الجمعة 11 سبتمبر 2020 12:33 م

بعد 6 أشهر من خطاب تنصيبه، يفي السلطان "هيثم بن طارق آل سعيد" بتعهده بإصلاح الحكومة في عمان حيث أعلن في 18 أغسطس/آب اختيار أول مجلس وزراء له، متخليًا للمرة الأولى عن سيطرة السلطان على الشؤون المالية والخارجية من خلال تعيين وزراء لهم السلطة الكاملة على تلك الحقائب الوزارية.

وبالرغم أن الاستغناء عن العديد من الوزراء الذين خدموا الحكومة لعقود من الزمن سيصنع وجهًا جديدًا للحكومة، من المتوقع أن تواجه هذه الحكومة الجديدة اختبارًا صعبًا لأن الانكماش الاقتصادي الحالي والعجز المالي المقلق يستلزمان نتائج سريعة لوضع عمان على طريق الانتعاش الاقتصادي وتوسيع فرص العمل والتوازن المالي.

تمثل الأوامر الملكية الـ 28 الصادرة عن السلطان أهم عملية إعادة تنظيم حكومية منذ 50 عامًا، حيث تمت إزالة أكثر من 5 مجالس حكومية ودمج أكثر من 10 وزارات. ولم تؤثر التغييرات على الوزارات فحسب، بل أثرت أيضًا على السلطات التي يستخدمها بعض الوزراء في السنوات القليلة الماضية. وكانت هذه الشبكة من الوزارات والمؤسسات شبه الحكومية مليئة بالسلطات المتضاربة، حيث قام الوزراء سابقا بتعيين رؤساء تنفيذيين ومنحهم مسؤوليات تتداخل مع مسؤوليات الوزراء الآخرين.

قد يكون هذا الدمج وسيلة لتقليل الإنفاق المالي خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، لكن الهدف الرئيسي هو تبسيط العمليات الحكومية من خلال تعزيز مركزية صنع القرار، وتحسين السرعة والمرونة لدعم الاقتصاد والقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي.

تنطوي الإصلاحات على عدة عمليات اندماج كما تشمل تفصيل الهيكل التنظيمي لكل وزارة ونطاق أنشطتها والقيود المفروضة عليها. يتعمق المرسوم رقم 75/2020 في تنظيم بيروقراطية الدولة، ويحدد التقسيم الداخلي لكل وزارة، ويفرض على جميع الوزراء رفع تقاريرهم إلى مجلس الوزراء خلال فترة محددة.

ويلزم المرسوم ذاته كل وزير بتقديم خطة عمل محددة قبل نهاية كل عام وتقرير مفصل قبل 3 أشهر يستعرض جميع إنجازات الوزارة والعقبات التي واجهتها في تنفيذها. وهذا يمنع أي وزير من زيادة الأعمال الإدارية والأعباء المالية للوزارة دون موافقة مجلس الوزراء.

وسيساعد وجود تقرير سنوي عن خطط الوزارة وسائل الإعلام الوطنية ومجلس الشورى المنتخب في مراقبة ومتابعة التقدم والإنجازات.

على مدى الثلاثين عامًا الماضية، حكم السلطان الراحل "قابوس بن سعيد" بمفرده، وتولى وحده الحقائب الوزارية الرئيسية في الحكومة. وتمكن المراسيم الصادرة عن "هيثم" الحكومة من تعيين وزيري الخارجية والمالية، وكذلك تعيين رئيس مجلس محافظي البنك المركزي، مما يسمح للسلطان بالتفرغ لاتخاذ قرارات سيادية وترك العمل التشغيلي للحكومة.

وقد تكون إحدى نتائج هذه الإجراءات إضفاء الطابع المؤسسي على السياسة الخارجية لسلطنة عمان، بما يتجاوز الرؤية الشخصية للسلطان.

وأعاد "هيثم" وزارة الاقتصاد التي كانت قد ألغيت في 2011، وعيّن وزيراً لها. وهذا يعكس عزم السلطان على التركيز على إصلاح السياسات الاقتصادية، حيث بدأ بدمج صناديق الاستثمار السيادية، ثم إقالة جميع الوزراء والمسؤولين من مناصبهم في مجالس إدارات الشركات الحكومية، لتجنب تضارب المصالح.

وجرى تعيين العديد من الوزراء بسبب طول مدة خدمتهم في مناصب داخل وزاراتهم حيث عمل وزير الاقتصاد سابقا كمستشار للشؤون الاقتصادية في مكتب السلطان، وكان وزير الخارجية الحالي هو الأمين العام للوزارة لسنوات. ويأتي بعض الوزراء الجدد من خلفيات أكاديمية أو تكنوقراطية. على سبيل المثال، فإن وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار هو أكاديمي في جامعة السلطان "قابوس" منذ عقود.

كما عين السلطان بعض أعضاء مجلس الشورى المنتخب في مجلس الوزراء، ويشير ذلك إلى حساسية تجاه الرأي العام حيث أن البعض منهم كان نشطًا جدًا في الندوات العامة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. وقد احتفظ بعض الوزراء القدامى، الذين واجهوا انتقادات كثيرة، بمناصبهم لكن تم منحهم صلاحيات خارج مجلس الوزراء، وهو ما يبدو أنه شكل من أشكال العزل الصامت.

وقد أصبح من الواضح أن العائلة المالكة سيكون لها حضور سياسي أكبر، فمن بين التعيينات البارزة تعيين ابن عم السلطان "فهد بن محمود" نائبا لرئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء و"شهاب بن طارق" نائبا لرئيس الوزراء لشؤون الدفاع. ولا يزال الأخ غير الشقيق للسلطان، "أسعد بن طارق"، في منصبه كنائب لرئيس الوزراء للشؤون الدولية. وقد عيّن "هيثم" ابن أخيه "تيمور بن أسعد" رئيسا لمجلس محافظي البنك المركزي العماني وابن عمه "فهد بن الجلندي" رئيسا لجامعة السلطان "قابوس". وقد يكون لأفراد العائلة المالكة وجود أكبر في الأشهر المقبلة.

وقد يكون التعيين الأكثر أهمية هو النجل الأكبر للسلطان "ذي يزن بن هيثم"، وزيراً للثقافة والرياضة والشباب. وهذا لا يضمن له مقعدًا في مجلس الوزراء فحسب، بل يسمح له أيضًا ببناء علاقة مباشرة مع الشباب العماني، وهم الفئة الرئيسية لمستقبل عمان.

وتمثل هذه الإجراءات التي اتخذها السلطان بداية، وليست نهاية للإصلاحات في السلطنة، فلا يكفي إصلاح الاقتصاد وإعادة هيكلة إدارة الدولة لتحقيق أهداف رؤية 2040.

وخلال الأشهر المقبلة، من المرجح أن يوجه السلطان انتباهه نحو تحديث التشريعات. ففي خطابه في فبراير/شباط، تعهد بإصلاحات وتغييرات أخرى لضمان المزيد من المشاركة السياسية.

المصدر | تركي بن ​​علي البلوشي/ معهد دراسات دول الخليج – ترجمة وتحرير الخليج الجديد