الجمعة 18 سبتمبر 2020 08:31 ص

يتدافع السياسيون اللبنانيون في الداخل ويتشاور قادة الأمن في الخارج لتشكيل حكومة جديدة تماشيا مع المواعيد النهائية التي حددتها فرنسا. ومن المتوقع أن تجسد الحكومة الجديدة اتفاقاً سياسياً جديداً دعا إليه الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" خلال زيارته الأولى لبيروت، بعد انفجار مينائها في 4 أغسطس/آب.

وضع "ماكرون" المساعدات الإنسانية وتشكيل الحكومة كأولوية، لكنه دفع أيضًا باتجاه سياسات من المفترض أن تخرج لبنان من هاوية مالية، والتي بدونها يكون التعافي طويل الأمد شبه مستحيل.

تم تحديد الفساد والإسراف من قبل النخبة الحاكمة كأسباب جذرية للمشكلة. وبالطبع هذه النخب تستحق اللوم دائمًا، لكنها لم تتصرف بمفردها.

لولا دعم الجهات الدولية الفاعلة، بما في ذلك الرعاية الفرنسية لسلسلة من مؤتمرات "المانحين" التي أعادت تمويل نفس النخبة "الفاسدة" التي يسعى "ماكرون" الآن إلى إصلاحها، لما استمرت الفوضى المالية في لبنان طويلاً أو كانت بهذا العمق.

إن تاريخ التدخل المالي الفرنسي ودوره المعاصر في دعم "الأوليجارشية" (تُعرّف حكومة أصحاب الثروة) في لبنان، يبدد الآمال بأن نزع الشرعية عن النخب المحلية من خلال السعي للحصول على الدعم المباشر من نظرائهم الدوليين سوف يحل مشاكل البلاد.

وتعتبر رؤية "ماكرون" للتغيير، هي إعادة تسمية لوصفات التقشف التي أقرتها فرنسا.

إن التواطؤ المالي الفرنسي قديم قدم لبنان. ففي عام 1919، أي قبل عام واحد من إعلان قوات الاحتلال الفرنسية لبنان كدولة، حولت باريس فرع بنك "إمبريال" العثماني الخاص في بيروت إلى بنك سوريا ولبنان، والذي كان بمثابة بنك حكومي ومصرف تجاري. وكان ذلك بمثابة مغامرة.

ربط البنك السعودي الفرنسي الليرة السورية واللبنانية بالفرنك الفرنسي بسعر مبالغ فيه يتناسب مع الواردات الفرنسية. كما مُنحت امتيازات كبيرة في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات المالية للشركات الفرنسية على حساب التنمية المحلية. وعندما ضربت الأزمات المالية في فرنسا، شعر لبنان بالهزة بشكل تلقائي.

لم ينه الاستقلال السياسي عام 1943 السيطرة المالية الفرنسية. فقد استمر البنك المركزي اللبناني في احتكار السياسة النقدية حتى عام 1964، عندما تم تأسيس البنك المركزي اللبناني. وعمل مدير البنك "هنري بوسون" كحاكم مالي فعلي، وحافظ على سياسة نقدية محافظة، وقوض التكامل الاقتصادي السوري اللبناني، ووطد المصالح الفرنسية بالتعاون مع دوائر الأعمال المحلية القريبة منذ أول رئيس للبنان "بشارة الخوري".

أدى الصعود النهائي للنفوذ الاقتصادي الأمريكي في المنطقة إلى إضعاف قبضة فرنسا على الشؤون المالية للبنان. لكن مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية في التسعينيات، والتي غذتها الديون، مهدت الطريق لعودة التدخل المالي الفرنسي، ولكن هذه المرة تحت رعاية الحوكمة الدولية.

 عندما أصبح الدين العام في لبنان خارج السيطرة في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، جاء الرئيس الفرنسي آنذاك "جاك شيراك" لمساعدة حليفه رئيس الوزراء اللبناني آنذاك "رفيق الحريري". وعقد "شيراك" مؤتمرا دوليا في باريس عام 2001 (باريس 1) مهد الطريق لمؤتمرات إضافية في عامي 2002 و 2007 (باريس 2 و 3) في عهد "شيراك"، وباريس 4 ، أو "سيدار"، في 2018 بعهد "إيمانويل ماكرون".

لم تؤد هذه المؤتمرات إلى تخفيض جدي للديون. بل العكس تماما؛ لقد ولّدت المزيد من الديون في ظل إطار صارم من التعديلات المالية.

أولاً، كانت الغالبية العظمى من "المساعدة" في شكل قروض وليس منح. وفي حالة "سيدار"، كان أكثر من 90% منها قروض. ثانيًا، تنص هذه القروض غالبًا على خصخصة أصول الدولة وسياسة ضريبية متحفظة.

كان قانون الخصخصة الصادر عام 2000، قد مهد الطريق للعملية من خلال إنشاء المجلس الأعلى للخصخصة، والذي يوصف حاليًا بأنه الأداة المثالية لبيع أصول الدولة لتعويض خسائر البنك المركزي.

كما وعد "الحريري" ببرنامج لخصخصة قطاعي الاتصالات والطاقة الكهربائية، وقام بفصل حوالي 2000 موظف في محطة التلفزيون الوطنية وشركة الطيران، وفرض ضريبة قيمة مضافة بنسبة 10%، تجاهلت عدم المساواة في الدخل. وابتعد الإصلاح المالي لـ"الحريري" عن الدين العام، مما يعني أن 80% من النفقات الحكومية أصبحت مخصصة لمدفوعات الفوائد.

ثالثًا، يتم توجيه المساعدات المخصصة للتنمية الاقتصادية إلى حد كبير إلى قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل، مع القليل من الاهتمام بالقطاع الإنتاجي، وبينما يعتبر لبنان في حاجة ماسة إلى إصلاح البنية التحتية، فكما يُظهر برنامج الاستثمار الرأسمالي الحكومي لـ"سيدار"، فإن مشاريع البنية التحتية مثل الموانئ وسدود المياه استندت إلى حسابات طائفية بدلاً من استنادها إلى اعتبارات وطنية.

رابعا، توفر هذه المؤتمرات مظلة دولية لشرعنة السياسات النيوليبرالية اللبنانية الخاصة بالديون والتقشف. في الواقع، هي بمثابة تصويت بالثقة للنخبة الحاكمة.

شمل المؤتمر على مر السنين مجموعة واسعة من البلدان، من الولايات المتحدة إلى الصين إلى دول الخليج، بالإضافة إلى المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولي  والبنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.

ولم تكن هذه المؤتمرات مسألة اقتصادية أو مالية بحتة. كان دعم هذه الحكومات محاولة لدعم خصوم "حزب الله" بعد المكاسب الجيوسياسية التي حققها. فقد تراجع خصوم الحزب في عهد "الحريري" الأب والابن والعقل المدبر المالي لهما "فؤاد السنيورة". وقد انعقدت باريس الأولى والثانية في أعقاب تحرير الجنوب عام 2000، وعُقدت باريس 3 بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006.

في عام 2018، سعى مؤتمر "سيدار" إلى إعطاء دفعة لـ"سعد الحريري" الضعيف في ظل رئاسة حليف حزب الله "ميشال عون". كرر وزير خارجية "ماكرون"، "جان إيف لودريان"، في خطابه الافتتاحي، الدعوات البالية للدولة اللبنانية لاحتكار السلاح، ودعا ضمنيًا إلى حياد لبنان، الذي يروج له حاليًا البطريرك الماروني.

قبل ذلك بشهر، عُقد مؤتمر في روما لدعم المؤسسات الأمنية اللبنانية لتقويض "حزب الله"، وهو أمر كانت الولايات المتحدة تفعله منذ سنوات دون نجاح يذكر.

تعتمد خطط "ماكرون" الحالية على "سيدار" كنقطة مرجعية. ولا تزال الخصخصة أولوية، مع التركيز على قطاع الكهرباء. ومن المرجح أن تخضع مشاريع البنية التحتية لمزيد من التدقيق قبل الموافقة، مع احتلال ملف إعادة إعمار ميناء بيروت مركز الصدارة، ولكن على حساب التخلي عن المزيد من السيطرة لرأس المال الأجنبي.

كما دعا "ماكرون"، وهو مفتش مالي سابق، إلى إجراء تدقيق جنائي لمصرف لبنان وفرض ضوابط على رأس المال. وكلاهما خطوات ضرورية ومطلوبة بشدة لضمان المساءلة عن سوء الإدارة المالية ووقف تهريب رأس المال الذي تقوم به البنوك الخاصة بشكل انتقائي.

لكن في خارطة طريق "ماكرون"، ترتبط هذه الإجراءات صراحةً بمطالب وشروط صندوق النقد الدولي. باختصار، إذا نجحت، فسوف تمهد الطريق لمزيد من نفس الوصفات التي روجت لها فرنسا وجهات فاعلة دولية أخرى على مدى عقدين من الزمن. لكن هذه المرة، قد تتحايل هذه الجهات الفاعلة الدولية على النخب المحلية وتفرض وصاية مالية مباشرة.

قد يوفر مثل هذا النهج الاستعماري راحة فورية وواضحة للبنان، لكن على المدى الطويل، سيؤدي إلى مزيد من الانهيار السياسي والدمار الاقتصادي.

المصدر | هشام صفي الدين/ميدل إيست آي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد