يبدو أن الديناميات العسكرية في ليبيا أصبحت متوازنة للمرة الأولى بعد وقف إطلاق النار الأخير في أغسطس/آب.

في السابق، كانت قوات الجنرال "خليفة حفتر" قادرة على التغلب على القوات المنقسمة في الغرب، وقد مكّن ذلك "حفتر" من دفع المجتمع الدولي في النهاية إلى السماح بحل عسكري في ضوء الإخفاقات المستمرة لمختلف المبادرات السياسية.

بعبارة أخرى، كانت قوة "حفتر" في مواجهة العجز العسكري لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة كافية للقوى الدولية للسماح ضمنيًا بارتكاب جريمة طرابلس لمدة عام في مقامرة بأن انتصار "حفتر" سيضع حداً للأمور ولو لم يوفر أفضل الظروف.

ومع التدخل التركي المفاجئ والسريع، لم تعد حكومة الوفاق الوطني عاجزة، ولم تنجح فقط في صد هجوم "حفتر"، ولكن نجحت أيضًا في الاستيلاء على مواقع استراتيجية مهمة في الغرب (الوطية وترهونة).

كانت نكسة "حفتر" مذهلة للغاية لدرجة أن رئيس برلمان طبرق "عقيلة صالح"، وجد مساحة سياسية للمناورة لإزاحة "حفتر"، حيث أعلن "صالح" بنفسه وقف إطلاق النار، ورحبت القاهرة وموسكو وأبوظبي بالإعلان، وبقي "حفتر" صامتا.

ليس هناك شك في أن تركيا أرادت دخول سرت والاتجاه نحو الهلال النفطي في محاولة لتعزيز موقع حكومة الوفاق الوطني، بدلاً من التوقف عند التوازن الحالي.

بالنسبة لتركيا، تعد ليبيا جزءًا من صراع جيوسياسي أوسع للوصول إلى الموارد في البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي فإن وجود الخط الساحلي الليبي تحت سيطرة حليف، يجعل أنقرة مجهزة بشكل أفضل لمقاومة عداء المنافسين الإقليميين مثل اليونان و(إسرائيل) وقبرص ومصر.

ومع ذلك، عقّدت روسيا ومصر المحاولات التركية لشن هجوم، قامت روسيا بوضع ألغام أرضية في جميع أنحاء المنطقة، بينما هددت مصر مباشرة بالتدخل بشكل شامل.

كما أصبحت الانقسامات داخل حكومة الوفاق الوطني أكثر وضوحًا مع عودة الفصائل المختلفة، مدعومة بنجاحها، إلى الصراع مع بعضها البعض.

بدأ البعض يتهم رئيس الوزراء "فايز السراج" باحتكار السلطة، واتهم آخرون نائب رئيس المجلس الرئاسي "أحمد معيتيق" بالتقصير في مهامه، وتعرض وزير الداخلية "فتحي باشاغا" لانتقادات بسبب عقود الدولة الموقعة مع قوى أجنبية بما في ذلك شراء سيارات الشرطة.

كما نفد صبر تركيا مع إطالة "السراج" للمحادثات حول إنشاء قاعدة مصراتة، وأرسلت أنقرة وفودا رفيعة المستوى شملت المتحدث باسم الرئاسة "إبراهيم كالين" وصهر الرئيس "أردوغان"، "بيرات البيرق" لتسريع حضور تركيا على الساحة السياسية والاقتصادية.

بالرغم أن أنقرة كانت تأمل في تأمين دعم واشنطن بسبب الوجود الروسي المتزايد في ليبيا، لكن البيانات والإجراءات الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية و"أفريكوم" ظلت غامضة، حيث أعربت الولايات المتحدة عن دعمها للتدخل التركي، ورفضت إدانة دور الإمارات.

وينطبق نفس الشيء على أوروبا، حيث كانت أنقرة تأمل أن تتمكن من التحالف مع أوروبا للدفاع عن حكومة الوفاق الوطني، ولكن المواقف التركية قوبلت بشكوك عميقة من ألمانيا، وعداء مفتوح من باريس.

وأمام معركة عالية المخاطر، ستدمر تمامًا مكاسب الأشهر الستة الماضية في حال الخسارة، أطلقت تركيا مبادرات تجاه مصر بينما سعت موسكو إلى تقديم بادرة حسن نية للرئيس التركي من خلال تمكين "عقيلة صالح" على حساب "حفتر".

وعلى مدار الشهر الماضي، كان هناك تقارب تدريجي للمصالح بين تركيا وروسيا ومصر، ما مهد الطريق لوقف إطلاق النار، لقد ضمنت تركيا قاعدتها على البحر الأبيض المتوسط وعززت روسيا سيطرتها على المنشآت النفطية وأقامت قناة اتصال مع تركيا بشأن ليبيا.

 فيما استفادت مصر من وقف تقدم تركيا وبدأت في تشكيل كتلتها الخاصة في شرق ليبيا للضغط على حكومة الوفاق الوطني، وعادت مبادرة القاهرة المقترحة إلى الطاولة.

وبالفعل، تحرص القاهرة على إنهاء الصراع الليبي وتوجيه جهودها نحو أزمة شرق البحر المتوسط، وتزايد العداء مع الخرطوم، والأزمة مع إثيوبيا بشأن سد النهضة.

بعبارة أخرى، جاء وقف إطلاق النار هذا نتيجة رغبة أصحاب النفوذ الدوليين في فترة طويلة من السلام، وليس نتيجة تضافر جهود الليبيين أنفسهم.

أصبح هذا واضحًا بشكل متزايد في الاحتجاجات في طرابلس وسرت وسبها وبرقة بعد إعلان وقف إطلاق النار مباشرة، حيث ظهرت الفجوة الواسعة بين النخب السياسية التي تحارب بعضها، وعموم الليبيين في الشرق والغرب الذين يشتركون في نفس المظالم تجاه الطيف السياسي بأكمله.

لم يكتف متظاهرو طرابلس بإدانة "حفتر" و"عقيلة صالح"، بل هاجموا أيضًا "السراج" و"باشاغا"، متهمين الحكومة بالفساد وعدم توفير الخدمات الأساسية.

في الواقع، تُظهر الاحتجاجات أن الفاعلين السياسيين في الشرق والغرب لا يتمتعون إلا بالقوة التي يقدمها الداعمون الخارجيون وأنهم يفتقرون إلى الشرعية الشعبية التي قد تمكنهم من حيازة السلطة الأخلاقية في سعيهم لتوحيد ليبيا.

تذكرنا الاحتجاجات بعام 2014، في خضم الوضع السياسي المتدهور بين "حفتر" والمؤتمر الوطني الذي يهيمن عليه الإسلاميون، حيث نزل الناس إلى الشوارع للاحتجاج على استمرار وجود الميليشيات من جميع الأطراف.

وهذا يعني أنه بدلاً من المشاركة في الصراع السياسي، اتجه الناس من الشرق إلى الغرب لمهاجمة النظام ككل وسعوا إلى القضاء على الميليشيات التي مكّنت الأحزاب السياسية من فرض نفسها ضد الإرادة الشعبية.

ويعتبر الوضع مشابها جدا اليوم حيث يوجد هناك شعور متزايد بأن النخبة السياسية الحالية تفتقر إلى الشرعية الشعبية للحكم، وأن "السراج" يحكم فقط بسبب اتفاق الصخيرات الذي تم بوساطة دولية، وأن حكم "عقيلة صالح" و"حفتر" يستمر فقط بسبب الدعم الخارجي الهائل من أبوظبي. بمعنى أن أيا من الطرفين لا يحكم بتفويض شعبي.

وبالنسبة لـ"السراج" فقد جاءت هذه الاحتجاجات في أسوأ وقت ممكن، فبعد أن حصل أخيرًا على وقف إطلاق النار، أصبح يواجه الآن التحدي الداخلي الأكثر أهمية لسلطته، واتضح انزعاج "السراج" من الموقف المتصاعد عندما أعلن فرض حظر تجول طارئ لمدة 4 أيام بحجة منع انتشار فيروس "كورونا".

وكلما استمرت الاحتجاجات، زادت جرأة خصومه، وزادت حدة الانقسامات داخل حكومة الوفاق الوطني.

أما بالنسبة لـ"حفتر" فإن استمرار وقف إطلاق النار، يعزز من نفوذ منافسه "عقيلة صالح" وهذا أمر أصبح أكثر وضوحًا في المفاوضات والمشاورات الدبلوماسية.

علاوة على ذلك، مع حرص روسيا ومصر على التوسط في صفقة دائمة، يجد "حفتر" نفسه أيضًا في عزلة متزايدة.

أما بالنسبة للاعبين الدوليين، فهناك تفاؤل حذر بشأن وقف إطلاق النار ورغبة من جميع الأطراف في استمراره، حيث ترغب تركيا في استغلال الفرصة لترسيخ قاعدتها البحرية بسرعة في مصراتة وتسريع دورها الاقتصادي، فيما تسعى روسيا إلى ترسيخ نفسها في الجفرة وفي الجنوب، بينما تتطلع مصر إلى تحسين علاقاتها مع القبائل الليبية لتحسين نفوذها ضد الدول الغربية المتعاونة مع تركيا.

وتأمل ألمانيا في حشد أوروبا في موقف موحد، وتخطط فرنسا لتقويم العلاقات مع حكومة الوفاق الوطني ومحاولة عزل تركيا سياسيًا وليس عسكريًا.

بالنسبة للشعب الليبي، جاء وقف إطلاق النار في وقت مثالي، فهناك فرصة الآن لتقديم جبهة موحدة من الشرق إلى الغرب، تندد بالفاعلين السياسيين الحاليين وتوضح للمجتمع الدولي أن هؤلاء السياسيين ليسوا ممثلين لهم.

هذا التعبير الواضح عن السخط الشعبي لديه القدرة على تمهيد الطريق لإجراء انتخابات مرتقبة على المستويين المحلي والإقليمي والتي قد تبرز وجوهًا جديدة إلى الواجهة، بغض النظر عن الانقسام بين الشرق والغرب.

وبالرغم من ذلك، يبقى أن نرى إلى أي مدى يمكن للقاهرة وموسكو فرض نفسيهما على "حفتر" المعزول بشكل متزايد والذي يخشى ما قد يعنيه السلام لمستقبله.

أخيرًا، هناك مخاوف واسعة النطاق من أن يسعى طرفا الصراع إلى العودة الحرب باعتبارها الضمانة الوحيدة لاستمرار دورهما في قصة ليبيا.

المصدر | سامي حمدي | إنسايد أرابيا – ترجمة وتحرير الخليج الجديد