزير الدفاع آنذاك، مشيرا إلى أن تشريعات العقيدة العسكرية "تتم مراجعتها كلما تطلب الأمر ذلك لتتكيف مع المعطيات الجيوسياسية المتغيرة"، وفقا لما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية.

ويرى مراقبون أن التعديل المقترح يفتح الباب للجيش الجزائري للانخراط بشكل أكبر في الصراع الليبي على وجه الخصوص، خاصة وأن الجزائر باتت تنظر إلى الحملة العسكرية التي يقودها الجنرال "خليفة حفتر" للاستيلاء على البلاد باتت تمثل تهديدا للأمن القومي الجزائري، خاصة وأن الجنرال يحظى بدعم من قبل القاهرة وأبوظبي وهي قوة منافسة تسعى لتعزيز حضورها في المحيط الجزائري، وهو ما يثير حفيظة القادة الجزائريين.

تحريك مقيد

وفي المقابل، يرى الخبير الأمني، اللواء المتقاعد "أحمد عظيمي" أن استنتاج تغيير العقيدة العسكرية للجيش من مجرد تعديل في مسودة الدستور الجزائري ينطوي على مغالطة، باعتبار أنه لا توجد في الحقيقة عقيدة تمنع الجيش الجزائري من ممارسة النشاط خارج الحدود، مستشهدا بمشاركة الجيش في حربين بالشرق الأوسط ضد (إسرائيل) عامي 1967 و1973، في إطار معاهدة الدفاع العربي المشترك.

لكن الجزائر لم تنخرط عسكريا خارج حدودها منذ ذلك الوقت. وفي هذا الإطار، رفضت البلاد إرسال قوات عام 2012 لمشاركة القوات الفرنسية في الحرب على "الإرهاب" في مالي والنيجر، ورفضت دعوة سعودية في 2016 للمشاركة في القوة العربية التي تشن الحرب ضد الحوثيين في اليمن.

وفي المقابل، يخشى البعض أن تقنين مشاركة القوات المسلحة الجزائرية خارج الحدود ربما يفتح الباب للمغامرة بالقوات المسلحة في "حروب الوكالة" نيابة عن القوى الكبرى، وهو ما كاد يحدث قبل 10 سنوات في مالي بإيعاز من فرنسا وبترحيب من بعض مراكز القوى في نظام الرئيس السابق "عبدالعزيز بوتفليقة".

ولذا يشدد "عظيمي" على أهمية القيد المفروض حول إرسال الجيش خارج الحدود وفق مسودة الدستور، إذ يتطلب الأمر موافقة البرلمان، ولا يمكن فعله بقرار محض من رئيس الجمهورية، كما كان الحال في السابق.

ووفق هذا الضمان، يرى الكاتب والإعلامي الجزائري "حفصي أحمد" أن التعديل الوارد بمسودة الدستور يتماشى والمتغيرات الحاصلة ويفتح المجال للجزائر بأن تكون حلقة أساسية في صناعة القرار إقليميا ودوليا، وفقا لما أورده بحسابه على "تويتر".

 

 

المصدر | الخليج الجديد