الجمعة 27 نوفمبر 2020 11:04 م

كانت خطة العمل الشاملة المشتركة، أو ما يعرف بالاتفاق النووي الإيراني، بلا شك الإنجاز الرئيسي للسياسة الخارجية لإدارة "أوباما".

وفي المقابل، ادعى الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" باستمرار أن الاتفاق النووي كان أسوأ اتفاق وقعته الولايات المتحدة وانسحب منه في مايو/أيار 2018.

ومنذ ذلك الحين انتهج "ترامب" سياسة "أقصى ضغط" تجاه إيران، مما جعل الأعوام الأربعة الماضية واحدة من أكثر الفترات توترا في المواجهة المستمرة منذ 4 عقود بين واشنطن وطهران.

وصرح الرئيس المنتخب "جو بايدن" أنه مستعد لإعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، شريطة أن تعود إيران إلى الامتثال الكامل لهذا الاتفاق وتوافق على مفاوضات مستقبلية لقيود أطول وأكثر صرامة على أنشطتها النووية.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، قال "بايدن" إن "ترامب تخلى عن سياسة كانت تعمل على الحفاظ على أمن أمريكا واستبدلها بسياسة أدت إلى تفاقم التهديد".

ويمكن لهذا التحول الرئيسي المحتمل في السياسة الأمريكية أن يقلل التوترات بين البلدين ويساهم في الاستقرار في الشرق الأوسط. ومع ذلك، هناك العديد من أوجه عدم اليقين والتحديات الهائلة التي تحتاج إلى معالجة والتغلب عليها قبل أن يحدث ذلك.

الفرص والتحديات في علاقة إيران والولايات المتحدة

ولم ينسحب "ترامب" من الاتفاق النووي فحسب، بل اتخذ أيضا العديد من الخطوات لضمان عدم تمكن خليفته من إحيائه.

وفي ظل إدارة "ترامب"، واجهت إيران عقوبات غير مسبوقة، ومن المحتمل أن يعلن "ترامب" المزيد من العقوبات قبل 20 يناير/كانون الثاني 2021، تاريخ تنصيب الرئيس المنتخب.

ولدى إيران عدد قليل، إن وجد، من الأصدقاء في واشنطن.

ومن المرجح أن يعارض معظم الجمهوريين والديمقراطيين رفع العقوبات أو يطالبون بتنازلات من طهران مقابل رفع بعض هذه العقوبات. 

وفي المقابل، قالت إيران إنها منفتحة على التفاوض، لكنها وضعت شروطا مختلفة للعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، بما في ذلك التعويض عن انسحاب الولايات المتحدة والعقوبات.

ويعتبر الأمر الأكثر أهمية هو ابتعاد إيران تدريجيا عن قيود الاتفاق النووي منذ صيف عام 2019 ردا على حملة عقوبات "أقصى ضغط" التي فرضتها إدارة "ترامب".

ووفقا لتقرير حديث صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، فقد واصلت طهران بناء مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب وقامت بتسريع أبحاثها النووية.

ويمكن التوصل إلى جذور الصراع بين إيران والولايات المتحدة في جغرافيا وتاريخ الشرق الأوسط.

ويرى الإيرانيون أن دولتهم هي القوة المهيمنة في منطقة الخليج وجنوب آسيا.

وتعد إيران موطنا لواحدة من أقدم الحضارات في العالم، وقد طورت على مر القرون هوية وطنية قوية بالرغم من وجود أقليات عرقية وطائفية متعددة.

علاوة على ذلك، لدى إيران عدد كبير من السكان وطبقة متوسطة متعلمة جيدا.

وبالإضافة إلى هذا التاريخ الطويل والمزايا الديموغرافية، تمتلك البلاد رابع أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، بعد فنزويلا والسعودية وكندا، كما تمتلك ثاني أكبر احتياطيات من الغاز الطبيعي بعد روسيا، وهي من مؤسسي منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" ومنتدى الغاز الطبيعي. 

ويعد الدافع الأساسي لسياسة إيران الإقليمية هو الشعور القوي بأنها "ضحية". وترى طهران أنه لولا المؤامرات الأجنبية لكانت البلاد هي القوة الإقليمية المهيمنة. بعبارة أخرى، ترى إيران أن الوجود الروسي والبريطاني والأمريكي حرم طهران من تفوقها المفترض "الطبيعي" في المنطقة.

ويقول القادة الإيرانيون إن هيمنتهم لن تعني احتلال أراضي جيرانهم أو فرض أي شروط عليهم.

وبدلا من ذلك، ستعمل دول المنطقة معا، دون تدخل أجنبي، لتعزيز التعاون وتجنب النزاعات ومعالجة خلافاتهم الاقتصادية والسياسية بطريقة سلمية.

وفي هذا السياق، كانت السياسة الإيرانية في ظل كل من نظام "بهلوي" والجمهورية الإسلامية متسقة، وتتمثل في أنه يجب على القوى الأجنبية مغادرة المنطقة.

ومن ناحية أخرى، لدى الولايات المتحدة مصالح اقتصادية واستراتيجية حيوية في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وتشعر بالحاجة إلى الحفاظ على وجود مكثف لحماية هذه المصالح.

ولا يعني ما يسمى بـ"ثورة النفط الصخري" أن واشنطن ستكون أقل اعتمادا على إمدادات النفط والغاز من الشرق الأوسط. ومع كونها أكبر اقتصاد على مستوى العالم، ومع الاعتماد المتبادل المتنامي والقوي بين الاقتصادات العالمية، فمن مصلحة الولايات المتحدة ضمان عدم انقطاع إمدادات النفط والغاز من الخليج إلى بقية العالم.

بالإضافة إلى أمن الطاقة، تشمل المصالح الرئيسية الأخرى لواشنطن في المنطقة مواجهة الجماعات العنيفة، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وضمان أمن (إسرائيل)، من بين أمور أخرى.

وعلى هذه الخلفية، ولحماية مصالحها، استثمرت الولايات المتحدة على مدى عقود بشكل مكثف في بناء وتعزيز العلاقات مع معظم دول المنطقة.

باختصار، بغض النظر عن التصريحات الخطابية، من غير المرجح أن يتقلص الوجود الاقتصادي والسياسي والعسكري للولايات المتحدة في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط في أي وقت قريب، بغض النظر عمن يشغل البيت الأبيض.

  • المسار المنتظر والآثار الاستراتيجية

وبعد يومين من فوز "جو بايدن" في الانتخابات، كتب وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف" على حسابه على تويتر: "رسالة صادقة لجيراننا: يرحل ترامب خلال 70 يوما، لكننا سنبقى هنا إلى الأبد".

ومع تولي إدارة "بايدن" السلطة في 20 يناير/كانون الثاني، ستواصل الولايات المتحدة دورها الاقتصادي والثقافي والعسكري في الشرق الأوسط، ومع ذلك، قد تتغير الأولويات.

ومن المرجح أن يؤكد "بايدن" على حقوق الإنسان أكثر من السابق، ومع ذلك، فإن السياسة الخارجية الأمريكية في ظل أي إدارة كانت دائما مدفوعة بمصالحها وقيمها الوطنية المتصورة.

علاوة على ذلك، ستحافظ إيران على مكانتها كقوة إقليمية في المستقبل المنظور.

كما ستبقى جارا وشريكا تجاريا مهما.

ولأكثر من ألف عام، عاش سكان الخليج، بمن فيهم العرب والفرس والسنة والشيعة والأقليات الأخرى، جنبا إلى جنب، بالرغم من خلافاتهم الأيديولوجية. ولن يتغير هذا.

ويجب أن تنظر جميع دول الخليج إلى تغيير القيادة في واشنطن كفرصة استراتيجية للانخراط في حوار لمعالجة التهديدات المشتركة الكامنة والفرص الناشئة، خاصة الآن.

على سبيل المثال، هناك حاجة ماسة إلى التعاون الإقليمي لمعالجة التأثير المدمر لـ "كوفيد-19" على النظم الصحية.

وكان الانخفاض المستمر في أسعار النفط قد وجه ضربة قوية للتنمية الاقتصادية في جميع القوى الإقليمية.

ولا يمكن لأي بلد التغلب على أي من هذه التحديات بمفرده.

المصدر | جودت بهجت/منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد