السبت 30 مايو 2020 03:39 م

قبل وقت طويل من إطاحة "السيسي" بالرئيس الراحل "محمد مرسي" بانقلاب عسكري في 3 يوليو/تموز 2013، كان إسكات المعارضة وقمع الصحافة الحرة أشياء معتادة من حكام مصر.

فقد حكم الرئيس الراحل "حسني مبارك" مصر بقبضة حديدية، ومع ذلك، كانت سلطته لا تقارن بالوضع الحالي.

استهداف عائلات المعارضين

في 19 مارس/آذار، نشر "عبدالله الشريف"، وهو صحفي معارض ومقدم برامج "يوتيوب"، مقطع فيديو مسرب لجندي مصري يمثّل بجثة قبل حرقها. بعدها بأيام، قال "الشريف" إن قوات الأمن استهدفت عائلته واعتقلت شقيقيه بتهم الإرهاب.

وقال "الشريف" بصوت مهتز: "ما رأيتموه للتو حدث ويحدث وسيحدث كل يوم بعيدًا عن أعينكم. من هو الإرهابي الآن، سيدي الرئيس؟ من هو الجزار المتعطش للدماء الآن؟ أجبنا".

لم يكن "الشريف"، الذي قال أيضاً إنه حُكم عليه غيابياً بالسجن مدى الحياة، وحده الذي تعرض لمعاقبة عائلته بدلاً منه، حيث فصّل تقرير حديث لصحيفة "نيويورك تايمز" عدة حوادث تعرض فيها المعارضون في المنفى أو الذين يعيشون في الخارج لاعتقال قوات الأمن لأفراد عائلاتهم، مما أجبر بعضهم على التراجع نيابة عن أقاربهم المعارضين أو حتى تبرؤهم منهم على التلفزيون الحكومي.

تم تصوير الفيديو المسرب الصادم في شبه جزيرة سيناء، حيث تدعي الحكومة أنها تقود حربًا على الإرهاب، متهمة سكان سيناء البدو بالتآمر ضد الحكومة، لكن السكان المحليين يقولون إنها حرب على المدنيين حيث تنخرط الدولة في تطهير عرقي.

أعرب تقرير للأمم المتحدة لعام 2020 عن "قلق بالغ" بشأن إساءة استخدام مصر لقوانين مكافحة الإرهاب، مضيفًا أن هذه القوانين تقوم في نهاية المطاف بقمع الحريات المجتمعية بدلاً من تأمين البلاد.

تطويع القانون

على عكس أسلافه؛ تهدف قبضة "السيسي" إلى سحق المقاومة بشكل منهجي، فبعد أن رسخ لنفسه ولاية ثانية في 2018؛ استهدف الجنرال العسكري السابق إعادة رسم الحدود القانونية لسلطته.

يستخدم "السيسي" القانون لإعادة تشكيل المشهد الإعلامي المصري بعمق وإلصاق تهمة الإرهاب بالمعارضة في سبيل إضفاء الشرعية على هدف واحد هو: البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة.

أدت حملة القمع الأخيرة التي شنتها الدولة على المعارضة، لا سيما المنصات الإخبارية التي تعمل كآخر ركائز للديمقراطية المتدهورة في مصر، إلى اعتقال الصحفية "لينا عطا الله" في 17 مايو/أيار.

"لينا" هي رئيسة تحرير صحيفة "مدى مصر" الإلكترونية المستقلة والتي تعرضت لقمع السلطات في الماضي، وقد تم القبض عليها بتهم لم يتم الكشف عنها بعد مقابلة مع "ليلى سويف" أمام سجن طرة، وهي عالمة رياضيات ومدافعة عن حقوق الإنسان.

"ليلى سويف" هي أيضا والدة المعارض البارز المسجون "علاء عبدالفتاح"، الذي اعتقل في أواخر عام 2019 بتهمة نشر أخبار كاذبة وتشجيع الاحتجاجات بعد أشهر فقط من إطلاق سراحه من حكم بالسجن لمدة 5 سنوات، بسبب مزاعم مماثلة.

ويعد سجن مدون الربيع العربي السابق في طره، إلى جانب العديد من المعارضين الآخرين، واحدًا من العديد من عمليات الاعتقال التي تدعمها التغييرات القانونية لـ"السيسي".

خلال فترة ولاية "السيسي" الأولى في عام 2015، تبنى الدستور المصري قانونًا جديدًا لمكافحة الإرهاب مع تعريفات واسعة لما يعتبر إرهابًا داخليًا، بشكل يستهدف المعارضة.

تسمح الطبيعة الغامضة للقانون باعتبار أي شيء تهديدًا للأمن القومي، سواء كان ذلك "نشر أخبار كاذبة" أو "إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي".

بعد سنوات من إساءة استخدام هذا القانون، عبر اعتقالات جماعية وحظر أكثر من 500 منفذ إخباري إلى مراقبة البرامج التلفزيونية ومقاضاة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين ينتقدون الحكومة، تواجه الصحافة في مصر موقفًا صعبًا، لدرجة أن تقريرًا صادرًا عن منظمة العفو الدولية في أواخر عام 2019 أفاد أن الصحافة في مصر أصبحت "جريمة".

ووفقًا للتقرير، فإن نيابة أمن الدولة العليا في مصر -وهي وحدة سرية تم تصميمها في الأصل لمكافحة التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي- تعمل الآن بشكل أساسي كقوة معاونة لـ"السيسي" تقوم بسحق أي معارضة محتملة.

وقال "فيليب لوثر"، مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة العفو الدولية: "لقد أصبحت نيابة أمن الدولة العليا في مصر أداة للقمع"، مضيفاً أن "الهدف الأساسي لهذه الوحدة أصبح اعتقال وتعذيب المنتقدين، وكل ذلك باسم مكافحة الإرهاب".

وفي أوائل مايو/أيار، داهم ضباط نيابة أمن الدولة العليا في مصر منزل "هيثم حسن محجوب" في القاهرة واحتجزوه بتهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها إلى جانب نشر أخبار مزيفة. يعمل "محجوب" مراسلا في "المصري اليوم"، وهي صحيفة يومية مستقلة تنتقد حكومة "السيسي".

"كورونا" ذريعة لتعزيز القمع

تتضخم حملة القمع في ظل تهديد وباء الفيروس التاجي المستجد، وربما تتسارع أيضًا، مع تعزيز سيطرة الدولة تحت ستار مكافحة الفيروس، وقد يكون حبس المعارضين مع الفيروس طريقة "السيسي" لإعدامهم بشكل غير مباشر، مثلما تفعل البحرين.

وقال منسق لجنة حماية الصحفيين "شريف منصور"، في تعليق على توسيع "السيسي" لقوانين الطوارئ بذريعة الفيروس التاجي: "في حين تعفو بعض الحكومات في جميع أنحاء العالم عن السجناء خلال زمن كوفيد-19، تصمم مصر على إبقاء سجونها مليئة بالصحفيين".

مثل منظمة العفو الدولية، تتبعت "هيومن رايتس ووتش" إساءة استخدام "السيسي" للسلطة لسنوات، إلا أن المنظمة غير الحكومية تقول إن أساليب القمع هذه ثبت أنها "منهجية وواسعة الانتشار" أكثر مما لوحظ بالفعل.

إحدى الطرق التي تعزز بها الحكومة المصرية هذه السيطرة المنهجية على التبادل الحر للمعلومات هي من خلال المخابرات العامة، والتي يرأسها "عباس كامل"؛ مهندس التعديلات الدستورية لعام 2019 لإطالة عهد "السيسي" وترسيخ قبضته على المجتمع المصري.

في عام 2017، قادت "مدى مصر" تحقيقًا فضح امتلاك المخابرات العامة سراً للعديد من شركات الإنتاج الإعلامي ووكالات التسويق والإعلان وصناديق الأسهم الخاصة وشركات الأمن والصحف التي لم يكن معروفًا في السابق أن الدولة تمتلكها.

وقال كاتب التحقيق والمدافع البارز عن حقوق الإنسان "حسام بهجت"، والذي تعرض لاعتقالات متعددة بزعم نشره لأخبار مزيفة: "إن مستوى القمع (في ظل نظام السيسي) أعلى بكثير مما كان عليه في عهد مبارك".

وسخر مصدر مقرب من المخابرات العامة، متحدثًا لموقع "إنسايد أرابيا" شريطة عدم الكشف عن هويته، عندما سُئل عن الاختلافات بين أساليب "مبارك" و"السيسي"، حيث قال: "ليس هناك فرق كبير، باستثناء أن السيسي يتمم نظام مبارك".

وأضاف: "خلال فترة حكم مبارك، يمكن أن يكون الضابط ابن عمك الذي يبلغ عن انتماءاتك الدينية والسياسية، أما مع السيسي، فهو نهج أكثر تطورًا، حيث يمكن للعميل مراقبة سلوكك وتتبعه عبر الإنترنت".

المصدر | يوسف الشمري - إنسايد أرابيا - ترجمة و ،تحرير الخليج الجديد