الأربعاء 10 يونيو 2020 02:38 م

مع تزايد الوفيات والإصابات بفيروس "كورونا" في مصر، وعجز المستشفيات الحكومية عن استيعاب المصابين والحالات الحرجة، يسعى مقدمو خدمات الصحة في القطاع الخاص إلى تحقيق أرباح مليارية عبر تقديم الرعاية الطبية للأثرياء والقادرين، في المستشفيات الخاصة.

وتنشغل الأوساط الصحية والبرلمانية في البلاد، تلك الأيام، ليس بمحاولة إنقاذ غير القادرين، بل بتحديد سقف للمبالغ التي يدفعها مصابو "كورونا" لعلاجهم في المشافي الخاصة.

والشهر الماضي، جرى تسريب وثيقة في وسائل الإعلام المحلية، تفيد بأن أسعار كشف وعلاج فيروس كورونا بمستشفيات قصر العيني التعليمي الجديد "الفرنساوي" الخاص تصل إلى 127 ألف جنيه (قرابة 8 آلاف دولار).

وعلى الرغم من النفي الرسمي للوثيقة المتداولة، فإن سعر العلاج المتاح في المستشفيات الخاصة، لا يزال في مستوى الأثرياء فقط، دون مكان للطبقتين المتوسطة والفقيرة.

ويبدو أن شعار "الأرباح قبل الأرواح" بات حقيقة على أرض الواقع، مع سيطرة عدد من المستثمرين الإماراتيين والمصريين على قطاع المستشفيات الخاصة، خلال عهد الرئيس "عبدالفتاح السيسي".

وقد تعددت الشكاوى من تجاوزات المستشفيات الخاصة وطلبها مبالغ باهظة لاستضافة المصابين خاصة في وحدات العناية المركزة، حيث تشير فاتورة مستشفى خاص يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن أحد المصابين طلب منه دفع 213 ألف جنيه (نحو 13 ألف دولار) مقابل 7 أيام فقط من الرعاية الطبية.

وبلغت كلفة إقامة مصاب بفيروس "كورونا" في الرعاية الفائقة لمدة 4 أيام، 93 ألف جنيه (نحو 6 آلاف دولار)، بأحد المستشفيات الخاصة الشهيرة في البلاد، فيما أوردت صحيفة "الأهرام" الحكومية أن أحد المستشفيات قامت باحتجاز مريض بسبب عدم قدرته على سداد تكلفة الخدمة الصحية.

تسعيرة الصحة

وفي محاولة لضبط أسعار الخدمة، قامت وزارة الصحة المصرية بإعلان تسعيرة للخدمة الصحية لمصابي كورونا في المستشفيات الخاصة.

وتتراوح التسعيرة التي أعلنتها الوزارة بين 1500 و3000 جنيه مصري (95 إلى 190 دولارا) للفرد في الليلة الواحدة، فيما تصل تكلفة الفرد في غرفة الرعاية المركزة المجهزة بجهاز تنفس صناعي بين 7500 جنيها و10 آلاف جنيه (465-620 دولارا).

وبموجب تلك الأسعار، تصل كلفة العلاج للمريض الواحد إلى 140 ألف جنيه في مقابل خدمات الرعاية لمدة أسبوعين (8650 دولارا).

وتشمل تلك الأسعار، الخدمة والمستلزمات وأجور الأطباء والتمريض والإقامة بالكامل والتحاليل والأشعة، ومستلزمات مكافحة العدوى والمستلزمات الطبية.

والأسبوع الجاري، طالبت وزيرة الصحة المصرية "هالة زايد" المشتشفيات الخاصة بإعلاء مصلحة المرضى دون النظر إلى الأرباح، داعية المتضررين إلى تقديم شكوى رسمية للتحقيق فيها.

 

رفض ومغالاة

اللافت أن هذه الأسعار -رغم كونها فوق مقدرة أكثر من 90% من المصريين- لم ترض مستثمري ذلك القطاع، حيث رفضت العديد من المستشفيات الخاصة تقديم الخدمة العلاجية لمصابي "كورونا" وفق الأسعار المعلنة.

وقال عضو مجلس إدارة غرفة مقدمي الخدمات الصحية التابعة لاتحاد الصناعات المصرية "خالد سمير"، في تصريحات متلفزة، إن "كل المستشفيات الخاصة انسحبت من التسعيرة التي حددتها وزارة الصحة لعلاج مرضى فيروس كورونا".

وتتلخص مطالب المستشفيات الخاصة، في تقديم الخدمة العلاجية وفق 3 فئات، تختلف حسب درجة كل مستشفى ونوع الخدمة المقدمة.

وتصل فاتورة الليلة الواحدة لعلاج مصابي "كورونا"، إلى 18 ألف جنيه لفئة الرعاية الأولى (1200 دولار)، و11 ألف جنيه لليلة الفئة الثانية (1050 دولارا)، و7 آلاف جنيه (450 دولارا) لليلة الفئة الثالثة، في معظم المشافي، فيما وصل سعر الليلة في غرف الرعاية في بعض المستشفيات إلى 30 ألف جنيه مصري (حوالي 2000 دولار).

تهديد ووعيد

ويبدو أن أزمة أسعار الرعاية الصحية، تأخذ منحى تصعيديا، بعد تهديد رئيس مجلس النواب المصري "علي عبدالعال"، بأن قانون الطوارئ يمنح الدولة الحق بالتدخل لإدارة المستشفيات الخاصة في أوقات الأزمات.

وأضاف "عبدالعال" في جلسة البرلمان، الإثنين الماضي: "أتمنى ألا تصل الدولة إلى استخدام هذا الحق، ولكن يجب التنبيه أن كثيرا من الدول استخدمت القانون لإدارة المستشفيات الخاصة في علاج مرضى كورونا".

وتابع: "لو كان هناك حركة طيران لسافر المصاب للعزل في أي مستشفى خارج البلاد بتكلفة أقل من فواتير المستشفيات الخاصة في مصر".

ودفعت هذه الأسعار إعلاميا مصريا من أشد الموالين للسلطة هو "عمرو أديب" إلى مهاجمة المستشفيات الخاصة، قائلا إن "تكلفة الإقامة في مستشفى خاصة بسبب كورونا أكبر من تكلفة إجراء عملية في المخ".

أرباح إماراتية

وفي أبريل/نيسان الماضي، جرى تعديل القانون 162 لعام 1958، المعروف بـ"قانون الطوارئ"، بما يمنح "السيسي" صلاحيات جديدة، من أبرزها إعادة توجيه المستشفيات الخاصة وأطقمها لمساعدة نظام الرعاية الصحية العامة لفترة محددة.

وإلى الآن لم يتم تفعيل هذا البند في تعديلات قانون الطوارئ، رغم مبالغة المستشفيات الخاصة في الأسعار المقدمة لخدمات علاج مصابي "كورونا".

وقد يكون مستشار "السيسي" لشؤون الصحة، ووزير الصحة الأسبق "محمد عوض تاج الدين" أحد العوامل التي تحول دون تفعيل هذا البند الذي سيحرم المستشفيات من جني أرباح طائلة خلال أزمة "كورونا".

ويشغل "تاج الدين" عضوية مجلس إدارة شركة "استثمار" المالكة لعدد من المستشفيات الخاصة في مصر.

وتتبع "استثمار" شركة "أبراج كابيتال" الإماراتية، والتي تستحوذ على مستشفيات مصرية عدة، بينها "كليوباترا" و"القاهرة التخصصي" و"السلام الدولي" و"الكاتب" و"النخيل" و"الجولف" و"دار السلام" و"النيل بدراوي" وغيرها.

وينضوي تحت لواء الشركة الإماراتية، منذ العام 2015، معامل تحاليل "البرج" و"المختبر" و"كايرو سكان" و"يوني لاب" وكذلك شركة "آمون" للأدوية وغيرها.

وإلى جانب "تاج الدين"، يضم مجلس إدارة مستشفى "كليوباترا" وزير التجارة المصري السابق "طارق قابيل"، ونائب رئيس جهاز المخابرات السابق "عمر قناوي"، ما يعني أن أذرعا لأجهزة سيادية ضالعة في الأمر.

ومنذ الانقلاب العسكري منتصف يوليو/تموز 2013، تسيطر الإمارات على قطاعات حساسة في مصر، من أبرزها الصحة والدواء والاتصالات والنقل البحري والموانئ.

وسبق أن حذر تقرير صادر عن هيئة الرقابة الإدارية، نشرته صحيفة "المصري اليوم" (خاصة)، في 2016، من أن هيمنة الإمارات على القطاعات الطبية في مصر تشكل "تهديدا للأمن القومي المصري".

لكن التقرير الذي حمل صفة "سري" ذهب إلى الأدراج، لتأتي أزمة "كورونا" محملة باختبار صعب للقطاع الطبي الخاص في البلاد، الذي يرفع شعار "الحساب قبل العلاج".

المصدر | الخليج الجديد