تباينت تقديرات مراقبي الشأن الفلسطيني إزاء إعلان رئيس السلطة "محمود عباس"، مساء الثلاثاء 19 مايو/أيار، الانسحاب من كافة الاتفاقيات الموقعة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، تزامنا مع ولادة حكومة الثنائي الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو - بيني غانتس"، التي نقلت خطط ضم أجزاء من الضفة الغربية من مجرد قرارات وخرائط إلى مشاريع تنفيذية نالت مصادقة أكثرية برلمانية في الكنيست.

ويشمل مشروع ضم الأراضي التي احتلتها (إسرائيل) عام 1967 أكثر من 30% من مساحة الضفة، ما ينسف فكرة "حل الدولتين" التي شكلت أساسا لاتفاقات السلطة و(إسرائيل) على مدى العقود الماضية.

وفي هذا الإطار، جاءت إشارة "نتنياهو" أثناء تنصيب الحكومة الإسرائيلية الجديدة أمام الكنيست إلى أن "الوقت حان لكتابة فصل عظيم آخر في سجلات الصهيونية"، بعدما حدد الأول من يوليو/تموز المقبل موعدا لبداية المناقشات الحكومية بشأن تلك القضية الساخنة.

التنسيق الأمني

ويعني قرار الانسحاب، الذي أعلنه رئيس السلطة الفلسطينية "عباس"، وقف كل التفاهمات والاتفاقيات مع (إسرائيل)، خاصة أوسلو، التي تأسست بناء عليها السلطة الفلسطينية، وعليه فقد أصدر "عباس" تعليمات لقادة الأجهزة الأمنية بوقف فوري للتنسيق مع دولة الاحتلال، وتوجيه اثنين من المسؤولين عن هذا التنسيق، وهما "حسين الشيخ"، عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، و"ماجد فرج"، رئيس المخابرات، بوقف الاتصال مع تل أبيب، وفقا لما أوردته قناة "كان" الإسرائيلية الرسمية.

وفي 13 سبتمبر/أيلول 1993 وقع "عباس" بصفته أمينا لسر منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق سلام في البيت الأبيض مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، نص على إقامة سلطة حكم ذاتي انتقالي (السلطة الفلسطينية)، لفترة انتقالية لا تتجاوز 5 سنوات، ما شكل غطاء لعدة اتفاقيات لاحقة بين الطرفين، منها ما يتعلق بالمياه والكهرباء والنواحي الاقتصادية، وإجراء انتخابات لاختيار رئيس للسلطة الفلسطينية ومجلس تشريعي فلسطيني، إضافة إلى التنسيق الأمني.

ويعتبر هذا التنسيق الأمني أهم عناصر اتفاقية "أوسلو"، خاصة أن نحو نصف مليون مستوطن إسرائيلي يعيشون في المستوطنات المنتشرة بالضفة الغربية.

وإزاء ذلك، سيتعين على (إسرائيل)، بعد إعلان "عباس"، أن تتحمل جميع المسؤوليات والالتزامات أمام المجتمع الدولي كـ"قوة احتلال" في أرض فلسطين، بكل ما يترتب على ذلك من آثار وتبعات وتداعيات من شأنها التأسيس لمرحلة جديدة من المواجهة الفلسطينية مع الاحتلال، حسبما أكد المجلس الوطني الفلسطيني، في بيان، داعيا إلى الوقوف خلف "عباس" في قراراته الأخيرة ومساندته في تنفيذها.

ويعتبر المجلس أن الانسحاب من الاتفاقيات الموقعة مع (إسرائيل) يعني التحول الفلسطيني "من مرحلة السلطة إلى مرحلة الدولة"، مشددا على أن تنفيذ ذلك على الأرض يتطلب من الجميع التحلي بالمسؤولية الوطنية، والإعلان عن إنهاء الانقسام، وفقا لما أوردته وكالة "وفا" الفلسطينية.

الجنائية الدولية

ووفق هكذا تصور، فإن إعلان "عباس" ربما يفتح باب اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية إذا ما مضت دولة الاحتلال قدما في ضم أراضي الضفة الغربية، حسبما يتوقع خبير العلاقات الدولية "إيتان جيلبوا" في مقال بصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية.

وإذا وافقت لجنة قضاة المحكمة على تحقيق تقوده المدعي العام "فاتو بنسودا"، فقد يؤدي ذلك إلى استدعاء "نتنياهو" والحكومة ومسؤولي الجيش الإسرائيلي وكبار البيروقراطيين للتحقيق تحت الإنذار، وإذا رفضوا الأمر، فستكون المحكمة قادرة - نظريا - على تحرير مذكرات اعتقال بحقهم.

في هذا الإطار، جاءت تحذيرات وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو"، خلال زيارته لـ(إسرائيل) الأسبوع الماضي من السماح لـ"بنسودة" بإجراء تحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، زاعما أن ذلك يثبت أن المحكمة "هيئة سياسية، وليست مؤسسة قضائية".

ولكن، أمام الانحياز المتوقع من إدارة الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" لصالح (إسرائيل)، وقرارات الإدارة المناهضة للفلسطينيين والتي شملت الاعتراف بالقدس كعاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وقطع التمويل عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وطرح المسودة المثيرة للجدل لصفقة القرن، فإن الولايات المتحدة من غير المرجح أن تسمح بوصول الفلسطينيين إلى المحكمة الجنائية الدولية، وسوف يتطلب الأمر من الفلسطينيين حشد دعم دولي غير مسبوق إذا أرادوا تجاوز التعنت الأمريكي.

ليس جديدا

لكن ثمة تقديرات معاكسة تشير إلى أن تلويح "عباس" بوقف الاتفاقيات مع الجانب الإسرائيلي ليس جديدا، حيث اتخذ المجلس المركزي الفلسطيني على مدار السنتين الماضيتين أكثر من قرار حول الأمر وشكل لجانا لتنفيذ هذا القرار، دون تفعيل على الأرض، بما يعني أن إعلانه الأخير هو مجرد "ضربة إعلامية" ليس أكثر.

وقد انعكس هذا التفاوت في وجهات النظر بشأن إعلان "عباس" على تغطية وسائل الإعلام الإسرائيلية للأمر، حيث عبر بعضها عن تخوف من تداعيات انسحاب السلطة من اتفاقاتها مع (إسرائيل)، فيما أكدت تغطيات أخرى أن "عباس" لا يملك التخلي عن التنسيق الأمني مع تل أبيب.

الموقف الأول تبنته القناة الثانية عشرة العبرية، التي وصفت إعلان "عباس" بأنه "قنبلة أسقطها في رام الله"، معتبرةً أنه كان يحمل رسائل واضحة عن إمكانية تفجير الأوضاع في الضفة الغربية حال أقدمت (إسرائيل) فعليا على الضم.

أما الموقف الثاني فعبر عنه موقع "والا" العبري، مستبعدا أن يحدث أي تغير على التنسيق الأمني، مؤكدا -نقلا عن مسؤولين بدولة الاحتلال- على أنه لم يطرأ أي تغيير على هذا التنسيق عقب إعلان "عباس" قرار التخلي عن الاتفاقات مع (إسرائيل).

ولذا يرى المحلل الاستراتيجي "هاني المصري"، في تقدير نشره عبر "فيسبوك"، أن فيصل الحديث عن تداعيات الانسحاب الفلسطيني من الاتفاقات مع (إسرائيل) هو "مصير السلطة الفلسطينية وتغيير شكلها ووظائفها"، مضيفا: "إذا لم نشهد إجراءات جديدة، فهذا يعني عدم مغادرة مربع الانتظار والمراوحة في نفس المكان".

ولا يعني تغييرا نوعيا بمصير السلطة الفلسطينية إلغاء وجودها بموجب إلغاء "أوسلو"، حسبما يرى المحلل السياسي "غسان الخطيب"؛ "لأن هناك وقائع نشأت على الأرض، ولا يمكن إعادتها إلى الوراء، ولكن يمكن إعادة تعريفها، وتعريف طبيعة وظائفها وعلاقتها مع (إسرائيل)"، حسب رأيه.

المصدر | الخليج الجديد