السبت 21 نوفمبر 2020 11:16 م

يتواجد مستشارون عسكريون إيرانيون ومليشيات موالية لطهران في منطقة واسعة تمتد من اليمن والعراق إلى سوريا ولبنان.

ويتطلع عشرات الآلاف من المسلحين العاملين في جميع أنحاء الشرق الأوسط إلى طهران للحصول على التوجيه والدعم.

وقد جعل ذلك إيران ذات نفوذ إقليمي واسع، على الأقل في العالم العربي.

لكن استثمارات طهران الأيديولوجية والمالية العميقة في الدول العربية جاءت على حساب إهمال المصالح الإيرانية الأقرب إلى الوطن.

ويُظهر اتفاق السلام الأخير بين أرمينيا وأذربيجان، الذي أنهى أسابيع من الصراع العسكري على عتبة إيران، غياب طهران عن ديناميكيات جنوب القوقاز.

وبالرغم من جهود إيران للتوسط في نوع من الاتفاق الإقليمي لإنهاء الصراع، سرعان ما ثبت أن طهران لا تمثل أي قوة مهمة تقريبا.

ببساطة، لم يكن لدى طهران النفوذ للتأثير على نتيجة الصراع.

وبدلا من ذلك، شكل الروس والأتراك مسار الحرب ووقفها.

والآن، يراقب الإيرانيون بقلق انتشار القوات العسكرية الروسية والتركية بين القوات الأرمينية والأذربيجانية، بالرغم أن قرب طهران الجغرافي وعلاقاتها التاريخية العميقة بجنوب القوقاز كان من المفترض أن يجعلها لاعبا طبيعيا في المنطقة، لولا التركيز الساحق على العالم العربي.

  • أرمينيا لم تعد جارة لإيران

وبمجرد أن تمكن الروس والأتراك من التوصل إلى اتفاق سلام بين أرمينيا وأذربيجان، كان على إيران أن تواجه خطر فقدان حدود دولية مباشرة مع أرمينيا.

وكجزء من اتفاق السلام، سيتم ربط البر الرئيسي لأذربيجان بإقليم ناخيتشيفان عبر ممر عبور يمتد على طول الحدود الأرمينية الإيرانية.

وفي حين أن إيران قد تفقد منفذها الحدودي مع أرمينيا، تنكر طهران ذلك، حيث قال "سعيد خطيب زاده"، المتحدث باسم وزارة الخارجية، إن الحدود الدولية لإيران لم تتغير و"لن تتغير في المستقبل".

لكن هذا الإنكار من جانب طهران يكشف مدى خسارتها، وحقيقة أنها كانت تكافح للعب دور في وقائع الصراع بين أرمينيا وأذربيجان.

ولم يكن الأمر رمزيا فقط، فمليارات الدولارات على المحك بالنسبة لإيران مع دخول جنوب القوقاز حقبة جديدة.

وسارع الإعلام المقرب من الحرس الثوري في إيران إلى الإشارة إلى تركيا على أنها الفائز الأكبر في الخريطة الإقليمية المعاد ترتيبها.

ويمكن لتركيا الآن الوصول إلى البر الرئيسي لأذربيجان دون الحاجة إلى المرور عبر إيران كنقطة عبور، بينما فقدت إيران طريق العبور إلى أرمينيا.

وأشارت بعض وسائل الإعلام الإيرانية إلى أنه بإمكان روسيا وتركيا استبعاد إيران بسهولة من أي طرق مستقبلية لنقل الطاقة إلى أوروبا، ما يعني أن الاتفاق تسبب في أضرار بمليارات الدولارات لطهران.

وفي وقت لاحق، اضطر نائب وزير الخارجية الإيراني "عباس عراقجي" إلى رفض ما أسماه "شائعات لا أساس لها" مفادها أن إيران قد فقدت وصولها إلى أرمينيا بسبب ممر عبور يبلغ عرضه 5 كيلومترات تديره القوات الروسية.

ومهما كانت الحقيقة، من الواضح أن الحكومة الإيرانية كانت في وضع تحاول فيه فقط الهروب من الحقيقة التي يمكن للجميع أن يراها.

  • طهران وروسيا وجنوب القوقاز

ومنذ بداية الجولة الأخيرة من الصراع بين أرمينيا وأذربيجان حول منطقة ناجورني قره باغ المتنازع عليها، كان من الواضح أن موسكو غير قلقة بشأن موقف طهران أو مشاركتها المحتملة.

بينما كان الروس قلقين بشأن قدرة الأتراك على تحقيق مزيد من التقدم في جنوب القوقاز.

ولم تفعل طهران سوى ترديد المواقف الروسية ببساطة وسط احتدام الصراع.

ومنذ البداية، كان لدى الإيرانيين قلقان رئيسيان. الأول هو أن الحرب من شأنها أن تغذي الشعور بالقومية الأذربيجانية داخل إيران، حيث ينحدر نحو 20 مليون إيراني من أصل أذربيجاني، ما يجعلهم يدعمون حملة باكو العسكرية لاستعادة الأراضي الأذربيجانية المحتلة من قبل أرمينيا.

بعبارة أخرى، كانت السلطات الإيرانية تخشى من احتمال امتداد ذلك، حيث ستنجر طهران عن غير قصد إلى الحرب الأرمينية الأذربيجانية.

أما العامل الثاني الذي أثار قلق إيران منذ البداية فهو سياسة تركيا الاستباقية في دعم أذربيجان التي تعطي أنقرة حصة أكبر في مستقبل جنوب القوقاز.

وأصبح هذا الخوف حقيقة واقعة الآن، وعلى إيران أن تتعلم التعايش مع ذلك وأن تمضي قدما.

وبالإضافة إلى تركيا، تلقت أذربيجان أيضا دعما عسكريا من إسرائيل، الخصم اللدود لإيران.

وقد اضطر الإيرانيون إلى التعامل مع علاقة أذربيجانية إسرائيلية قوية لبعض الوقت، لكنهم على الأرجح يفترضون أن العلاقات بين البلدين ستصبح أكثر عمقا الآن، ويمكن لهذا أن يسبب المتاعب لإيران.

والحقيقة البسيطة هي أنه على مدى الأعوام العشرين الماضية، اختارت إيران إعطاء الأولوية للعالم العربي كتركيز إقليمي رئيسي.

وعندما كانت الحرب الأرمينية الأذربيجانية مستعرة في أوائل التسعينيات، كان بإمكان إيران أن تلعب دورا موثوقا به كوسيط مستقل.

لكن لا يمكنها فعل ذلك الآن لأنها فقدت الكثير من نفوذها واختارت السماح لموسكو بتشكيل المصالح الإيرانية في جنوب القوقاز. وهي استراتيجية كان لا بد أن تضع مصالح إيران في جنوب القوقاز تحت رحمة روسيا، فيما تدفع إيران الآن الثمن الباهظ لذلك الخيار بالفعل.

المصدر | أليكس فاتانكا/معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد