"من أين لك هذا؟".. كان هذا السؤال محور حملة إعلامية سعودية إماراتية استهدفت شخص زعيم حركة النهضة التونسية "راشد الغنوشي"، وصلت إلى درجة اتهامه بالفساد والثراء غير المشروع وعيش حياة باذخة دون وجود أنشطة مهنية واقتصادية فعلية له في تونس، وانتمائه لعائلة متواضعة تعمل في مجال الزراعة.

وجاءت الاتهامات التي روجتها وسائل الإعلام الخليجية رغم تقدميم "الغنوشي" إقرارات وكشوفات لكل ممتلماته، تحققت منها الدولة التونسية.

ووصلت المزاعم في بعض وسائل الإعلام المروجة للحملة إلى حد ادعاء أن ثروة "الغنوشي" تبلغ 8 مليارات دولار أمريكي، رغم أن موازنة تونس بأكملها لا تزيد على 16.5 مليار دولار.

وتم إطلاق الحملة بالأساس من قبل الناشط السياسي التونسي "أنيس منصوري"، الذي خرج على قناة العربية (سعودية تبث من دبي) مؤكدا تزعمه لمبادرة تطالب بالتحقيق في مصادر ثروة "الغنوشي"، زاعما أن الآلاف أقبلوا على التوقيع عليها، من بينهم شخصيات منشقة عن حركة النهضة ووعلماء اجتماع وعدد من الفنانين والإعلاميين.

وتضمنت الحملة، التي سايرتها وسائل إعلام محلية في تونس، رسالتان أساسيتان، الأولى هو أن الثورات وإن نجحت، فإنها لا تُنتج أنظمة نظيفة، والثانية هي أن رئيس مجلس النواب التونسي هو شخص "مرتبط بالإرهاب" و"متخابر مع جهات أجنبية" في تكرار لتهم سبق توجيهها إلى أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر (محمد مرسي) بعد الانقلاب العسكري عليه في 3 يوليو/تموز 2013، ما أثار مخاوف لدى عديد المراقبين من محاولة تكرار سيناريو الانقلاب في بلاد ثورة الياسمين.

أجواء مصرية

ويعزز من هذه المخاوف أن الأجواء الإعلامية الرائجة في تونس حاليا تشابه تلك التي سادت مصر في 30 يونيو/حزيران 2013، قبل أيام من الانقلاب على "مرسي"، وأن الحملة ضد "الغنوشي" جاءت بعد أيام من تصريحات للرئيس التونسي "قيس سعيد"، وجه فيها اتهامات لأعضاء البرلمان، وطالب بالتفريق بين ما سماه "الشرعية" و"المشروعية"، ولوح بنزع الأولى عن من انتخبهم الشعب قائلا: "الشعب قادر على سحب الوكالة ممّن خان الأمانة والوكالة".

وجاء خطاب "سعيد" في ظل أجواء متوترة تشوب علاقات الرئاسة التونسية بالبرلمان، وفي ظل تصاعد دعوات مجموعات أطلقت على نفسها اسم "أنصار الرئيس" للخروج إلى الشارع، في مطلع يونيو/حزيران المقبل، في تظاهرات أُطلق عليها "ثورة الجياع"، تضع على رأس أهدافها "حل البرلمان"، وإجراء انتخابات مبكرة وتشكيل المحكمة الدستورية.

وإزاء ذلك، بدأ "الغنوشي"، في المقابل، إجراءات رسمية لرفع دعاوى قضائية ضد وسائل الإعلام المتورطة في نشر أكاذيب حول ثروته وعائلته، فيما سارعت حركة النهضة إلى استنكار الحملة ضد رئيسها في بيان عبرت فيه عن أسفها لـ "محاولات بث الفتنة باستخدام مواقع مشبوهة وأقلام مأجورة، وأيضا عبر فضائيات وشبكات إعلامية أجنبية معروفة بعدائها للتجربة الديمقراطية التونسية".

ويشير توقيت الحملة التي تزامنت تقريبا مع رسالة تهنئة وجهها "الغنوشي" إلى رئيس حكومة الوفاق الليبية "فايز السراج" بعد سيطرة قواته على قاعدة الوطية الجوية، قرب الحدود التونسية غربي البلاد، إلى وجود دوافع سياسية وراء شيطنة صورة رئيس حركة "النهضة".

من ناحية، يبدو أن القوى المحسوبة على النظام التونسي السابق ووسائل الإعلام الممولة إماراتيا وسعوديا تعبر عن استياء مموليها تجاه تهنئة "الغنوشي" لـ "السراج"، لذا فإنها ركزت في جملتها على مزاعم تجاوز رئيس مجلس النواب التونسي لصلاحياته وتعديه على صلاحيات رئيس الدولة، المفوض دستوريا بقضايا الشأن الخارجي، والذي حرص على إظهار الحياد من الأزمة الليبية وعدم الانحياز إلى أي من الطرفين.

وفي هذا الإطار، طالب بعض نواب المحسوبين على قوى ما بات يعرف داخل تونس باسم "الثورة المضادة" بمساءلة "الغنوشي" وإلزامه باحترام الدستور والكف عن الممارسات التي زادت من تعميق الأزمة بين رئاسة الجمهورية والمجلس التشريعي، بل وطالب بعضهم بسحب الثقة منه وإقصائه عن رئاسة البرلمان.

هواجس الموجة الثانية

وفي هذا السياق، يشير الكاتب الصحفي "محمد عياش"، إلى أنه مع التفوق الواضح الذي حققته حكومة الوفاق الليبية في المعارك مؤخرا، والذي يعني ضمنيا تغليب كفة القوى الثورية المناهضة للثورة المضادة في البلاد، تتزايد مخاوف السعودية والإمارات من أن تلهم هذه الانتصارات موجة جديدة من التحركات الشعبية التي تبغضها الدولتان الخليجيتان.

وعليه، يبدو أن محور الثورة المضادة يسعى لتعويض خسائره في ليبيا بحملة تشويه لتونس وثورتها، واستهداف لحركة النهضة ورموزها، في رسالة مفادها أنه "حتى لو نجحت ثورات التحرر فإنها تنتج فاسدين أيضاً لذلك لا تثوروا ولا تقاوموا أي ظلم"، حسبما يرى "عياش"، خاصة أن القوى ذاتها سبق أن استهدفت التجربة التونسية باعتبارها "النموذج الثوري الأنجح في العالم العربي، والذي استطاع أن يضمن مشاركة الجميع في الحكم والعمل السياسي، وتحقيق تحول ديمقراطي لا مثيل له في العالم العربي منذ عقود".

كما أن نجاح أي محاولة انقلاب أو ارتداد ديمقراطي في تونس من شأنه أن يضع ليبيا الجديدة (بعد النجاح الميداني المتوقع لحكومة الوفاق) أمام حالة "حصار" جديدة، بين مصر من الشرق وتونس من الغرب.

ولذا يرى المحلل السياسي "علي القاسمي" أن تسميم الأجواء الإعلامية في تونس، والهجمة الشرسة ضد "الغنوشي" يمكن أن تكون محاولة لقطع الطريق أمام التقارب التونسي مع الشرعية في ليبيا، ولا يمكن عزلها عن الخسائر التي مُني بها المحور الداعم للجنرال المتقاعد "خليفة حفتر" في ليبيا، وفقا لما أورده "عربي بوست".

تبدو الديمقراطية في تونس أمام تهديد جديد إذن خاصة مع ظهور دعوات للتظاهر ضد سوء الأوضاع الاقتصادية، الشهر المقبل، وهي دعوات تحمل بصمات قوى الثورة المضادة وتعيد التذكير بما حدث في مصر في الشهر نفسه قبل سبعة أعوام، دافعة الكثيرين للتساؤل حول ما إذا كان بإمكان الديمقراطية التونسية النجاة من المكائد الإماراتية السعودية ومواصلة طريقها الخاص مجددا.

المصدر | الخليج الجديد