"آيا صوفيا"، صرح فني ومعماري موجود في منطقة "السلطان أحمد" بمدينة إسطنبول التركية، ويُعتبر من أهم المعالم المعمارية في تاريخ الشرق الأوسط.

واليوم وبعد تاريخ يمتد لأكثر من 1500 عام، تلغي المحكمة الإدارية العليا في تركيا، قرار تحويل "آيا صوفيا" من مسجد إلى متحف، الصادر في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1934، ويصدر الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، قرارا رئاسيا بتحويله إلى رئاسة الشؤون الدينية.

تأتي الخطوات التركية، رغم المعارضات الدولية التي طالبت بعدم إعادة "آيا صوفيا" إلى مسجد، لكن أنقرة رفضت كل هذه البيانات، وأكدت أن المسألة شأن داخلي تركي.

ويمتد تاريخ "آيا صوفيا" لقرابة 1500 عام، وللمبنى شأن كبير في الإمبراطوريتين البيزنطية والعثمانية، واحتل موقعا مرموقا كمكان عبادة للمسيحيين ومن بعهدهم المسلمون.

لذلك فإن أي تغيير يخصه سيكون له أثر بالغ على أتباع الديانتين، علاوة على ذلك فإن المبنى مدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو).

  • عقيدتان

اكتمل بناء "آيا صوفيا"، التي تعني "الحكمة الإلهية"، في اللغة اليونانية، سنة 537 في عهد الإمبراطور البيزنطي "جستنيان".

ويطل المبنى الضخم على ميناء القرن الذهبي ومدخل البوسفور امتدادا من قلب القسطنطينية.

وكان المبنى مركزا للأرثوذكسية، وظل أكبر كنيسة في العالم، على مدى قرون.

ظل المبنى تحت السيطرة البيزنطية، باستثناء فترة وجيزة في قبضة الصليبيين في القرن الثالث عشر، حتى فرضت قوات المسلمين بقيادة السلطان العثماني "محمد الفاتح" سيطرتها عليه، وحولته إلى مسجد.

بنى العثمانيون أربع مآذن، وغطوا رموزا مسيحية وقطع فسيفساء مذهبة، ووضعوا لوحات ضخمة تتزين بأسماء الله الحسنى واسم النبي "محمد"، والخلفاء الراشدين المسلمين بالأحرف العربية.

وفي عام 1934، أقام "مصطفى كمال أتاتورك" أول رئيس لتركيا، جمهورية علمانية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية المهزومة، وحول "آيا صوفيا" إلى متحف، يزوره الآن ملايين السياح كل عام.

  • خطوات التحويل

وحثت جمعية تركية، تسعى إلى إعادة "آيا صوفيا" إلى مسجد مرة أخرى، المحاكم التركية عدة مرات في السنوات الخمس عشرة الماضية، على إلغاء مرسوم "أتاتورك".

وفي الحملة الأخيرة، قالت أمام أعلى محكمة في تركيا، إن حكومة "أتاتورك" ليس لها الحق في الخروج على رغبات السلطان "محمد الفاتح"، بل أشارت إلى أن توقيع الرئيس على الوثيقة "مزور".

استندت هذه الحجة على وجود تباين بين توقيع "أتاتورك" على المرسوم، الذي صدر تقريبا في نفس التوقيت الذي حمل فيه لقبه، وتوقيعاته على مستندات لاحقة.

ودعم "أردوغان"، الذي يدافع عن الإسلام والالتزام الديني على مدار حكمه المستمر منذ 17 عاما، حملة "آيا صوفيا"، قائلا إن "المسلمين يجب أن يتمكنوا من الصلاة هناك مرة أخرى، وأثار القضية التي تمس وترا حساسا لدى كثير من الأتراك المتدينين الذين يصوتون لحزب "العدالة والتنمية" (الحاكم) خلال الانتخابات المحلية، في العام الماضي.

وذكرت صحيفة "حريت" الموالية للحكومة، الشهر الماضي، أن "أردوغان" أمر بالفعل بتغيير الوضع، لكن لا يزال من الواجب أن يتمتع السياح بزيارة "آيا صوفيا" كمسجد، مضيفة أن القضية سيتم التعامل معها بحساسية.

  • دعوات معارضة

وأثار التغيير في وضع المعلم، القلق خارج تركيا، حيث قال البطريرك "المسكوني بارثولوميو"، وهو الزعيم الروحي لنحو 300 مليون مسيحي أرثوذكسي في العالم، إن تغيير وضع "آيا صوفيا" سيتسبب في شرخ بين الشرق والغرب.

كما قالت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، إن تحويل المبنى إلى مسجد "أمر غير مقبول".

فيما قال وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو"، إن أي تغيير سيقلل من قدرة المبنى "على خدمة الإنسانية باعتباره جسرا تشتد الحاجة إليه بين أصحاب التقاليد وثقافات الدينية المختلفة".

كما قالت الجارة اليونان، التي يشكل الأرثوذكس الغالبية العظمى من سكانها، إن تركيا تخاطر بالتسبب في "فجوة وجدانية ضخمة" مع الدول المسيحية، بتحويل مبنى كان محوريا للإمبراطورية البيزنطية الناطقة باللغة اليونانية وللكنيسة الأرثوذكسية.

بينما انتقدت تركيا ما تصفه بأنه تدخل أجنبي، وقال وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو"، إن "هذه قضية سيادة وطنية.. المهم هو ما يريده الشعب التركي".

وسبق لـ"أردوغان"، أن قال إن الشعب التركي هو من سيحدد مصير "آيا صوفيا"، مضيفا أنه "من الممكن أن يجري السياح زيارات لآيا صوفيا بصفته مسجدا، مثله مثل "السلطان أحمد".

ولاحقا طمأن متحدث الرئاسة التركية "إبراهيم قالن"، زوار "آيا صوفيا"، بأن فتحه كمسجد للعبادة، لا ينقص شيئا من هويته التاريخية العالمية، وبإمكان المزيد من الناس زيارته.

المصدر | الخليج الجديد