السبت 4 يوليو 2020 05:56 م

في 26 يونيو/حزيران، صوت المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على صرف قرض إضافي بقيمة 5.2 مليار دولار إلى مصر. وفي حين يهدف القرض إلى مساعدة مصر في مواجهة مشاكلها الاستراتيجية، سوف تُستخدم الأموال أيضا لمكافأة أولئك الذين ما زالوا موالين للرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، الذي أشرف على تعذيب آلاف السجناء السياسيين، بمن في ذلك بعض الأمريكيين.

واليوم، لا يمكن للثورة المضادة الهائلة في مصر أن تنجح إلا بتواطؤ الفاعلين الدوليين الذين يقدمون المليارات من المساعدات المالية لنظام "السيسي".

وبدلا من تعزيز الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري، سوف يعزز قرض صندوق النقد الدولي الفساد، ويحمي الاقتصاد الذي تهيمن عليه الأجهزة الأمنية والشركات المملوكة للدولة.

وكان "السيسي" قد صعد إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في 3 يوليو/تموز 2013، أطاح فيه بالرئيس "محمد مرسي"، أول رئيس منتخب ديمقراطيا للبلاد منذ تأسيس الجمهورية في عام 1953.

وحصل "السيسي" على الدعم المالي من ملوك دول الخليج العربية الأقوياء، الذين لا يحبون رؤية الديمقراطية تصعد إلى جوارهم.

وقد دفعهم ذلك إلى دعم الاقتصاد المتعثر في مصر لضمان بقاء النظام الجديد. وتؤدي قروض صندوق النقد الدولي لمصر، التي بلغ مجموعها نحو 20 مليار دولار منذ عام 2016، وظيفة مماثلة الآن.

تحت وطأة القمع

ويعدّ "حازم الببلاوي" أحد الشخصيات المدنية الرئيسية التي لعبت دورا في النظام العسكري الفاسد في مصر في عهد "السيسي". وبصفته رئيس الوزراء المؤقت بعد الانقلاب، ترأس "الببلاوي" أكثر الفترات دموية في التاريخ المصري الحديث.

وأمرت حكومة "الببلاوي" قوات الأمن بفتح النار على المتظاهرين المناهضين للانقلاب في "اعتصام رابعة" في أغسطس/آب 2013، ما أسفر عن مقتل أكثر من 900 شخص في يوم واحد.

ومع عدم قدرتها على قمع الاحتجاجات بالقوة الوحشية وحدها، أصدرت حكومة "الببلاوي" قانون احتجاج أكثر قسوة من قانون التجمهر الذي أصدرته السلطات الاستعمارية البريطانية في عام 1914، حيث حظر القانون الجديد فعليا التجمعات العامة لأكثر من 10 أشخاص.

ويجلس "الببلاوي" الآن على مقعد في المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي، الأمر الذي يمنحه نفوذا كبيرا يسمح له بتحويل أموال الصندوق إلى حلفائه في الحكومة المصرية.

وبدأ مواطن أمريكي ذو أصول مصرية نجا من القتل خلال مذبحة رابعة بالكشف عن شبكة العلاقات بين صندوق النقد الدولي وأبرز القادة في مصر.

ونشأ "محمد سلطان"، خريج جامعة أوهايو، بشكل أساسي في الغرب الأوسط للولايات المتحدة، لكنه حضر اعتصام رابعة في أغسطس/آب 2013، حيث أطلقت عليه قوات الأمن الرصاص.

وتم سجن "سلطان" بعد ذلك لمدة عامين تقريبا، وتعرض لمعاملة لا إنسانية، بما في ذلك تركه وحيدا في زنزانة بجوار جثة متحللة، وتشجيعه من قبل حراس السجن على الانتحار.

وبعد تدخل رفيع المستوى من قبل إدارة "أوباما"، تم إطلاق سراح "سلطان" في النهاية، وتمت إعادته إلى الولايات المتحدة في عام 2015.

وفي ما يمكن أن تكون دعوى قضائية تاريخية، رفع "سلطان" قضية ضد معذبيه السابقين مستشهدا بقانون حماية ضحايا التعذيب، حيث اتهم "الببلاوي" بالمسؤولية عن الانتهاكات التي تعرض لها خلال 643 يوما قضاها في السجن.

ورفع "سلطان" قضيته ضد "الببلاوي" في 1 يونيو/حزيران، بعد 5 أعوام من إطلاق سراحه من السجن.

وفي 9 يونيو/حزيران، ومرة ​​أخرى في 15 يونيو/حزيران، شنت قوات الأمن حملات منسقة ضد أفراد عائلة "سلطان" في عدة محافظات في مصر.

وتم اعتقال 5 من أبناء عمومته في نفس الوقت من منازلهم بمحافظتي الإسكندرية والمنوفية. ولم يكن لدى ضباط الأمن مذكرات اعتقال، ولم يعطوا أي أسباب وجيهة للاعتقال.

وبحسب ما ورد، أخبر الضباط الأقارب المعتقلين أنه إذا أسقط "سلطان" القضية ضد "الببلاوي"، فسيتم إطلاق سراحهم.

وفي اليوم نفسه، قام رجال شرطة مجهولون بزيارة والد "محمد سلطان"، "صلاح سلطان"، المحبوس في سجن وادي النظرون منذ عام 2013.

وتعد الرسالة التي يرسلها نظام "السيسي" إلى "سلطان" واضحة، ومفادها: "أسقط القضية ضد الببلاوي أو سنستمر في احتجاز أسرتك كرهائن". ولكن، يبدو أن هذه الأحداث المؤسفة لم تفعل الكثير لردع صندوق النقد الدولي.

فساد منهجي

وتعد قضية "سلطان" رمزا للفساد المنهجي والتعذيب الفظيع في مصر. وفي مارس/آذار 2016، أطاح "السيسي" بـ "هشام جنينة"، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، بعد أن أفاد "جنينة" أن مصر خسرت 600 مليار جنيه مصري، أي حوالي 76 مليار دولار، بسبب الفساد.

وبعد ذلك، تم الحكم على "جنينة" بالسجن 5 أعوام.

وتعد هيئة الرقابة الإدارية هي إحدى هيئات الدولة التي خولها "السيسي" بـ "مكافحة الفساد"، ولكن على الرغم من كونها مؤسسة مدنية اسميا، فإن هيئة الرقابة الإدارية لديها سلطات مراقبة واعتقال واستجواب المشتبه بهم.

ووضع "السيسي" أحد أبنائه في منصب رفيع المستوى في الهيئة، واستخدم الهيئة لتشديد قبضته الشخصية على بيروقراطية الدولة مترامية الأطراف.

وعمليا، لم يعد هناك أي أجهزة رقابة مستقلة في مصر، ما يعني أنه لا يوجد أي ضمان تقريبا بأن قروض صندوق النقد الدولي لن تنتهي في أيدي الجهات الخبيثة في الدولة.

ورغم ذلك، لم يفت الأوان بعد لتعديل المسار.

وقدمت 8 منظمات لحقوق الإنسان التماسات إلى صندوق النقد الدولي للتأكد من وجود آليات تضمن ألا يتم استخدام مبلغ 5.2 مليار دولار أمريكي (قيمة القرض الأخير لصندوق النقد الدولي) لمكافأة الموالين لـ "السيسي"، بدلا من توجيهها لدعم النمو الشامل وتحسين الشفافية المالية وزيادة الإنفاق الاجتماعي.

وسيتم صرف مبلغ الـ 5.2 مليار دولار على 3 شرائح. وبينما سيتم تحرير الشريحة الأولى على الفور، سيتم تحرير الشريحتين التاليتين بعد عمليات مراجعة.

ويجب أن يكون الإفراج عن الشريحتين الثانية والثالثة مشروطا. وعلى أقل تقدير، ينبغي لصندوق النقد الدولي أن يطلب إتاحة مراجعة مستقلة وتقارير شفافة عن كيفية إنفاق أموال صندوق النقد الدولي.

وسبق أن حدد صندوق النقد الدولي الفساد كتهديد رئيسي لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في مصر، لكن الفساد لا يزال كامنا في جميع أركان النظام المصري.

ويبدو أن المديرة الإدارية الجديدة لصندوق النقد الدولي، "كريستالينا جورجيفا"، مهتمة بمعالجة الفساد. لكن إذا كانت جادة، فيجب عليها فرض شروط تتعلق بالشفافية على القروض المتتالية لمصر.

وينبغي أن يشمل ذلك إنشاء وكالة مستقلة فعلا لمراقبة استخدام أموال صندوق النقد الدولي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال استعادة استقلالية الجهاز المركزي المصري للمحاسبات، وإلغاء المرسوم التنفيذي الذي يسمح الآن لـ "السيسي" بتعيين وعزل رئيس الجهاز.

وقد يكون هذا قرارا يغير اللعبة، ويرسل إشارة إلى أنه لا يمكن استخدام أموال صندوق النقد الدولي لدعم محسوبية الديكتاتوريين. وقد يرغب صندوق النقد الدولي أيضا في إعادة النظر في وجود "الببلاوي"، الذي ترأس أحد أكثر الحكومات دموية، والمتهم بتعذيب مواطن أمريكي، في مجلسه التنفيذي.

المصدر | آمي أوستين هولمز/فورين بوليسي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد