في سابقة عالمية، يمثل أمام محكمة مدينة كوبلنز الألمانية، متهمان بممارسة التعذيب داخل سجون نظام "بشار الأسد".

ويترقب العديد من السوريين هذه اللحظة بفارغ الصبر، وكلهم أمل في أن تتحقق العدالة.

"حفل الترحيب" توصيف ساخر، المقصود به في سجون نظام "بشار الأسد"، مزيج من الضرب والتعذيب.

كان قدر المخرج السوري "فراس فياض"، أن يختبر مباشرة بجسده هذه الوصفة التي تدوم ساعات.

وبعدها فقط يتم "إنزال المعتقلين إلى الأسفل" حسب ما قاله "فياض"، وهو يدلي بشهادته أمام المحكمة الولائية العليا في مدينة كوبلنز (غرب ألمانيا).

وهناك في "الأسفل" كان على المعتقلين خلع ملابسهم، وبعدها تستمر حصص التعذيب بالضرب بالكابلات والعصي وسكب الماء البارد.

"فياض"، هو أول ضحية يُبلغ في ألمانيا، عن فصول رعب تفوق الخيال، عاشها في سجن الخطيب بدمشق، في سياق محاكمة مُتهمين اثنين بمزاعم تعذيب في سوريا.

وفي اليوم العاشر من هذه المحاكمة، يعتبر "فياض" البالغ من العمر 35 عاماً، الشاهد الأول في هذه القضية، بعد الاستماع لعدد من المحققين والخبراء والموظفين.

شاهد أظهر شيب مبكر على رأسه، شاهد لم يسمع عن التعذيب من القصص والتقارير، ولكنه عاشه بنفسه ونجا منه بأعجوبة.

فعلى بعد أمتار قليلة، من مكان "فياض" في قاعة المحكمة، جلس المتهم المفترض في التسبب في كل هذه المعاناة، إنه "أنور.ر" (57 عاما)، أشيب ذو شارب ويرتدي نظارات، جلس هادئا خلف حاجز زجاجي أُقيم ضمن قواعد الوقاية المرتبطة بأزمة تفشي جائحة فيروس "كورونا".

"أنور" كان حينها مسؤولا رفيعا برتبة عقيد في أجهزة القمع السورية.

ترأس القسم 251 من المخابرات السورية، وكان مسؤولا عن أمن العاصمة دمشق، هو المتهم الرئيسي في هذه القضية.

وتشمل الاتهامات جرائم ضد الإنسانية، والقتل (58 مرة)، والتعذيب في 4000 حالة على الأقل، إضافة إلى تهم الاغتصاب والاعتداء الجنسي.

يصف "فياض" بدقة زنازين السجن المكتظة، حيث كان المعتقلون يحاولون النوم وهم واقفون.

يتذكر "فياض" أنه رأى سجناء لا يعرف إن كانوا على قيد الحياة أم أنهم ماتوا بالفعل.

شاهد مرة طفلاً في القسم 251، وهو يصرخ بكل قوته، وأوضح للمحكمة أنه غير قادر عن التعبير بكلمات عن ذلك الصراخ الذي سمعه، مضيفا: "لكن في يوم ما سأحاول وصفه في أفلامي".

هذه المحاكمة سابقة عالمية، فهذه أول مرة يمثل فيها مسؤول في النظام السوري أمام محكمة بتهمة "جرائم ضد الإنسانية".

ويسمح القانون الجنائي الدولي للمدعين الألمان بتوجيه الاتهام لسوريين متهمين بتعذيب سوريين آخرين أمام المحاكم الألمانية.

ودخل هذا الإجراء حيز التنفيذ في ألمانيا في يونيو/حزيران عام 2002.

وفي "القانون الجنائي الدولي الألماني"، يُسمح للقضاء الألماني قبول البت في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي، حتى لو لم يتم ارتكابها في ألمانيا، أو لم يكن ألمان طرفا فيها.

وكانت روسيا والصين قد أحبطتا المحاولات التي قامت بها قوى غربية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتنظيم محاكمة دولية بشأن سوريا.

وسوريا ليست من الدول الموقعة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

وتتجاوز أهمية محاكمة "كوبلنز" ودلالتها المدعى عَليه الرئيسي "أنور. ر" والمتهم الثاني "إياد.أ"، لتشمل نظام القمع بأكمله في سوريا تحت نظام "الأسد" والذي كان رمزيا يجلس أيضا على مقعد المتهمين.

وهذا ما يفسر التغطية الإعلامية الاستثنائية لوسائل الإعلام الدولية، حيث امتلأت مقاعد قاعة المحكمة عن آخرها.

الكثيرون أتوا من أماكن بعيدة من بينهم لاجئون سوريون، مثل "خالد" من فيسمار أو "سمير" من نورنبرج، أو "وفاء مصطفى" من برلين.

جلست الناشطة السورية "وفاء مصطفى"، على الأرض أمام المحكمة وسط 61 صورة، كل صورة منها مزينة بوردة بيضاء.

إنها صور الرجال والنساء والأطفال الذين اختفوا في السجون السورية.

حملت "وفاء" صورة والدها على ركبتيها، فقد تم القبض عليه في 2 يوليو/تموز 2013، وتتذكر الشابة التفاصيل الدقيقة لليوم الذي قلب حياتها رأساً على عقب.

منذ ذلك الحين، لم تسمع عن والدها أي خبر، ولا تعلم حتى إن كان لا يزال على قيد الحياة أم لا.

وفاء أحالت إلى "دوتشيه فيله" إلى عمل "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، التي تؤكد بياناتها أن الحالات الموثقة للأشخاص المختفين والمحتجزين تبلغ وحدها أقل من 130 ألف شخص.

وأوضحت "وفاء" بهذا الصدد: "في هذه اللحظة بالذات، يتم احتجاز الناس في سوريا وتعذيبهم من قبل نظام الأسد".

وأهم رسالة تريد توجيهها لأقارب المختفين في نظام التعذيب السوري هي أن "أحباءكم ليسوا منسيين".

وفي قاعة المحكمة، عانى "فراس فياض" وهو يستحضر الذكريات التي استعاد معها الألم وكأنه يعيش التعذيب من جديد. ألم في الذراعين والساقين، على سبيل المثال.

فقد تم تعليقه من يديه وأصابع قدميه تلامس الأرض، وتم ضربه بالكابلات، بل وحكى بأنه تم اغتصابه أيضا واضطر بعد ذلك للخضوع لعملية جراحية في تركيا بسبب العواقب.

أوضح "فياض"، أنه كان يتم استجوابه عدة مرات في سجن الخطيب، معصوب العينين وكان عليه دوما الجلوس ركوعا على الأرض.

مع ذلك، أكد أنه تمكن من التعرف جزئيًا على محيطه، وكذلك على الرجل الذي كان يسميه دائما بـ"المحقق".

لم يكن طويل القامة، كان دائمًا يرتدي قميصًا أبيض وربطة عنق.

"فياض"، متأكد 70%، من أن "المحقق" هو "أنور.ر" العقيد بالمخابرات السورية.

ولو سُمح له بسماع صوته مجددا لأمكنه التأكد من هويته بصفة نهائية.

و"أنور.ر"، رفض رفضا قاطعا عبر محاميه أي اختبار صوتي.

"فياض"، أوضح أن "هذه المحاكمة مهمة، محاكمة أنوار.ر، مهمة للضحايا الذين لا يزالون معتقلين.. هذه رسالة قوية للذين يواصلون ممارسة التعذيب.. هذا سيؤدي لمزيد من المحاكمات.. هذه المحاكمات نفسها جزء من إعادة بناء سوريا".

وأضاف: "نحن ناضلنا من أجل ثورة الكرامة.. هذا جزء من استعادة كرامتنا التي سُلبت منا على مدى سنوات طويلة".

المصدر | دوتشيه فيليه