الخميس 21 مايو 2020 11:47 م

مع بدء العد التنازلي لملء سد النهضة الإثيوبي، يوليو/تموز المقبل، تتسلط الأضواء حول قدرات أديس أبابا العسكرية لتأمين السد المتنازع عليه مع مصر.

وتزعم الحكومة الإثيوبية، أن الملء الأول للسد، بالتزامن مع بدء فيضان النيل الأزرق، لن يسبب أي ضرر لدولتي المصب (مصر والسودان).

وتقول الخارجية الإثيوبية، إنها ستمضي قدما في تخزين 4.9 مليار متر مكعب من المياه، دون أن تنتظر مواقفة القاهرة أو الخرطوم.

وإلى جانب تحركاتها السياسية والدبلوماسية للإفلات من أية التزامات دولية تجاه مصر، تتحرك إثيوبيا على جانب آخر يتعلق بتعزيز قدراتها العسكرية الرامية إلى تأمين السد وحمايته من أية أخطار خارجية.

وكان رئيس هيئة أركان الجيش الإثيوبي، الجنرال "آدم محمد"، قد تفقد موقع السد، مارس/آذار الماضي، مؤكدا استعداد قواته لمواجهة أي "عدوان" على سد النهضة.

تأمين السد

وتتكتم حكومة رئيس الوزراء "آبي أحمد" على طبيعة تدابيرها الاحترازية لتأمين السد، لكن التحركات العسكرية في محيط المنطقة، تحمل مستوى عال من التأهب والجهوزية.

ووفق تسريبات من حزب "جبهة تحرير تيغراي"، المنافس الأبرز لحزب "آبي أحمد"، فإن الجيش الإثيوبي سينهي الشهر المقبل، تنفيذ خطة تقضي بنشر منظومات دفاع جوي متطورة حول السد.

وتعتمد الخطة، على تأمين السد بمنظومتين للدفاع الجوي، الأولى قريبة منه، والثانية على بعد استراتيجي، بولاية بني شنقول التي يقع فيها السد، بحسب "العربي الجديد".

ويؤمن السد الإثيوبي، نظام الدفاع الجوي الروسي "بانتسير ـ إس 1"، الذي يتمتع بالقدرة على ضرب هدفين في وقت واحد، والتصدي لـ12 هدفاً في الدقيقة، بمدى يصل إلى 20 كيلومترا.

ويعتمد النظام الروسي "بانتسير ـ إس 1"، على رادار تتبعٍ مزدوج النطاق الموجي، بمدى يصل إلى 36 كيلومترا، ونطاق تتبع يتراوح من 24 إلى 28 كيلومترا لهدف متوسط الحجم.

ووفق وسائل إعلام روسية، فإن المنظومة الروسية جرى إمداد إثيوبيا بها على مرحلتين، وتمت تجربتها مطلع العام الجاري، وهي تستطيع اكتشاف مختلف الأهداف بما فيها الأهداف الصغيرة الحجم، وتعزيز الحماية النارية على الارتفاعات المنخفضة.

منظومة إسرائيلية

يمتلك الجيش الإثيوبي أيضا، منظومة دفاع جوي إسرائيلية، من طراز "سبايدر-إم آر"، المضادة للطائرات، وهي تستطيع إطلاق 4 صواريخ مرة واحدة، وتراقب عبر ردارها المتطور أكثر من 60 هدفًا في وقت واحد.

وتطلق المنظومة الإسرائيلية نوعين مختلفين من الصواريخ، وهما "البيتون 5"، الذي يبلغ مداه 5 كم، وصواريخ "ديربي" الذي يبلغ مداها 50 كم.

وعلى الرغم من النفي الإسرائيلي الرسمي لإتمام تلك الصفقة مع الجانب الإثيوبي، كشفت مواقع إسرائيلية العام الماضي، عن إنهاء ثلاث طواقم من الخبراء في مجالات الأمن والصناعات الدفاعية تركيب منظومة "Spyder-MR" حول سد النهضة.

وتقوم 3 شركات إسرائيلية على تصنيع وتركيب المنظومة، هي شركة "رفائيل"، وقسم الصواريخ في مؤسسة صناعات الفضاء الاسرائيلية "MBT"، وشركة "ELTA".

وتتمتع المنظومة بميزة نسبية، حيث يسهل تشغيلها ووضعها على مركبات شديدة السرعة ويمكنها الانتشار فوريا من نقطة إلى أخرى، كما أن تشغيلها يحتاج فقط إلى 5 دقائق، وبعد تشغليها تحتاج 5 ثوانٍ فقط لإطلاق أول صاروخ.

دول داعمة

وبالنظر إلى مصادر السلاح الإثيوبي، فإن أديس أبابا تحتفظ بعلاقات جيدة مع كل من موسكو وتل أبيب، والأخيرة قد يكون لها مصالح مستقبلا في توصيل مياه النيل إليها.

بخلاف ذلك، تشارك من عدة دول غربية وآسيوية في بناء سد النهضة ، وبالتالي فإن مصالح تلك الدول مرتبطة بالمشروع الإثيوبي.

وتعد الصين المساهم الأكبر والرئيسي في بناء السد الذي تكلف 5 مليارات دولار، إضافة إلى شركات عملاقة من إيطاليا وفرنسا وألمانيا.

وتتضمن قائمة الشركات العاملة في السد، كلا من شركة "ساليني إمبريجيلو" الإيطالية التي تتولى دور المقاول الرئيسي، وشركة "ألستوم" الفرنسية المختصة بأعمال التوربينات والمولدات والمعدات الكهروميكانيكية.

كذلك هناك مجموعة الهندسة الميكانيكية الألمانية "فويث"، ومجموعة "غيزهوبا" الصينية المحدودة للإنشاءات والمقاولات، وشركة "فويث هايدرو شانغهاي" الصينية.

ووراء الكواليس، تبرز الإمارات كأبرز الداعمين للجانب الإثيوبي، بسلة استثمارات بقيمة ملياري دولار تقريبا، مقابل الحصول على أراضٍ زراعية لتنفيذ مشروع زراعي ضخم على الحدود السودانية الإثيوبية.

وتعول دول أفريقية مجاورة لإثيوبيا على السد في تزويدها بالكهرباء، بأسعار مخفضة، ولذا فهي تساند أديس أبابا، أو على الأقل لا تبدي معارضة للمشروع.

ميزان القوى

ومع استمرار فشل المفاوضات حول السد بسبب تعنت إثيوبيا، ولجوء مصر مؤخرا إلى مجلس الأمن كورقة سلمية أخيرة، تثار تكهنات أن القاهرة ربما لن يكون أمامها بديل سوى القيام بعمل عسكري لحماية أمنها المائي وحقوقها التاريخية.

وتتمتع القاهرة بأفضلية واضحة على أديس أبابا في ميزان القوى العسكري، لكن اكتمال بناء السد، وقرب تشغيله، ربما يغير من ميزان القوى والحسابات على النيل.

ويعني لجوء مصر مؤخرا إلى تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي، أن القاهرة لا تحبذ الخيار العسكري، أو أنها تدرك جيدا أن وقته قد فات، وأن أملها فقط ينحصر في ضغط دولي على أديس أبابا يؤمن لها 40 مليار متر مكعب، من حصتها السنوية من مياه النيل، البالغة 55 مليار متر مكعب.

ووفق خبير القانون الدولي، "أحمد المفتي"، عضو لجنة مفاوضات حوض النيل سابقا، فإن إثيوبيا ربما تكون حققت كل مطالبها عنوة واقتدارا، واصفا ما يحدث الآن بـ"التفاوض الصفري"، الذي يعني أن يكسب طرف واحد، ويخسر الآخرون.

ويرى "المفتي" في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن الأمر الآن يعتمد علي رد فعل مجلس الأمن، وعلى رد فعل إثيوبيا عليه.

وفي مارس/آذار الماضي، أكد قائد القوات الجوية الإثيوبية، العميد "يلما مورديسا"، أن القطاع الجوي للجيش جاهز لإحباط أي هجمات جوية تستهدف منطقة السد، في إشارة إلى حالة التأهب الجوي الإثيوبي لتأمين السد.

وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تحدث رئيس الوزراء الإثيوبي، بلهجة حادة، مشددا على أنه لا توجد قوة يمكن أن تمنع إثيوبيا من بناء سد النهضة.

وزاد "آبي أحمد"، بالتهديد بحشد مليون شخص للدفاع عن السد، قائلا: "ليس هناك خيار آخر. الحرب لا يمكن أن تكون حلا. إذا لزم الأمر، يمكن لإثيوبيا حشد مليون شخص".

وبالنظر إلى تداعيات جائحة "كورونا" التي ضربت العالم، وتضررت مصر بشدة من آثارها الاقتصادية، فإن خيار الحرب سيكون مكلفا لدولة تعيش على القروض (أكثر من 112 مليار دولار حجم الدين الخارجي).

على المستوى الميداني، يبدو أن مصر صارت تفتقد عنصر المفاجأة في أي تحرك عسكري ضد إثيوبيا، التي رفعت جهوزيتها القتالية، وكفاءة دفاعها الجوي؛ لتأمين السد، لتلقي بالكرة في ملعب القاهرة التي عليها اليوم أن تقرر إذا ما كان بإمكانها تحمل التكاليف السياسية والاقتصادية والعسكرية لشن عمل عسكري يحفظ لها حقوقها التاريخية، في الوقت الذي يواجه النظام المصري أزمة اقتصادية غير مسبوقة وتداعيات وباء عالمي.

المصدر | الخليج الجديد