الأربعاء 29 يوليو 2020 09:25 ص

حوّل رئيس أركان الجيش الإسرائيلي "أفيف كوخافي" مصطلح "الفتك" إلى موضوع مركزي في فترة ولايته.

ويبذل "كوخافي" جهودًا كبيرة لتحسين القدرات القتالية المميتة للجيش بما في ذلك ضرب أكبر عدد ممكن من الأهداف في أقصر وقت بفضل التفوق التكنولوجي الحاسم للجيش الإسرائيلي من حيث الاستخبارات والقوة الجوية و "النيران المضادة" الدقيقة.

ويعتبر هدف "كوخافي" ببساطة: إلحاق أكبر قدر من الأضرار والخسائر الجسيمة بالخصم من خلال رفع القدرة العسكرية للجيش الإسرائيلي على حدوده من أجل تقصير مدة الحرب القادمة.

يعتقد رئيس الأركان الإسرائيلي أنه إذا كان الضرر الذي سيلحق بـ"حزب الله" هائلا خلال مواجهته القادمة مع الجيش الإسرائيلي، فإن زعيمه "حسن نصرالله"، سيخلص إلى أنه لا فائدة من استمرار المواجهة مع (إسرائيل).

وبعبارة أخرى، كلما ازداد الفتك، قل الوقت الذي سيستغرقه وقف القتال وستوفر (إسرائيل) على نفسها حربًا طويلة الأمد ومكلفة ودموية في المرة القادمة.

كانت التطورات في الساحة الإسرائيلية اللبنانية في السنوات الأخيرة هي عكس هذا السيناريو تمامًا، فقد كان هناك الكثير من النار والدخان والانفجارات، ولكن سقط عدد قليل جدًا من الضحايا، ما مكن كلا الجانبين من التظاهر بأنه قام بضربات مؤلمة ضد الآخر.

كان هذا هو الحال في 27 يوليو/تموز، عندما عبر فريق من 3-5 مقاتلين من "حزب الله" الحدود الدولية "الخط الأزرق" بين لبنان و(إسرائيل) المعروف من قبل اللبنانيين باسم مزارع شبعا، الساحة المعتادة للاشتباكات بين (إسرائيل) و"حزب الله"، وذلك في طريقهم لتنفيذ هجوم على قوات الجيش الإسرائيلي.

كان الجيش الإسرائيلي ينتظر مثل هذه المحاولة منذ أيام، واستعد إلى أقصى درجة لتجنب المفاجأة، حدد راصدون للجيش الإسرائيلي مقاتلي "حزب الله" الذين يعبرون الخط الحدودي (وهي منطقة لا يوجد فيها سور) ورفعوا ناقوس الخطر.

قال مصدر عسكري كبير، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"المونيتور" في وقت لاحق من ذلك اليوم: "أبقيناهم في أعيننا وتتبّعناهم على طول مئات الأمتار.. وفتحنا نيرانا شديدة عندما اقتربوا من موقع الجيش الإسرائيلي المطل على منحدرات جبل الشيخ".

ومع ذلك، لا يزال هناك سؤال كبير، كان بنتظار المتسللين كتيبة مشاة معززة، مدعومة بدبابة "ميركافا" وطائرة ومروحيات، لكن ذلك فشل في إصابة أي من المتسللين وبدلاً من ذلك تم السماح لهم بالعودة إلى لبنان دون خدش، بمعنى آخر، ماذا عن عقيدة "الفتك" الشهيرة للجيش الإسرائيلي؟

الجواب بسيط، صدرت تعليمات للجيش الإسرائيلي بمحاولة إنهاء الحدث دون وقوع إصابات من أي من الجانبين من أجل تجنب إطلاق سلسلة من ردود "حزب الله" وردود الفعل الإسرائيلية المضادة، وذلك حتى لا تتطور الأمور لشيء أسوأ.

 لبنان غارق في أزمة اقتصادية لم يسبق لها مثيل، و"نصرالله" تحت الحصار السياسي مع توجيه اللوم له على جره لبنان إلى الأزمة الحالية، وهذا يشبه الوضع في (إسرائيل) إلى حد ما، فقد ارتفعت البطالة في غضون أسابيع من لا شيء تقريبًا إلى أكثر من 20% كما أن شعبية رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" تتراجع، وآخر شيء يحتاجه الآن هو الحرب.

كان من المفترض أن تنتقم عملية "حزب الله" من مقتل أحد مقاتلي الحزب، "علي كامل محسن جواد"، الذي قتل في هجوم 20 يوليو/تموز على هدف إيراني بالقرب من دمشق، لم يتستثمر "نصر الله" بشكل واضح في عملية الانتقام هذه بالرغم من أنه يلتزم بالقواعد التي وضعها قبل أكثر من عام.

ووفقًا لهذه القواعد، فإن "حزب الله" سيرد على مقتل كل شخص من مقاتليه، ليس فقط في لبنان ولكن في الساحة السورية أيضًا، لكن هذه المرة، سعى "نصرالله" لضمان عملية انتقامية منخفضة التكلفة، ولم يعلن بنفسه عن الحادث، بل أرسل نائبه "نعيم قاسم" لمواجهة كاميرات التليفزيون والتحدث مع الصحفيين المرتبطين بالحزب.

ومع ذلك، نفى "حزب الله" التقارير الإسرائيلية عن الحادث، مدعيا أنه لم يحدث مطلقا، وأن الانتقام لمقاتله في سوريا قادم.

أجبر هذا الرد غير المتوقع "نتنياهو" ووزير الدفاع "بيني جانتس" على استدعاء طواقم الكاميرات إلى مقر وزارة الدفاع في تل أبيب من أجل توجيه تهديد إلى "حزب الله".

وقال مصدر عسكري إسرائيلي رفيع لـ"المونيتور" شريطة عدم الكشف عن هويته: "إذا ضرب حزب الله الجنود الإسرائيليين، فإن (إسرائيل) ستضرب العشرات من مقاتلي حزب الله في رد غير متناسب".

على عكس جولات العنف السابقة بين الجانبين، استمرت التوترات هذه المرة لمدة أطول من المعتاد، كما أن إعلان "حزب الله" وتهديدات "جانتس" و"نتنياهو" تجعل الأجواء مرشحة للتصعيد.

وتعبر الأطراف المعنية وراء الكواليس، عن قلقها العميق، على الجانب اللبناني، تنتشر التكهنات حول مأزق "نصرالله" المحاصر ما قد يدفعه لاعتبار أن الهجوم على (إسرائيل) لدفع الإسرائيليين إلى الملاجئ هو الشيء الذي يحتاجه لإعادة بناء صورة حركته التي تأثرت كثيرا.

ظهرت مخاوف مماثلة في (إسرائيل) حيث تقول مصادر سياسية بارزة إن البعض في دائرة "نتنياهو" يحاولون استغلال فكرة الوضع الحالي لتوجيه ضربة استباقية قوية ضد "حزب الله" من شأنها أن تزيل أو تقلل على الأقل التهديد المتزايد للصواريخ والقذائف الدقيقة المتراكمة.

ووفقًا لهذه النظرية، فإن حقيقة أن الاقتصاد الإسرائيلي في أزمة ولبنان على وشك الانهيار تجعل الظروف الحالية مثالية لضربة إسرائيلية استباقية، كما أن وجود رئيس أمريكي متعاطف مثل "دونالد ترامب" تغذي هذه الفكرة بشكل أكبر، وكذلك فإن الظروف السياسية الشخصية لـ"نتنياهو" والمأزق في اتصالاته مع منافسه/شريكه "جانتس" تعزز هذا الاتجاه.

بعبارة أخرى، بالرغم من النبرة الساخرة إلى حد ما في بداية هذه المقالة فيما يتعلق بشعار الجيش الإسرائيلي "الفتك"، لكن الأشهر المقبلة يمكن أن تجر كلا الجانبين إلى "فتك غير مسبوق"، والذي قد لا يقصده أي من الطرفين، في البداية.

وحتى الآن، أبدى "نتنياهو" قدرا كبيرا من الحذر بشأن المغامرات العسكرية، ولكن هذا الوضع قد لا يستمر حيث لم يجد "نتنياهو" نفسه في مثل هذا الطريق المسدود وتحت هذا الحصار الشديد من قبل.

المصدر | بن كاسبيت | المونيتور- ترجمة وتحرير الخليج الجديد