السبت 8 أغسطس 2020 01:47 م

ستؤدي جائحة "كورونا" إلى تآكل الاستقلال السياسي والاقتصادي لإمارة دبي عن أبوظبي، فبدون الأدوات والتمويل اللازمين لدعم تعافي دبي، من المرجح أن تضطر إلى الاعتماد على خطة إنقاذ أخرى من أبوظبي الثرية، مما قد يؤثر على خطط التنمية في دبي، خاصة في مجال السياحة والتمويل.

وتهدد جائحة "كوفيد -19" النمو في القطاعات الرئيسية التي غذت اقتصاد دبي على مدى العقد الماضي، بما في ذلك العقارات والبناء والسياحة والخدمات المالية.

كما أن هناك تراجعًا في الخدمات التي تعتمد على الاستهلاك القوي أيضًا، بما في ذلك المطاعم والحانات وصالات الألعاب الرياضية ودور السينما. ويتوقع ما يصل إلى 70% من هذه الشركات إغلاقها بحلول خريف 2020، وفقًا لغرفة تجارة دبي.

ويشهد سوق العقارات في دبي، والذي يعاني بالفعل من زيادة في العرض وكان في حالة تراجع قبل الوباء، انخفاضًا سريعًا في الإيجارات والقيمة مدفوعًا بمزيج من مغادرة المغتربين للبلاد وتجنب المستثمرين لعمليات الشراء الجديدة.

ووفقًا لتقرير حديث لشركة "شيسترتونز"، انخفضت الإيجارات في دبي بنحو 15% في الربع الثاني من عام 2020. وانخفض حجم البناء وحدثت عمليات تسريح جماعي للعمال حيث قام المطورون الرئيسيون في الإمارة بإبطاء أو إيقاف المشاريع أو إلغائها.

ولا يزال قطاع السياحة في دبي في حالة من السقوط الحر، مع قلة عدد السياح القادرين على زيارة الإمارات حتى مع إعادة فتح حدود الدولة. وقال الرئيس التنفيذي لشركة "طيران الإمارات" ومقرها دبي إن الأمر قد يستغرق ما يصل إلى 18 شهرًا قبل أن يعود القطاع إلى طبيعته.

كما تم تأجيل معرض "إكسبو 2020" الخاص بدبي -الذي كان من المتوقع أن يجذب 25 مليون مشارك من جميع أنحاء العالم - إلى عام 2021 بسبب جائحة "كورونا".

كما أن قطاع الخدمات المالية في دبي يتدهور كذلك، حيث شهد بنك الإمارات الوطني في دبي -أكبر بنك في الإمارة - انخفاضًا في أرباحه بنسبة 45% في النصف الأول من عام 2020، نظرا لعدة أسباب منها مراكمة الاحتياطيات تحسباً للتخلف عن تسديد العديد من القروض خلال الوباء.

ولكن؛ من المرجح أن تقبل دبي المساعدة من أبوظبي، طالما أنها بدون احتياطيات مالية قوية وذلك لتخفيف الضربة الاقتصادية.  

ستشعر أبوظبي بأنها مضطرة للتدخل، لتحقيق الاستقرار في وضع اقتصاد البلاد، وهي في وضع يؤهلها للقيام بذلك، مع وجود صناديق ثروة سيادية أكبر في هيئة أبوظبي للاستثمار (696 مليار دولار) وشركة مبادلة للاستثمار (228 مليار دولار) ، مع السيطرة على احتياطيات النفط الضخمة لدولة الإمارات.

كان صندوق الثروة السيادي في دبي "مؤسسة دبي للاستثمار"، يمتلك 239 مليار دولار من الأصول قبل الوباء، لكن العديد من هذه الأصول موجودة في دبي نفسها، والتي تتراجع قيمتها الآن بسرعة.

ولا يعتبر صندوق الثروة السيادي في دبي في وضع يسمح له بتغطية فاتورة ديونه السابقة للوباء، المتعلقة بالحكومة والبالغة 88.9 مليار دولار، مما قد يؤدي إلى أزمة مالية أخرى.

كما أن الصندوق ليس قوياً بما يكفي لتحفيز الاقتصاد المتدهور للإمارة وضمان استمراره في العمل كشبكة أمان اجتماعي لـ 254 ألف إماراتي من مواطني دبي.

شروط مساعدة أبوظبي

من المرجح أن تطالب أبوظبي دبي بالتنازل عن السلطة السياسية لإمارة العاصمة، في مقابل دعمها المالي.

منحت أبوظبي دبي خطة إنقاذ بقيمة 10 مليارات دولار خلال الأزمة المالية لعام 2009، والتي لم تسددها دبي بالكامل بعد.

تضمنت خطة الإنقاذ هذه في عام 2009 تنازلات سياسية، مثل إعادة تسمية ناطحة سحاب برج دبي إلى برج خليفة وتقديم دعم أكبر من دبي ضد مقاومة الإمارات الشمالية الخمس الأفقر.

قد تكون الأزمة الاقتصادية الحالية التي يسببها الوباء في دبي أسوأ من أزمة عام 2009، وبالتالي تتطلب إنقاذًا أكثر تكلفة من أبوظبي، مما يربط دبي بمزيد من القيود.

من المرجح أن تجبر التنازلات السياسية المرتبطة بخطة إنقاذ "كورونا" دبي على الانحياز لأبوظبي في مسائل الخلافة والتحديات الداخلية من الإمارات الشمالية، فضلاً عن الشؤون الخارجية.

ستضمن أبوظبي عمل دبي بشكل متزايد كمكبح داخلي للتحديات من الإمارات الشمالية الخمس الأخرى، التي تعترض أحيانًا على سيطرة أبوظبي على سياسات البلاد.

خلال الربيع العربي؛ أرسلت أب ظبي قوات الأمن إلى إمارة رأس الخيمة الشمالية لاحتجاز نشطاء واعتقال فرد واحد على الأقل من العائلة المالكة يشتبه في قيامه بأنشطة ثورية.

لا تزال هناك معارضة من الإمارات الشمالية الخمس، حتى داخل العائلات المالكة، كما أن قبول أسرة "آل مكتوم" الحاكمة في دبي لعمليات أبوظبي الأمنية ضد هذه القوى أمر مهم للحفاظ على الاستقرار السياسي في البلاد.

أما على النطاق الأوسع؛ فمن المتوقع أن تحافظ دبي على دعمها لعقوبات الحكومة الإماراتية على إيران، بل وأن تعززها أيضًا، والأمر ذاته يسري على دعم الحصار المفروض على قطر، وربما استراتيجية الإمارات الإقليمية ضد "الإخوان المسلمين".

سيكون تحالف دبي مع أبوظبي بمثابة حصن سياسي ضد الإمارات الشمالية الأخرى في البلاد، خاصة رأس الخيمة، وعائلتها الحاكمة الأكثر انفتاحاً على بناء العلاقات مع إيران وقطر.

مستقبل دبي تحت سيطرة أبوظبي

قد يؤدي منح أبوظبي دورًا أكبر في الشؤون الاقتصادية والسياسية الداخلية إلى تقييد قدرة دبي في النهاية على النمو بوتيرتها الخاصة.

قد تضطر دبي إلى قبول اقتصاد أصغر وأكثر انسيابية يقلل من مخاطر عمليات الإنقاذ المستقبلية من أبوظبي ويخفف من تأثير الديون المستحقة المتعلقة بالحكومة في السنوات المقبلة.

ومن شأن ذلك أن يقوض استراتيجية دبي الاقتصادية المستقلة ويطيح بطموحات حكومة دبي طويلة الأجل نحو قطاع سياحي قوي وسوق عقاري نابض بالحياة وخدمات مالية قوية.

قد تظل بعض المشاريع في دبي، مثل مطار "آل مكتوم"، متوقفة مؤقتًا على المدى المتوسط​​، بينما من المحتمل أن تظل المشاريع الأخرى التي كان من المقرر أن تبدأ قريبًا، مثل ميناء "خور دبي"، مجمدة ويمكن التخلي عنها في النهاية.

قد يؤدي تدخل أبوظبي أيضًا إلى إضعاف قدرة دبي على تحفيز اقتصادها وتنميته عبر المشاريع العملاقة والفعاليات الطموحة مثل "إكسبو 2020".

ونتيجة لذلك، قد ينتقل مركز الثقل في التطورات واسعة النطاق في الإمارات في نهاية المطاف إلى أبوظبي بدلاً منها.

من غير المرجح أيضًا أن تدعم أبوظبي اقتصاد دبي وضع بشكل له بالنمو القوي اللازم لإعادة العديد من العمال الوافدين الذين غادروا البلاد في خضم أزمة "كوفيد-19" الحالية.

وقد يترك هذا دبي مع عدد سكان أقل وقاعدة مستهلكين أصغر، مما يزيد من إعاقة تعافيها الاقتصادي.

يذكر تقرير حديث من "رويترز" أن ما يصل إلى 200 ألف عامل -معظمهم من الهند وباكستان والفلبين ونيبال- غادروا الإمارات بالفعل في خضم جائحة "كورونا".

ومع تغيير التوازن الديموجرافي؛ يمكن أن تؤدي الخسارة المستمرة للعمال الوافدين إلى تحويل هيكل الطبقات الاجتماعية في دبي بعيدًا عن التسلسل الهرمي السابق للوباء الذي كان يفضل العمالة الوافدة الوفيرة والرخيصة ما يعني أن الإماراتيين قد يلعبون دورًا محوريًا في الاقتصاد خلال الفترة المقبلة.

المصدر | ريان بول/ ستراتفور - ترجمة الخليج الجديد