في الوقت الذي تستعد فيه حكومات الخليج لتصفية العمالة الوافدة، يدق على استحياء جرس إنذار بشأن المخاطر المحتملة لهذه الخطوة على اقتصادات المنطقة.

ويبدو أن تداعيات أزمة "كورونا" وتهاوي أسعار النفط، وفرتا لدول الخليج، فرصة سانحة لإحياء وتنفيذ خطط بترحيل موسع للعمالة الأجنبية في البلاد.

وتعيش العمالة الوافدة في دول الخليج أوضاعا سيئة جراء قرارات التسريح المتلاحقة، وخفض الرواتب، وإنهاء العقود بشكل أحادي، تحت ذريعة تفشي كورونا، وسياسة الحظر والإغلاق الاقتصادي.

ويقول خبير الهجرة إلى الدول العربية لدى منظمة العمل الدولية "ريشارد خولوفينسكي" إن أعداد المغادرين من الإمارات والكويت وقطر قد تكون كبيرة جدا.

  • كراهية وعنصرية

الخطير أنه يجري ترويج وتنفيذ تلك الخطط عبر تسويق خطاب كراهية عنصري، يظهر العمال الأجانب، على أنهم السبب الرئيس في انتشار الفيروس في البلاد، وأنهم أكلوا من خيرات البلاد بما يكفي، ناهيك عن اتهامهم بأنهم "ليس لديهم ولاء للبلدان التي يعيشون فيها".

وقبل أيام، دعا برنامج حواري شهير على قناة "إس بي سي)" السعودية (مملوكة للدولة)، يقدمه الإعلامي "خالد العقيلي"، إلى ترحيل الوافدين.

وقال "العقيلي": "يجب أن نتوقف عن جعل الموظف السعودي كبش الفداء مع كل أزمة، اجعلوا العمالة الوافدة هم الأولى بالاستغناء وليس ابن الوطن".

وتدرس الحكومة الكويتية مقترحات بمضاعفة الرسوم على خدمات الوافدين بنسبة 150%، وتحديد مدة لمكوث الوافد حدها الأقصى 15 عاما، وعدم السماح بإقامة من تجاوز الستين، وتطبيق نظام "الحصص" للجاليات.

ولا يعد المسلك الكويتي ليس فريدا من نوعه، بل إن الأمر بات نهجا لدى معظم حكومات مجلس التعاون التي تسن اليوم سياسات تهدف إلى تقليل أعداد الوافدين، ورفع معدلات التوطين، ومواجهة البطالة بين مواطنيها.

  • دور تنموي

في مقابل ذلك، يرى مراقبون أن دول الخليج تتنكر اليوم لعمالها الأجانب، الذين تقدر مصادر عددهم بـ35 مليون شخص، رغم الدور الكبير الذي لعبوه في بناء اقتصادات دول الخليج والنهوض بها، حسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وشكلت العمالة الوافدة قوة عمل رخيصة، لعبت دورا بارزا في إنجاز مرافق البنية الأساسية، وفي تعزيز وتشغيل قطاعات إنتاجية مختلفة، ونقل خبرات خارجية متراكمة.

كذلك يعد الوافدون مكونا أساسيا في سوق العمل، ولهم دور مؤثر في المسيرة التنموية، وفي تنشيط قطاعات السفر والنقل والسياحة والفندقة والضيافة.

وتجني الحكومات الخليجية حصيلة مالية ضخمة من الرسوم وضرائب القيمة المضافة المفروضة على الوافدين، إضافة إلى ما يضخونه في القطاع العقاري من نفقات للإيجار والتأثيث، بجانب نفقات التعليم، والتسوق، وشراء السيارات، والهدايا السنوية.

يقول "طارق فضل الله" من مؤسسة "نومورا" لإدارة الأصول (شركة يابانية رائدة في مجال إدارة الأصول) لـ"رويترز"، إن "تراجع عدد الوافدين سيقلص الطلب على كل شيء من البيتزا إلى الفيلات، والخطر هو أن يؤدي هذا إلى تأثير انكماشي، وفقدان للوظائف الثانوية".

  • قطاعات خدمية

وتتعدد مكاسب دول الخليج من حركة العمال الوافدين الذين يعملون غالبا في قطاعات تهجرها العمالة الوطنية كالبناء والتشييد، وبعض القطاعات الخدمية، مثل التمريض والنظافة والعناية الشخصية (الحلاقة والتجميل)، وغيرها.

ويدير الوافدون عددا من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، بشكل لا يمكن تجاهل تأثيره في القطاع الصناعي والتجاري، إضافة إلى إدارتهم لمحال البيع بالتجزئة، التي تلعب دورا كبيرا في النشاط الاقتصادي في العديد من المناطق.

وتتربح شركات الطيران الخليجية من حركة المسافرين مع دول مثل الهند وباكستان والفلبين وبنجلاديش وإندونيسيا ومصر، على مدار السنة، فضلا عن حركة العمرة والحج الداخلية من الوافدين المقيمين بالمملكة.

وفي هذا الصدد، يكفي الإشارة فقط إلى أن الناقلات الجوية تسير أكثر من 1100 رحلة أسبوعيا بين دبي والهند في الاتجاهين، وأن "الاتحاد للطيران" (حكومية) تنقل وحدها أكثر من 18 مليون مسافر بين الإمارات والهند، وفق بيانات رسمية.

  • ضرورة اقتصادية

ويمكن القول إن المكاسب التي حققتها دول الخليج من اجتذاب العمالة الماهرة، والكفاءات النادرة، لا تقدر بثمن، خاصة في ظل معاناة معظم دول الخليج من نقص سكاني، وندرة في عدد كبير من المهن والتخصصات، وغياب العمالة الوطنية عن مجالات حياتية ضرورية.

وتلخص ورقة عمل للدكتور "مارتن هيفيت" ناقشها مركز الدراسات الدولية والإقليمية التابع لجامعة جورج تاون في قطر، 2016، أهمية دور المهاجرين ذوي المهارات العالية في الاقتصاديات الخليجية.

يقول "هيفيت" إن "مساهمات العمالة الوافدة العالية المهارة هي أمر حيوي للغاية، وإنه لا يمكن لدول مجلس التعاون أن تحول اقتصاداتها إلى اقتصادات تقوم على المعرفة دون الاستعانة بالعمالة الوافدة عالية المهارة".

بينما تنصح الدكتورة "فان ريمسجك"، في ورقة عمل ثانية، بضرورة دمج المهاجرين الماهرين والحفاظ عليهم؛ حيث يساهم هؤلاء العمال الأجانب في تعزيز الابتكار في البلدان المضيفة.

ويعدد الباحث المقيم لدى معهد دول الخليج العربية في واشنطن "روبرت موجيلنيكي" عددا من فوائد العمالة الوافدة، قائلا: "الوافدون ليسوا مجرد ترس في آلة. إنهم يلعبون دورا مكملا في إعادة تدوير رأس المال محليا مما يساعد في دعم اقتصادات الخليج".

ويؤكد "موجيلنيكي" أن خطط تنويع الاقتصاد الخليجي، وخلق صناعات ترفيهية وسياحية ودينية، تعتمد بشكل كبير على الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالوافدين المقيمين والزوار الأجانب.

  • هجرة منتقاة

في ظل تحذيرات الخبراء، من أن رحيل الوافدين قد يقلص إيرادات حكومات الخليج، ويبطئ جهود الإصلاح والتحول إلى مرحلة ما بعد النفط، يظهر اتجاه آخر يدعو إلى ترشيد سياسة الترحيل.

ويستند المدافعون عن سياسات الترحيل والتسريح، إلى معاناة أغلب دول الخليج من خلل واضح في تركيبتها السكانية، وارتفاع معدلات البطالة بين مواطنيها؛ ما يجعلها مضطرة إلى تنفيذ تلك السياسة بشكل عاجل.

بينما يرى أنصار الترشيد أن هناك حاجة ماسة بالفعل لمنع تسرب العمالة الهامشية وغير الشرعية، لكن مع وضع خطط انتقائية للعمالة الماهرة، ضمن ما يعرف بـ"الهجرة المنتقاة".

لكن على أية حال، يصعب تصور مستقبل دول مجلس التعاون، دون العمالة الوافدة، التي أصبحت جزءا من نسيج تلك المجتمعات، وترسا عملاقا في آلتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

المصدر | الخليج الجديد