الثلاثاء 28 يوليو 2020 07:49 ص

لطالما ارتبطت ذكريات سوء الحكم والقمع والحصار في محافظة تعز جنوب غربي اليمن، مع اسم "صالح" (اسم عائلة الرئيس السابق الراحل "علي عبدالله صالح")، وكان يثير مشاعر عدائية لدى سكان هذه المنطقة، لكن يبدو أن الأموال الإماراتية ستغير ذلك.

وبسبب تلك الأموال الإماراتية، ينضم اليوم اليمنيون الفقراء في تعز إلى صفوف "طارق صالح" رغم أن الكثيرين يرون أنه مسؤول عن مئات القتلى في المحافظة.

وبصفته ابن شقيق الرئيس الراحل "علي عبدالله صالح" الذي أطاحت به انتفاضة شعبية في عام 2012، فلدى "طارق" العديد من الأعداء في تعز، خاصة بين مؤيدي حزب الإصلاح، الذي يعد قوة محلية لها ثقلها ولديها قدرة على أن تتعاون مع السعودية وتعادي الإمارات في الوقت ذاته.

كما تلطخت سمعة "طارق" بالعنف، حيث اتهم بقيادة حملة قمع قاتلة للاحتجاجات المناهضة لـ"صالح" في 2011، وخدم لاحقًا في صفوف قوات عمه في 2014 عندما تحالف الرئيس المخلوع مع الحوثيين ضد الحكومة.

أما في عام 2017، فقد أدت محاولة "علي عبدالله صالح" لتغيير انحيازاته ودعم الحكومة اليمنية والتحالف الذي تقوده السعودية والإمارات إلى قتله بشكل درامي على يد الحوثيين.

جمع "طارق" بقايا قوات عمه، وتوجه للجنوب الغربي، حيث تسلم الأسلحة والأموال من قبل رعاة جدد هم السعودية والإمارات، وأنشأ "قوات المقاومة الوطنية" المدربة جيدًا، والتي تتكون في المقام الأول من أعضاء سابقين في الحرس الجمهوري اليمني.

لم يتقبل حزب الإصلاح وأهل تعز الأمر أبدًا، بالرغم أن أنشطة "طارق" كانت مقتصرة لفترة طويلة على الساحل الغربي حول المخا، حيث زاد تواجد قوات المقاومة الوطنية حول تعز، في ظل جذب الرواتب العالية المغرية لمقاتلين جدد كل يوم.

وبالرغم أن هذه الأموال قد ساعدت في مسح ذاكرة الكثيرين، لكن عداوة الإصلاح ظلت دون تغيير، وقد امتد التنافس بين القوتين بالفعل إلى صراع مفتوح بين الأطراف.

حكم المال

تقدر رواتب مقاتلي قوات المقاومة الوطنية بـ10 أضعاف رواتب جنود الجيش اليمني، وقد دفع احتمال الحصول على رواتب أعلى الآلاف من المقاتلين الذين يدعمون الرئيس المنفي "عبدربه منصور هادي" إلى مغادرة المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، للانضمام إلى "المقاومة الوطنية".

يعيش معظم المقاتلين الآن في بلدة التربة في ريف تعز التي تقع على الطريق الرئيسي الاستراتيجي بين عاصمة المحافظة التي تحمل نفس الاسم ومدينة عدن الساحلية.

وقال "علي الأنسي"، القائد في قوات المقاومة الوطنية، لـ"ميدل إيست آي": "نحن نقاتل الحوثيين على الساحل الغربي لتحرير اليمن، لكن التربة هي مكان جيد للعيش".

يوجد لدى "أنسي" عدة مركبات عسكرية ويخزن عددا صغيرا من الأسلحة في قبو منزله دون أي معارضة من سكان البلدة. صحيح أن إيجاره باهظ الثمن، لكن المالك لا مشكلة لديه في الأسلحة.

لكنه يقول إن هذا النوع من القبول غير موجود في عدن ولحج، لأن الجنوبيين لا يرحبون بشماليين يحتفظون بالأسلحة في أحيائهم.

وقال "أنسي": "أستخدم المركبات والأسلحة العسكرية لمحاربة الحوثيين على الساحل الغربي وما هو مخزّن في التربه ليس سوى جزء مما قد نحتاجه على جبهات أخرى".

وبما أن "قوات المقاومة الوطنية" قد حلت محل القوات السودانية والإماراتية على الساحل الغربي، فإن مقاتليها يتلقون رواتبهم بالريال السعودي، على عكس مقاتلي الحكومة، الذين يتلقون رواتبهم بالعملة المحلية.

وقال "أنسي": "إذا كان هناك من يريد الانضمام إلى المعارك معنا فهو موضع ترحيب كبير وسيتلقى راتبه من الشهر الأول".

علاوة على ذلك، تستعين "قوات المقاومة الوطنية" بالحراس والسائقين من السكان المحليين، وبالتالي تجذب مؤيدين جدد وتشجع السكان ليصبحوا أكثر تقبلًا لوجود المجموعة في مناطقهم، على الرغم من عدائهم السابق.

لكن مقاتلي قوات المقاومة يدفعون إيجارات عالية، ويدفع بعضهم ما يصل لضعف الإيجار المعتاد، وقال "أنسي": "أصحاب العقارات رفعوا إيجاراتهم لكننا ندفع حسب طلبهم. نحن نازحون ولسنا راضين بدفع إيجارات عالية. خطايانا هي أننا نحاول تخفيف معاناة الناس في المناطق الريفية".

أجبرت هذه التطورات الشرطة العسكرية الموالية للإصلاح في مدينة تعز على إرسال تعزيزات لفرض قيود على حركة قوات "صالح" في منطقة التربة.

الاحتجاجات

نتيجة لذلك، خرجت "قوات المقاومة الوطنية" ومؤيديها في تعز إلى الشوارع في مدينة تربة في نهاية الأسبوع الماضي، مطالبين بسحب المعسكرات العسكرية الجديدة، التي يرتبط معظمها بقوات الإصلاح في المنطقة.

وشارك الحزب العربي الديمقراطي الناصري وحزب المؤتمر الشعبي العام -حزب "علي عبدالله صالح"- في الاحتجاجات، حيث رفعوا صور "طارق" في تعز للمرة الأولى منذ 2011.

لم تكن هذه صدمة فقط لمعارضي "صالح" في تعز، ولكن أيضًا للأشخاص المستقلين الذين يتذكرون معارضة الحزب الناصري (الذي حالف الإصلاح) لقوات المقاومة الوطنية.

وقال "مبارك علوان"، عضو الحزب الناصري، لـ"ميدل إيست آي": "لقد قاتلت قوات الإصلاح القوات الناصرية على عدة جبهات واليوم تريد السيطرة على التربة، لذلك خرجنا إلى الشوارع لنقول للميليشيات توقفوا، لقد خرجنا إلى الشوارع ضد طارق في الماضي، لكننا اليوم نصطف ضد الإصلاح لذا سندعمه حتى ننقذ تعز من ميليشيات الإصلاح".

اندلعت اشتباكات بين أنصار "صالح" والناصريين من جهة، والشرطة العسكرية المدعومة من الإصلاح من جهة أخرى.

قال "علوان" إنه ليس مقاتلاً، لكنه بدأ مؤخرًا في دعم "صالح" بعد أن رأى أن مقاتليه مخلصون للبلاد ويقبلون أي شخص في صفوفهم، وأضاف: "لا يوجد تمييز بين قوات طارق، ويمكنك أن تجد مقاتلين من كل مكان ومن أطراف مختلفة، لكن الإصلاح يقبل فقط أفراده".

وبينما توقفت الاشتباكات العنيفة يوم الأحد، لا تزال القوات من الجانبين تنتشر في منطقة التربة، واندلع القتال مرة أخرى بشكل متقطع.

ويعتبر التوتر بين القوات المدعومة من الإمارات ومقاتلي الإصلاح في تعز ليس جديدا، لكن التطور الكبير هو تدخل "قوات المقاومة الوطنية".

ليس لدى "سعيد" (29 عامًا) خبرة قتالية، لكنه انضم إلى المعارك مع "قوات المقاومة الوطنية" بعد تشجيع من والده، المناهض للإصلاح.

وقال "سعيد" لـ"ميدل إيست آي": "كان الناس في تعز يكرهون طارق، لكن الإصلاح أسوأ منه، لذا فإن الناس يدعمون الحرس الجمهوري للانتقام من الإصلاح، الذي يدمر مدينة تعز".

هناك عدة مجموعات في تعز تحت قيادة الإصلاح، لكن الناس اتهموا الحزب بالفشل في إنقاذ المدينة من المتمردين الحوثيين الذين يسيطرون على شمالها، بما في ذلك الطرق الرئيسية الثلاثة في المحافظة.

وقال "سعيد": "إن أسلحة الحرس الجمهوري تطلق النار على الحوثيين فقط، لكن ميليشيات الإصلاح انتشرت في المدن لتحصيل الضرائب والقتال من أجل مصالحها".

يعلم "سعيد" أن قوات "طارق صالح" قاتلت إلى جانب الحوثيين، لكنه يعتقد أن ما حدث بعد وفاة عمه يختلف عما قبله، وقال: "لكل الأطراف والجماعات تاريخ مظلم، لذلك نتعامل مع الناس حسب المواقف الحالية".

الولاءات

ورغم أن الإصلاح موالٍ لـ"هادي" ويمثل الحكومة في تعز، لكن من الصعب على الحزب فرض قراراته على جميع الأطراف هناك.

وقال "أحمد"، أحد أفراد الشرطة العسكرية، لموقع "ميدل إيست آي": "نعتبر قوات طارق ميليشيات لأنها ليست مخلصة للرئيس ولا تملك أي سلطة للبقاء في تعز".

وأضاف: "إذا أراد مقاتلو طارق محاربة الحوثيين، فيمكنهم التحرك بأسلحتهم ومركباتهم إلى الساحل الغربي بدلاً من الانتشار في المناطق الريفية في تعز".

وقال "أحمد" إن العديد من السكان لا يريدون بقاء مقاتلي المقاومة الوطنية في قراهم، لكنهم لا يجرؤون على التحدث لأن معظمهم مدنيون ويخافون من القادة العسكريين.

وتابع: "السؤال الكبير هو لماذا يفضل هؤلاء المقاتلون القرى وليس المدن؟ وذلك لأنهم يستطيعون التحرك بحرية في القرى لتخزين أسلحتهم وجذب مقاتلين جدد".

ولم يشارك في الاحتجاجات والاشتباكات الأخيرة في التربة أنصار "صالح" فقط، ولكن جميع الأطراف المدعومة من الإمارات، على حد قوله.

وأضاف: "إن أموال الإمارات هي التي تدمر تعز والدولة بأكملها. نجحت الإمارات في تقسيم جيش تعز بأموالها. وفي الوقت الحاضر، يمكننا أن نرى ألوية جديدة تدعم الإمارات".

فقد العديد من اليمنيين وظائفهم خلال السنوات الخمس الماضية ولجؤوا إلى الانضمام إلى الميليشيات من أجل إعالة أسرهم.

وقال "أحمد": إن "القوات المدعومة من الإمارات استغلت فقر اليمنيين، وبعض المحتاجين ينضمون إلى القوات المدعومة من الإمارات من أجل المال".

وأضاف: "المقاتلون الموالون لبلدهم هم فقط الذين ما زالوا يقاتلون تحت قيادة هادي، حتى لو كانوا يتلقون رواتب منخفضة للغاية".

المصدر | ميدل إيست آي - ترجمة الخليج الجديد