الجمعة 26 يونيو 2020 03:09 م

تطورت العلاقات بين (إسرائيل) ودول الخليج على مدى العقود الماضية، ولا سيما في السنوات الأخيرة، من خلال عدد من القنوات المنفصلة والمتوازية بما في ذلك قناة الاستخبارات الأمنية التي تظل بطبيعتها سرية، وقناة التجارة الاقتصادية التي تم الحفاظ عليها ضمنية أيضًا؛ وفي السنوات الأخيرة، قناة للحوار بين الأديان والثقافات.

ورغم السرية التي تتميز بها هذه العلاقات إلى حد كبير، شهدت السنوات الأخيرة أيضًا ظهور بعض العلاقات للعلن، ويتضمن ذلك اجتماعات بين كبار الشخصيات من كلا الجانبين (تشمل في المقام الأول السياسيين السابقين) وتبادل الرسائل العامة.

خلال فترات التقدم في القضية الفلسطينية، كانت هناك علاقات أكثر علنية مما هي عليه اليوم، وشملت فتح مكاتب تمثيلية إسرائيلية رسمية في عمان وقطر. إن تقلب العلاقات يعكس رد الفعل على سياسة (إسرائيل)  في السياق الفلسطيني ويظهر الارتباط الإيجابي من منظور دول الخليج بين عناصر التطبيع مع (إسرائيل)  والإجراءات الإسرائيلية المطلوبة لدفع التسوية مع الفلسطينيين.

بالنظر إلى هذه الديناميكية، من المتوقع أن يدفع الضم الإسرائيلي دول الخليج إلى التراجع عن الجوانب المختلفة للتطبيع مع (إسرائيل)، لا سيما الجوانب العامة بالرغم من أن القضية الفلسطينية لا تأتي ضمن الأولويات العليا في الخليج.

من المرجح أن التصريحات التي أدلى بها كبار الشخصيات في دول الخليج ليست مجرد كلام، وأن مختلف جوانب التطبيع القائمة مع (إسرائيل) ستتضرر. علاوة على ذلك، فإن نطاق الضم وشدة المعارضة له في جميع أنحاء العالم العربي من المرجح أن تشكل ملامح التأثير على العلاقات الإسرائيلية الخليجية.

ومع ذلك، فمن المرجح ألا يتأثر التعاون الأمني ​​الهادئ بشكل كبير. في الوقت نفسه فإن التراجع في العلاقات التي ظهرت عبر جهود كبيرة على مر السنين سيكون له أهمية استراتيجية سلبية على (إسرائيل).

نشرت الصحافة الإسرائيلية مؤخراً مقالات كتبها "يوسف العتيبة"، سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة (يديعوت أحرونوت، 12 يونيو/حزيران 2020) والمستشار السعودي السابق "نواف عبيد" (هآرتس، 16 يونيو/حزيران 2020)، والتي تحتوي على نداءات مباشرة إلى الجمهور الإسرائيلي.

في هذه المقالات، التي هي في حد ذاتها علامة على التطبيع، يسعى المؤلفون إلى ثني (إسرائيل) عن ضم الأراضي في الضفة الغربية، وحتى التشكيك في مستقبل العلاقات مع (إسرائيل) في حال حدوث الضم. في الوقت نفسه، تُعرض على (إسرائيل) بشكل ضمني علاقات مطورة في حالة تخليها عن الضم المقصود.

ربط "العتيبة" العلاقات مع (إسرائيل) بخطاب التسامح والحوار بين الأديان في العالم العربي في السنوات الأخيرة، وألمح إلى أن هذه العلاقات ستقوض بشكل كبير. كما ذكر التفويض الذي مُنح لشركة الطيران الهندية للسفر من وإلى (إسرائيل) عبر المجال الجوي السعودي كبادرة متواضعة تجاه (إسرائيل) يمكن إلغاؤها في حالة الضم.

أبرز وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية "أنور قرقاش"، في تصريحات في اجتماع للجنة اليهودية الأمريكية (14-18 يونيو/حزيران 2020) معالجة جديد ة للقضية حيث عبر "قرقاش" عن معارضته إجراءات إسرائيلية أحادية الجانب ودعمه المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية. ومع ذلك، فقد ميز "قرقاش" بين الخلافات مع (إسرائيل) حول القضية الفلسطينية والقدرة والحاجة إلى التعاون مع (إسرائيل) في القضايا الإقليمية الأخرى.

وقال "قرقاش": "يمكننا أن نختلف مع (إسرائيل) بشأن القضايا السياسية وما زلنا نتعاون في مجالات أخرى، مثل الوباء والمسائل التكنولوجية" مضيفا:"التعاون مع (إسرائيل) لم يغير موقف الإمارات من معارضة الضم".

وتعرض مقال "العتيبة" وملاحظات "قرقاش" لانتقادات حادة في وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة من قبل الفلسطينيين. وانتقد "العتيبة" لأنه وصف (إسرائيل) بأنها "فرصة وليست عدوًا" ووعدها بتعويضات متنوعة إذا امتنعت عن "الاستيلاء غير القانوني على الأراضي الفلسطينية". كما جرى انتقاد "قرقاش" لإعطاء (إسرائيل) ضمانات ضمنية بشأن استمرار التعاون حتى لو قامت بالضم.

من الواضح أن قادة الخليج يخشون من احتمالية نشوب اضطرابات عامة تقوض استقرار أنظمتهم إذا فشلوا في التعبير عن معارضة حازمة للضم، في حين أن من المرجح أن تسجل إيران وتركيا - الخصمان الإقليميان لدول الخليج - نقاطًا لمعارضتهم الضم. في المقابل، يمكن النظر إلى دول الخليج ليس فقط على أنها تتخلى عن الفلسطينيين بل تتعاون مع (إسرائيل).

إن موقف دول الخليج تجاه القضية الفلسطينية ديناميكي وقد تطور على مدى العقدين الماضيين. كانت دول الخليج في السابق تعتمد على العلاقات مع (إسرائيل) بشأن اتفاق سلام شامل بين (إسرائيل) والفلسطينيين. واليوم، تعتبر المواقف أقرب إلى تلك التي قدمها "عبيد" أن التقدم على الجبهة الفلسطينية سيقابله تحسن في العلاقات العامة مع (إسرائيل).

في السنوات الأخيرة، سعى رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" إلى إعطاء الأولوية لتحسين العلاقات مع دول الخليج والمغرب العربي بدلا من بذل جهود بخصوص النزاع مع الفلسطينيين فيما بات يعرف بسياسة "من الخارج إلى الداخل".

جادل مؤيدو هذه الاستراتيجية في أنها تعمل على الضغط على الفلسطينيين لإظهار المرونة والموافقة على تسوية سياسية، في حين جادل النقاد بأنها تهدف في الواقع إلى وضع حد للعملية السياسية. وبغض النظر عن ذلك، اتخذ الفلسطينيون خطوات لكبح أعمال التطبيع بين (إسرائيل) والدول العربية، وخاصة دول الخليج، من أجل الحفاظ عليها كورقة مساومة تجاه (إسرائيل).

تميز التفاعل الخليجي مع (إسرائيل) بازدواجية لافتة لسنوات عديدة، حيث تتطلع دول الخليج إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن، (خاصة في ضوء التهديد الذي تواجهه من إيران)، ولكنها تجد نفسها مقيدة فيما يخص علاقات علنية أوثق مع (إسرائيل) بسبب الجمود في ملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

 ومع ذلك، فقد ساعدت التهديدات المشتركة على إبقاء التعاون السري بين الجانبين. ومن غير المتوقع أن يؤدي الضم، حتى إذا تم تنفيذه، إلى تقويض التعاون الأمني ​​الهادئ بشكل كبير. على أي حال، ستستفيد إيران من تنفيذ خطة الضم الإسرائيلية في الضفة الغربية. لن يؤدي الضم فقط إلى تحويل الانتباه عن تقدمها نحو القدرة النووية العسكرية، ولكنه سيصعب أيضًا على (إسرائيل) تعبئة الشرعية الدولية لاتخاذ إجراءات ضدها.

وإجمالا فإذا تم تنفيذ الضم، فإنه لن يؤدي إلى قطع شامل للعلاقات بين (إسرائيل) والخليج ولكنه سيعيق بلا شك القدرة على تعزيز التعاون العام.

بالرغم من علاقاتها مع (إسرائيل)، لا يمكن لدول الخليج أن تدير ظهرها للروح الفلسطينية. من وجهة نظرهم، حتى لو لم يكن هناك تقدم سياسي بين (إسرائيل) والفلسطينيين، فإن الوضع الراهن يسمح لهم بالتركيز على مشاكل أكثر إلحاحًا في الداخل والخارج.

من غير الواضح ما إذا كانت (إسرائيل) قد وُعدت بأي شيء في المقابل إذا تخلت عن الضم المخطط له. ومع ذلك، فإن دول الخليج ترى أنها تحركت بالفعل بما يكفي تجاه (إسرائيل) في الوضع الحالي، رغم أن المسار الإسرائيلي الفلسطيني لا يزال جامدا.

المصدر | يوئيل غوزانسكي/معهد دراسات الأمن القومي hgNsnhCdgd- ترجمة وتحرير الخليج الجديد