الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 09:33 ص

انضمت البحرين إلى الإمارات في تطبيع علاقاتها مع (إسرائيل). ويُفترض أن تؤدي اتفاقيات "أبراهام" المؤلفة من 9 صفحات، إلى جلب السلام إلى المنطقة. ولكن على العكس من ذلك، فمن المرجح أن تضفي هذه الاتفاقات مزيدًا من الطابع المؤسسي على خطوط الصدع القائمة في المنطقة.

منذ سنوات، ظلت العديد من العوامل، مثل التهديدات الإيرانية والتركية المتصورة والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة، تدفع العديد من الدول الخليجية إلى الاقتراب من (إسرائيل).

ومع ذلك، فإن التطبيع يشكل متغيرًا جيوسياسيًا رئيسيًا في المعادلة التي تم تجاهلها إلى حد كبير، والتي تخص مسألة التزام واشنطن بأمن الشرق الأوسط.

فبينما كانت واشنطن تسعى لإعادة تموضعها في شرق آسيا لمواجهة صعود الصين، راودت العواصم العربية شكوك متزايدة في موثوقية الولايات المتحدة كضامن لأمن الخليج.

وفي هذا السياق، استثمرت دول مجلس التعاون الخليجي في علاقات أوثق مع مجموعة من "القوى البديلة"، وعلى رأسها روسيا والصين.

وفي العالم الناشئ متعدد الأقطاب، الذي لم تعد فيه الولايات المتحدة القوة المهيمنة المطلقة، من المرجح أن تلعب (إسرائيل) دورًا أكثر أهمية في الحسابات الأمنية للشرق الأوسط.

ونتيجة للغزو الأمريكي الكارثي للعراق، تزايدت معارضة المزيد من الأمريكيين من جميع أنحاء الطيف السياسي لـ"حروب واشنطن التي لا نهاية لها" في الشرق الأوسط، وفي هذا السياق تعهد الرئيس "باراك أوباما" بسحب القوات الأمريكية من المنطقة لكنه فشل في النهاية.

وأدى نهج "عدم التدخل" الذي تبنته السياسة الخارجية الأمريكية، إلى جانب إدراك أن إيران يجب أن تكون جزءًا من حسابات الأمن الإقليمي، إلى جعل العديد من حلفاء أمريكا الإقليميين غير مرتاحين بشأن التزام واشنطن بأمنهم.

وأدى خطاب الرئيس "دونالد ترامب" حول انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة والتخفيض المعلن للقوات الأمريكية في العراق مؤخرًا إلى زيادة عدم اليقين بشأن النفوذ الأمريكي في المنطقة.

وتزايد قلق الإمارات والبحرين بشكل خاص من احتمال أن يملأ خصومهم هذا الفراغ بسرعة بطرق تعتبرها أبوظبي والمنامة خطيرة.

وفي حين أن المخاوف الرئيسية للإمارات تتعلق بتركيا وإيران، فإن المنامة قلقة فقط تقريبًا بشأن إيران لأن بعض المتشددين الإيرانيين لا يزال لديهم مطالبات بالأرض من البحرين.

وبالتوقيع على اتفاقيتي السلام الجديدتين، ستعمل الإمارات والبحرين والسعودية على إقامة شراكة أمنية أكثر قوة مع (إسرائيل).

كانت الزيارة التي قام بها رئيس المخابرات الإسرائيلية "يوسي كوهين" إلى الإمارات الشهر الماضي تهدف إلى تعزيز التعاون الأمني ​​والعسكري بين الجانبين، وهو الأمر الذي قد يستلزم قيام شركات الأسلحة الإسرائيلية بتصدير أسلحتها إلى الدول العربية.

وكما كتب الأميرال البحري الأمريكي المتقاعد "جيمس ستافريديس": "يمكن للتحالف [الخليجي الإسرائيلي] الجديد إنشاء أنظمة إنذار مبكر متطورة ضد الصواريخ الإيرانية وشبكة قيادة وتحكم متصلة للدفاع الصاروخي؛ والعمليات البحرية في البحر الأحمر وشمال المحيط الهندي والخليج؛ كما يسهل تبادل التكنولوجيا العسكرية والمعلومات".

الضغط على منطقة الخليج

هناك احتمالات كبيرة بأن تنظر إيران وتركيا إلى صعود (إسرائيل) كلاعب خارجي في الخليج باعتباره تهديدًا لمصالحهما الأمنية.

وقال "ميسم بهرافيش" و"حميد رضا عزيزي" من شركة "جلف ستيت أناليتيكس": " التطبيع بين الإمارات وإسرائيل والذي ينص على تعاون أمني منهجي وتبادل معلومات استخبارية بين الشريكين ضد خصمهما المشترك، يهدد بخرق المنطقة العازلة الطبيعية لإيران مع إسرائيل".

الأمر الأكثر خطورة بالنسبة لطهران هو احتمال أن يتم الضغط على عُمان وقطر والكويت لتطبيع علاقاتها مع (إسرائيل).

وقد أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" خلال مراسم التوقيع على اتفاقيات "إبراهام" إلى أن "هذا السلام سيتسع في النهاية ليشمل دولًا عربية أخرى، ويمكن في نهاية المطاف إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي بشكل نهائي".

ورحبت عُمان بالاتفاق. وفي حال أقدمت على التطبيع فإن هذه الخطوة قد تكون مدمرة لطهران، حيث إن عُمان هي واحدة من الدول العربية القليلة التي حافظت على علاقات وثيقة مع إيران.

في غضون ذلك، ونتيجة الحصار الذي تفرضه السعودية والإمارات والبحرين على قطر، يصعب تخيل أي تقارب بين الدوحة ودول الحصار.

وتراهن طهران على استمرار الانقسام الخليجي الذي يساهم في استمرار العلاقات التعاونية بين قطر وإيران، على الأقل في المستقبل المنظور.

وبينما نأت طهران بنفسها سياسيا وقت اندلاع أزمة حصار قطر، أرسلت حمولات طائرات من الغذاء إلى الدوحة لمساعدة الدولة الصغيرة المحاصرة.

كما ترى أنقرة أيضًا أن الحصار المفروض على قطر هو في الأساس ضمانة بأن الدوحة ستستمر في الاعتماد بشكل كثيف على الأتراك للحصول على الحماية في مواجهة الرياض وأبوظبي.

وفي هذا السياق، ستواصل الدوحة العمل بشكل وثيق مع إيران وتركيا للتغلب على الحصار.

لا تميل السياسة الخارجية لقطر بعد عام 2017 لمشاركة الدوحة في أي دور إسرائيلي في الهيكل الأمني ​​للخليج، بالرغم من حرص قطر على إشراك (إسرائيل) بشكل براجماتي بطريقتها الخاصة، لا سيما فيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية لغزة.

في هذه الأثناء، يبدو أن إدارة "ترامب" غير راضية عن موقف قطر في المنطقة. ففي عام 2017، اتهم الرئيس "ترامب" قطر بتمويل "أيديولوجية راديكالية"، وكتب على "تويتر" "قال [السعوديون] إنهم سيتخذون موقفًا متشددًا بشأن تمويل التطرف، وأشار الزعماء إلى قطر. ربما تكون هذه بداية النهاية لرعب الإرهاب!".

وفي وقت لاحق غيّر الرئيس "ترامب" موقفه واستضاف أمير قطر مشيدا بالدوحة كشريك في مكافحة الإرهاب.

ولكن بعد يوم واحد من توقيع اتفاقيات "أبراهام"، أمرت وزارة العدل الأمريكية منصة "+AJ" على وسائل التواصل الاجتماعي بالتسجيل كوكيل أجنبي. ويوضح ذلك ضغط واشنطن على الدوحة لتبني سياسة خارجية تتماشى بشكل أكبر مع رؤية "ترامب" للشرق الأوسط.

وجاء ذلك على الرغم من المساعي الأخيرة التي بذلتها قطر لاستضافة مفاوضات بين إدارة "ترامب" وطالبان لمساعدة واشنطن على إنهاء أطول حرب في تاريخها.

اضطراب متوقع

بينما ينشغل المسؤولون في الولايات المتحدة و(إسرائيل) والإمارات والبحرين بالإشادة بـ"السلام" الذي من المفترض أن تجلبه الاتفاقيات الموقعة مؤخرًا مع (إسرائيل) إلى الشرق الأوسط، فإن هناك سببًا وجيهًا للخوف من التأثير المعاكس.

ببساطة، ينبغي للمرء أن يتوقع المزيد من عسكرة الخليج غير المستقر بالفعل، والذي سيؤدي بدوره إلى زيادة مخاطر المواجهة العسكرية الكارثية في هذا المسطح المائي الحيوي.

هذا لا يعني أن أياً من الأطراف يسعى للحرب، ومع ذلك، فإن المعضلة الأمنية التي تفرضها عسكرة المنطقة تزيد من احتمالية تحول الأخطاء غير المقصودة بسرعة إلى صراع كارثي.

في السنوات المقبلة، ستدخل منطقة الخليج مرحلة جديدة من عدم الاستقرار وانعدام الأمن حيث من المتوقع أن يدخل لاعب رئيسي آخر في الشرق الأوسط في الجغرافيا السياسية للمنطقة.

ومن المحتمل أن يؤدي هذا إلى مستوى آخر من التنافس بين دول الخليج، كما ستزداد المنافسة على الاستخبارات والأمن السيبراني والقوة العسكرية والاقتصاد في المنطقة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن تطبيع (إسرائيل) مع المنامة وأبوظبي، سيزيد عسكرة المنطقة وفرص التصادم بين مختلف الأجندات السياسية المتعارضة، في الخليج العربي وما يتجاوزه.

المصدر | خالد الجابر - ناشيونال إنترست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد