الجمعة 15 مايو 2020 04:03 م

محور الملك سلمان: هندسة الخراب العربي!

«محور الملك سلمان» رمز عظيم لهندسة الخراب العربي التي يشرف عليها الحكام وتسخر منها الشعوب.

تقليد سلطويّ تصبح فيه قرارات الرئيس والملك وولي العهد الكارثيّة مشاريع أهم من المواطنين أنفسهم.

كلّما ثبت فشل هذه المشاريع «القوميّة» وإضرارها بمصالح الشعوب ازداد المسؤولون تمسكا بها ودفاعا عنها وزاد عنفهم ضد معارضيها.

*     *     *

امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي في مصر والعالم العربي بالتعليقات المستغربة بعد نشر الصور الخاصة بأحد جسور محافظة الجيزة، في منطقة العمرانية، بشارع الهرم الشهير، جنوب العاصمة القاهرة، والذي أخذ شكلا لأغرب جسر في العالم.

فقد أظهرت صور الجسر الجديد، الذي هو جزء من «محور الملك سلمان»، شبه ملتصق بالعمارات السكنية المجاورة له بحيث أغلق على سكان تلك البنايات «بلكونات» وشرفات شققهم.

يشكّل المشروع المذكور مثالا بليغا عن طريقة اشتغال النظام المصري (والنظم العربية عموما)، فبعد ضخ دعاية حكومية على مدى أعوام حول المشروع العظيم لمد «ترعة الزمر» المارة بمناطق بولاق الدكرور وشارع الهرم والعمرانية، من دون إشارة إلى إمكان تحقق هذا المشروع، تسارع العمل فجأة، بفعل قرار من الأعلى، وتراكض المقاولون والمهندسون والعمال لإنجاز هذا القرار.

وهو ما أدى، بطبيعة الحال، إلى نشوء فوضى هائلة فانقطعت المياه عن محيط شارع الهرم بسبب الكسور الناجمة عن مشروع المحور، ثم تعطل خط تلقي شكاوى المياه والصرف، ولم تستطع شركة المياه حل المشاكل الناجمة.

امتدت المشاكل، حسب بيان لأحد أعضاء مجلس النواب إلى مخالفة اشتراطات السلامة العامة للمباني، والتعدي على حرمات الطريق والمساكن، فقد تم إنشاء الجسر بشكل يؤثر على الطريق أسفله، و«تعدى على حرمة المساكن، وعرضها وساكنيها للخطر بلصق جسد الكوبري بالعقارات المحيطة به».

أثار المشروع سخرية وغضب المصريين، فاعتبره البعض «أغبى التصاميم الهندسية في العالم»، وانتبه كثيرون إلى الدلالات الكامنة في تسمية المشروع على اسم الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، وربط البعض بين الكوارث التي تعيشها مصر في ظل الرئيس عبد الفتاح السيسي، بالكوارث التي تعيشها المملكة العربية السعودية، في ظل حكم الملك وولي عهده محمد بن سلمان، بحيث شكّل «محور الملك سلمان»، شكلا من «وحدة الحال» العربيّة، التي تعتبر مثالا للفوضى التخطيطية والإسراف والتبذير والهدر.

رد فعل السلطات المصريّة على صرخات المتضررين من مواطنيها تمثّل بمزيد من الغطرسة والكذب والاستعلاء، فقد علّق وزير النقل المصري كامل الوزير، والذي شهد عهده كوارث فظيعة، بالقول إن المحور «مهم»، مطالبا المتضررين من الجسر بإخلاء وحداتهم السكنية، مدعيا أن لجنة من كبار المستشارين وشركات التخطيط «لم يجدوا حلا أحسن من إنشاء الكوبري بهذا الشكل».

وبعد ادعاء السلطات و«الذباب الالكتروني» التابع لها أن من يخرج من شقته «سيعوّض بغيرها»، أظهرت أشرطة فيديو نشرها مصريون على مواقع التواصل كذب السلطات التي تحاول إخراج المصريين من بيوتهم دون تعويضهم، وكان وزير النقل واضحا في الموضوع باعتباره العمارات الملاصقة للجسر «مخالفة».

وبالتالي فإن السكان الذين سيخرجون من شققهم ويتم هدم منازلهم سيخرجون في الحقيقة بطريقة «البلطجة» السلطوية المعروفة، وليست وعود التعويض سوى أكاذيب.

يشكّل «محور الملك سلمان» المذكور صورة مصغّرة عن طريقة إدارة السياسة في النظم العربية، فعدم اهتمام الوزير، على حد قوله، «بعمارة ولا اثنين ولا ثلاثة» لأن هذا «مشروع قومي»، هو تقليد سلطويّ تصبح فيه قرارات الرئيس والملك وولي العهد الكارثيّة، مشاريع أهم من المواطنين أنفسهم، وكلّما ثبت فشل هذه المشاريع «القوميّة» وإضرارها بمصالح الشعوب، كلّما ازداد المسؤولون تمسكا بها ودفاعا عنها، وزاد عنفهم ضد منتقديها أو معارضيها.

«محور الملك سلمان»، بهذا المعنى، هو رمز عظيم لهندسة الخراب العربي التي يشرف عليها الحكام وتسخر منها الشعوب.

المصدر | القدس العربي