الاثنين 14 سبتمبر 2020 06:50 ص

صفقة التطبيع: باتت الإمارات الآن رهن إشارة إسرائيل

ليس هذا تحالفا بين دولتين بل مشروع إسرائيلي للهيمنة والنفوذ في المنطقة بتمويل ودعم إماراتي!

المفارقة أنه ليس تحالفا بين طرفين متكافئين من حيث القوة والنفوذ السياسي بل تحالف بين عبد (الإمارات) وسيد (إسرائيل).

تتوهم الإمارات إن ظنت أن هذا التحالف يجعلها دولة إقليمية مهمة أو يجعل بن زايد "زعيماً جديداً للشرق الأوسط" كما وصفه كوشنر.

سيكشف الرأي العام العربي عن قناعته بأن محمد بن زايد وأشقاءه ليسوا إلا دمى في يد إسرائيل التي لن ستلفظهم بعد تحقيق أهدافها.

*     *     *

لا يمكن النظر إلى "صفقة السلام" بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، والتي أعلن عنها الشهر الماضي، فقط من خلال عدسة التطبيع، بل هي أكثر من ذلك بكثير، إذ أن عملية التطبيع بين البلدين كانت قائمة على أشدها بين البلدين منذ عقود.

ما جرى يوم الثالث عشر من أغسطس كان مجرد إعلان رسمي عن هذه العملية. ولا ينبغي غض الطرف عن سخافة إطلاق اسم "صفقة سلام" عليها، فلم تنشب بين تل أبيب وأبوظبي أي حرب. بل نحن أمام تحالف استراتيجي بين بلدين، وهو تحالف يهدف إلى تغيير الوضع الجيوسياسي في المنطقة.

تكمن المفارقة في أن هذا التحالف لم يحدث بين طرفين متكافئين لا من حيث القوة ولا النفوذ السياسي، بل هو تحالف بين عبد، هو الإمارات، وسيد، وهو إسرائيل.

بينما يحقق التحالف بعض الأهداف للإمارات، مثل شراء طائرات مقاتلة أمريكية من طراز إف – 35 وضمان دعم اللوبي الإسرائيلي في واشنطن للمساعدة في التستر على الجرائم التي ارتكبت في اليمن وليبيا ومصر وغيرها من الساحات، إلا أنه يمنح إسرائيل مكاسب غير مسبوقة.

سوف تستخدم إسرائيل اتفاقيتها مع الإمارات لتحقيق العديد من الأهداف السياسية والاستراتيجية والاقتصادية التي لم تكن تحلم بالحصول عليها لولاها، حيث يمثل التحالف اختراقاً نفسياً وسياسياً في جدار المقاطعة العربية الرسمية الذي ظل قائماً لعقود.

ومن هنا يأتي السعي الحثيث من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جاريد كوشنر لاستغلال زخم الاتفاق بهدف الضغط على البلدان العربية حتى تطبع علاقاتها مع إسرائيل، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والبحرين وسلطنة عمان والسودان والمغرب. وهناك تكهنات كثيرة بشأن البحرين بالذات، وخاصة بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها كوشنر إلى المنامة.

 لسوف تستخدم إسرائيل علاقاتها مع أبوظبي لكي توسع خريطة نفوذها وشبكتها الأمنية لتشمل منطقة الخليج بأسرها. حيث أن الصفقة تحول منطقة الخليج إلى مجال نفوذ إسرائيلي، وخاصة إذا ما سارت سلطنة عمان والبحرين والمملكة العربية السعودية على خطا الإمارات. ففي ظل التفوق العسكري والاستخباراتي الإسرائيلي سوف تكون جميع بلدان الخليج تحت الهيمنة الإسرائيلية.

 

تهديد إيران

ومن خلال تواجدها في الخليج، سوف تقف إسرائيل على الحدود الغربية لإيران، الأمر الذي سيشكل تهديداً وجودياً لطهران. ولذلك تعتبر إيران التطبيع بين إسرائيل وبلدان الخليج العربية مؤامرة تجلب على المنطقة أخطاراً عظيمة.

سوف يصبح من الممكن استخدام الأراضي الإماراتية للتجسس على إيران، وفي نفس الوقت قد تتمكن إسرائيل من اختراق المجتمع الإيراني من خلال استغلال التواصل مع المجتمع الإيراني داخل الإمارات.

كما توفر اتفاقية إسرائيل والإمارات الفرصة لتحويل الإمارات إلى سوق ضخم للمنتجات الإسرائيلية، والتي يمكن من بعد بثها في بقية بلدان الخليج العربي، وبشكل خاص في المملكة العربية السعودية والبحرين. وطبقاً لما ورد في الفاينانشال تايمز فإن العديد من الشركات الإسرائيلية يقال بأنها تعمل في مجالي التجارة والاستثمار في أبوظبي تحت غطاء من شركات أوروبية، ولكنها الآن سوف تتمكن من ممارسة نشاطاتها على المكشوف.

وفي نفس الوقت، يقال بأن صندوق الاستثمار الإماراتي، المعروف باسم مبادلة – والذي يصل رأسماله إلى ما يقرب من 230 مليار دولار – بات واحداً من أهم المستثمرين في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي. ويتوقع أيضاً أن صندوق الثروة السيادي التابع لأبوظبي، والذي يصل رأسماله إلى ما يقرب من 700 مليار دولار، سوف يساهم هو الآخر في الاستثمارات داخل إسرائيل.  

بالمجمل، يتمثل أهم مكسب تحققه إسرائيل من هذه الاتفاقية في اختراقها للشعوب العربية وتغيير قناعات الأجيال القادمة، حتى يقبلوا بالسلام مع إسرائيل – حتى بدون ضمان حقوق الشعب الفلسطيني. وعلى النقيض من سلام إسرائيل البارد مع كل من مصر والأردن، سوف يكون السلام مع الإمارات دافئا وحميميا.

 

تحول الانطباعات

يبدو أن هناك جيل من الإماراتيين الذين يقبلون بالتطبيع مع إسرائيل ويروجون لها علانية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يفيد بحدوث تحول في الانطباع العام تجاه الاحتلال الإسرائيلي.

ومن يتابعون بعض الشباب الإماراتي عبر تويتر سوف يرون مؤشرات على عملية غسل الأدمغة التي جرت خلال السنوات القليلة الماضية بهدف تبرير التقارب الإماراتي مع إسرائيل رغم تاريخها العنصري والدموي مع الشعوب العربية.

بمعنى آخر، ما نحن بصدده ليس تحالفا بين دولتين، وإنما مشروع إسرائيلي للهيمنة والنفوذ في المنطقة بتمويل ودعم إماراتي مقابل بعض المكاسب الآنية التي تجنيها أبوظبي.

تتوهم الإمارات إن ظنت أن هذا التحالف من شأنه أن يحولها إلى دولة إقليمية مهمة أو أن يجعل من ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد "زعيماً جديداً للشرق الأوسط" كما نعته كوشنر في البيان الذي ألقاه لدى وصوله إلى مطار أبوظبي برفقة الوفد الإسرائيلي الذي زار الإمارات في الأسبوع الماضي.

سوف يكشف الرأي العام في العالم العربي عن قناعته بأن محمد بن زايد وأشقاءه ما هم سوى دمى في أيدي إسرائيل التي لن تلبث أن تلفظهم بعد أن تكون قد حققت أهدافها.

* د. خليل العناني أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدوحة للدراسات العليا.

المصدر | "ميدل إيست أي"، ترجمة عربي21