الثلاثاء 8 سبتمبر 2015 05:09 ص

هل تتذكرون حديث «الشعب يريد إسقاط النظام»؟ و«إذا الشعب يوما أراد الحياة…»، يوم استعادت مفردات الحرية والكرامة والعدالة مكانتها ونفضت عنها الجماهير صدأ الخوف والتدجين؟ 

هل نحتاج التذكير، وجماهير ساحات الاحتجاج والتظاهر ضد الأنظمة المستبدة، الفاسدة، في البلاد العربية، لاتزال تكررها بلهجات أهلها المتنوعة، في شوارع مدنها، مضافا إليها «طلعت ريحتكم» و«نواب الشعب كلهم حرامية» و«باسم الدين سرقونا الحرامية»، بينما تواصل الأنظمة اتهام الجماهير بالعمالة حينا والإرهاب حينا آخر ؟

مع ذلك، لنذكر. وليكن العراق نموذجا. لمطالب المواطنين تاريخ يحاولون طمسه في دولة الفساد. مظاهرة أهل الموصل في أبريل/ نيسان 2003، بعد أيام من الغزو. مظاهرة في النجف بعدها بأيام ورمي جنود الاحتلال بالحجارة. النساء أمام معتقلات الاحتلال وحكومات الاحتلال المتعاقبة (أو الاحتلالين منذ دخول الميليشيات الإيرانية على الخط) منذ عام 2004. 

تظاهرة أهل الفلوجة أمام مدرسة ابتدائية مطالبين بعودة أطفالهم للدراسة وإخلاء المدرسة من قوات الاحتلال الأمريكي، فكانت النتيجة الهجوم الأمريكي الأكبر منذ حرب فيتنام، وقتل الآلاف وهديم 70 % من المدينة. وكانت لساحة التحرير ببغداد والموصل والبصرة والسليمانية مشاركتها في ساحات الانتفاضات العربية. فاتهم المتظاهرون بالإرهاب وتم اعتقال واغتيال عدد من قادتهم وتسويف المطالب عبر نداءات وكلاء المرجعية الشيعية، ولملمة ساسة العملية السياسية شتاتهم لمواجهة الشعب. 

واليوم؟ يواصل الشعب النزول إلى الشوارع إيمانا منه بمشروعية حقوقه. لايزال الشعب، ممثلا بمتظاهريه، هو المشكلة التي يستقتل النظام لمواجهتها بكل الطرق الممكنة. 

من الترغيب إلى الترهيب. من توزيع مياه الشرب للمتظاهرين إلى حماية المنطقة الخضراء إلى اغتيال عدد من المتظاهرين ليكونوا عبرة لمن يعتبر، إلى تحشيد أجهزة الإعلام لتلويث التظاهرات بصبغات مختلفة تراوح ما بين «استهداف الدولة»، كما صرح رئيس الوزراء «حيدر العبادي» إلى العمالة لـ «قوى خارجية»، خاصة، بعد أن فشلت تهمة الطائفية، كما نقلت قناة «السومرية»، المدعومة من قبل رئيس الوزراء السابق «نوري المالكي»، الذي قضى سنوات حكمه مكرسا تقسيم العراقيين إلى أمة «الحسين» وأمة «يزيد»، خبرا مفاده أن مخطط التظاهرات «يهودي صهيوني ماسوني» من أصل عراقي.

واختارت القناة، تحويل الأنظار عن طامة قلة الخدمات واستشراء الفساد في حكومات حزب الدعوة أو«العراق الجديد»، طيلة اثني عشر عاما، مقارنة بما نجح فيه عراقيو «العراق القديم»، بعد ستة اشهر من العدوان الأمريكي، عام 1990، الذي ألقى قنابل تعادل ثلاثة أضعاف القوة التدميرية لقنبلتي هيروشيما وناغازاكي على بغداد والمدن العراقية الأخرى في إعادة الكهرباء وسائر الخدمات وإعادة بناء حوالي 120 جسرًا جرى قصفها.

إن أجواء المظاهرات مشجعة، حتى الآن، في لاطائفيتها وفشل الأحزاب الفاعلة ضمن النظام في الاستحواذ عليها تماما، وإن نجح عدد منها باختراقها ويبدو ذلك واضحا من حملة رايات وشعارات «الديمقراطية» الصقيلة، الملونة، ذات التكلفة العالية، البعيدة عن إمكانيات المواطن العادي حامل قطع الكارتون المخطوطة بيده. تعاني المظاهرات، أيضا، من عدم توحيد المطالب، وجعلها شاملة لكل المواطنين.

فلكل فرد ولكل مجموعة ولكل محافظة أو مدينة مطالبها، مستهدفة رموز الفساد المحلية في المحافظة أو المدينة، مما يدل على عدم وجود خطة عمل استراتيجية لتوحيد المطالب أو ترتيبها حسب الاولوية. هذا الضعف يشجع مناوئيها على استنفاد طاقة المتظاهرين في مسائل ثانوية، وتضعف قدرتهم على المواصلة وتحقيق الهدف الاستراتيجي.

المتظاهرون يحتاجون الى تحقيق نجاح ما مهما كان صغيرا، لشحن طاقتهم وليس تبديدها، ولأجهزة الاعلام، دور كبير في دعم أو تلويث واستغلال التظاهرات الجماهيرية، خاصة، عن طريق الفضائيات والنقل المباشر. 

فقد قامت قناة «البغدادية»، ومقرها بالقاهرة، مثلا، بتبني سياسة دعم التظاهرات الداعية إلى «الإصلاح والقضاء على الفساد»، سيرا على خطى المرجعية الشيعية أولا، ثم دعمت بحماس إعلان العبادي عن «حزمة» إصلاحات إثر دعوة «المرجعية الحكيمة» ثانيا، ثم شنت القناة حملة لإلقاء القبض على «المالكي» بعد ذهابه، أو هربه، إلى إيران، في أعقاب صدور تقرير برلماني عن مسؤوليته في سقوط مدينة الموصل بيد داعش (الدولة الإسلامية)، ثم بدأت حملة «تفويض» المتظاهرين لـ«العبادي» لتنفيذ الإصلاحات الموعودة، تلاها حملة المطالبة بإلقاء القبض على رئيس القضاء الأعلى. 

توالي هذه المطالب وبسرعة مع عدم تنفيذ النظام لأي منها، على الرغم من حماس القناة ولجوئها إلى تكريس بثها كله لدعم التظاهرات، يقلل من ثقة الجمهور بالدور القيادي، الممثل للشعب، الذي رسمته لنفسها، مع احترامنا حسن النية. وكأن توالي المطالب وتغيير التركيز عليها، لم يكن كافيا، بدأت القناة بشن حملة تطالب بالقاء القبض على رئيس البرلمان، ومعاقبته بتهمة الخيانة، لأنه زار الدوحة، أخيرا، وسرت الشائعات بأنه حضر مؤتمرا عقدته وزارة الخارجية القطرية، المتهمة بالإرهاب الداعشي، بحضور جهات معارضة للعملية السياسية ومنها حزب البعث، المتهم بأنه داعش. 

ولست معنية، هنا على الأقل، ببحث مجريات اللقاء أو تبرئة رئيس البرلمان «سليم الجبوري»، فالأخير جزء من العملية السياسية الفاسدة وأية محاولة لتبرئة هذه او ذاك من ساستها، لن يؤدي إلا إلى تجزئة النضال الجماهيري، وبالتالي إشغال المتظاهرين بمسائل ثانوية هم في غنى عنها، ويكفيهم ما يتعرضون له من مخاطر تمس حياتهم.

ما يعنيني هو جدوى فتح جبهات كهذه وتأثيرها على ديناميكية الأحداث من أجل تحقيق الهدف الرئيسي للمتظاهرين، والتساؤل لا يعني قناة «البغدادية» وحدها. إن خلق شعارات المطالب المتعددة، وان كانت لتلبية حاجات شريحة من الناس، يشتت الجهود ويضعف حماس المتظاهرين، بينما يفتح ابواب التسويف والمماطلة واسعة امام الساسة، بالاضافة الى منح الفاسدين منفذا ووقتا لاتخاذ الخطوات المضادة لدحر المتظاهرين. حينئذ سيكون أقصى المنجز من تظاهرات كان المفترض منها تغيير النظام، هو تغيير هريرة بينما تبقى القطط السمان متنعمة بلحم الشعب.

٭ د. هيفاء زنـﮔنة كاتبة من العراق