الاثنين 30 نوفمبر 2020 01:49 م

يبدو أن العلاقات المصرية الإيطالية على الصعيد السياسي والعسكري والاستراتيجي، باتت أكبر بكثير من التوترات التي تتصاعد إعلاميا بين البلدين، حول ملفات انتهاك حقوق الإنسان في القاهرة.

وعلى الرغم من ظهور توتر وغضب إعلامي إيطالي من مصر، في قضايا متعلقة بحقوق الإنسان، كان يتم التغاضي عليها خلال السنوات الأخيرة، لكن العلاقات الثنائية بين البلدين، تسير في ملفات أخرى بشكل أكبر، وبتعاظم أسرع.

فخلال الأسبوعين الماضيين، تصاعد غضب مع اعتقال قيادات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ليعاد ملف استمرار حبس الناشط الحقوقي الحاصل على الإقامة في إيطاليا "باتريك جورج زكي"، بالإضافة إلى الانتهاء من تحقيقات قضية الباحث "جوليو ريجيني".

لكنه في ذات الفترة، تتحدث التقارير عن صفقة سلاح وصفت بـ"صفقة القرن العسكرية" بين البلدين، تتضمن معدات غير مسبوقة، لها عدة أهداف إقليمية ودولية.

"ريجيني"

البداية، كانت مع صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية، حين قالت إن المدعي العام في طريقه لإنهاء التحقيقات في قضية مقتل "ريجيني"، وبدء محاكمة المتهمين خلال أسبوعين.

هذه التحقيقات، قد تؤدي لتقليص الهامش المتاح أمام الحكومة المصرية، للمناورة قانونيًا، فيما يخص محاكمة ضباط اﻷمن الوطني المتهمين بقتل "ريجيني"، خاصة أن السلطات المصرية لم تقدم التعاون اللازم، في ظل كشف التحقيقات الإيطالية أدلة تعتبر كافية، وتوثق التورط المباشر للأجهزة اﻷمنية المصرية في قتل "ريجيني".

ويمكن للمدعي العام الإيطالي، أن يطلب بدء المحاكمة، إذا ما وجد أن ما لديه من أدلة كافٍ، فيما يجب أن يسبق استدعاء المتهمين أمام القاضي، إخطارهم أولًا بانتهاء التحقيقات، والاتهامات الموجهة لهم، وجميع الأدلة المتوفرة ضدهم، وذلك لتمكينهم ودفاعهم من مراجعتها.

وخلال 20 يومًا من إخطارهم ببدء المحاكمة، يجوز للمتهمين تقديم مذكرة دفاعية أو نتائج تحقيقاتهم الخاصة أو مطالبة المدعي العام بإجراء تحقيقات محددة، غير أن وجوب إخطار المتهمين قد يُشكل تحديًا قانونيًا إذا لم تتعاون جهات التحقيق المصرية بإمداد الجانب الإيطالي بمعلومات كافية عن عناوين إقامة المتهمين.

وكان المدعي العام الإيطالي نشر بيانًا، مطلع يوليو/تموز الماضي، عقب اجتماعه مع الجانب المصري جاء فيه أن "هناك حاجة لردود فعل ملموسة من المصريين في وقت قصير بخصوص محل إقامة المشتبه فيهم الذين حدد المحققون الإيطاليون أسماءهم السنة الماضية"، وهذا المطلب لم يرد عليه المصريون حتى الآن.

وعُثر على جثمان الباحث الإيطالي "جوليو ريجيني" (28 عامًا)، خارج القاهرة، في 3 فبراير/شباط 2016، بعد أسبوع من اختفائه في يوم ذكرى ثورة 25 يناير/كانون الثاني الخامسة.

وبعد فحص الجثة في روما، ذكر تقرير الطب الشرعي المبدئي أن "ريجيني" تعرّض للتعذيب لعدة أيام، وأنه فارق الحياة بعد تعرضه لكسر فقرات عنقه.

اعتقالات المبادرة

أما القضية الثانية، فهي اعتقال 3 من قيادات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي منظمة حقوقية غير حكومية، تهتم بالشأن الداخلي المصري، وتكشف الانتهاكات التي يرتكبها النظام.

واعتقلت قوات الأمن، 3 من قيادات المبادرة، من بينهم مديرها التنفيذي، ووجّه الأمن الوطني لهم تهماً متعلقة بالإرهاب، وأمرت النيابة باحتجازهم على ذمة التحقيق.

هذه الاعتقالات، أثارت عاصفة من الإدانات بشأن سجل مصر الحقوقي من جانب جماعات أممية وحقوقية عالمية، إضافة إلى ساسة ودبلوماسيين غربيين.

وكان من ضمن هذه الإدانات، رسالة من السفير الإيطالي في مصر وسفراء آخرين، حين بعثوا رسالة إلى وزير الخارجية المصري "سامح شكري"، تندد بهذه الاعتقالات، وتطالب بالإفراج عن أعضاء المبادرة، حسبما ذكرت وكالة أنباء "أدنكرونوس" الإيطالية.

وكان سفير إيطاليا في القاهرة، ضمن وفد من سفراء غربيين، زاروا مقر المبادرة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري لمناقشة سبل دعم أوضاع حقوق الإنسان في مصر وحول العالم.

ووفق مراقبين، فإن الاعتقالات بعثت برسالة مصرية لهؤلاء السفراء، أنه من غير المقبول ما جرى، وهو ما ترفضه الدول الغربية، ومن بينها إيطاليا.

وتعد "المبادرة" الناشطة منذ 18 عاماً، الأبرز بين العدد القليل منها الذي لا يزال يعمل، مستمرة في توثيق انتهاكات الحقوق المدنية، وظروف السجون، والعنف الطائفي، والتمييز ضد النساء والأقليات الدينية.

"باتريك جورج"

أما القضية الثالثة، فهي ليست بعيدة عن "المبادرة"، ولكنها تعود إلى فبراير/شباط الماضي، حينما اعتقل "باتريك جورج زكي"، الباحث المصري في حقوق النوع الاجتماعي في المبادرة، عقب عودته من إيطاليا، حيث كان يدرس.

وحسب المنظمة، فإن "باتريك" كان في إجازة دراسية من عمله للحصول على درجة الماجستير في جامعة بولونيا في إيطاليا، وتم توقيفه وهو عائد إلى القاهرة في إجازة قصيرة، والتحقيق معه من قبل جهاز الأمن الوطني في مطار القاهرة.

وخلال احتجازه، تعرض "باتريك" "للتهديد والتعذيب والصعق بالكهرباء أثناء سؤاله عن عمله ونشاطه" طبقا لمحاميه، وذلك قبل أن يظهر بعد نحو 24 ساعة، وتقرر النيابة حبسه منذ ذلك الحين.

ووجهت النيابة إلى "باتريك" تهما أبرزها "إشاعة أخبار وبيانات كاذبة، التحريض على التظاهر دون تصريح، التحريض على قلب نظام الحكم، إدارة حساب فيسبوك بغرض الإخلال بالنظام العام".

وحينها، نقلت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، تعليق مسؤولين إيطاليين على الواقعة، منها حث البرلماني "إيراسمو بالازوتو" حكومته على عدم تجاهل الواقعة، وإعلان وزير التعليم العالي السابق نيته التقدم بطلب تحقيق برلماني في وقائع تعرض "باتريك" للتعذيب على يد قوات الأمن المصري.

كما نقلت عن رئيس لجنة التحقيق في واقعة قتل وتعذيب "ريجيني" بالبرلمان قوله تعليقا على حبس "باتريك": "كيف لنا أن نعتبر مصر دولة آمنة؟".

وخلال الأشهر الماضية، وقع ناشطون من كل دول العالم على عريضة للمطالبة بالإفراج عن "باتريك".

السلاح أهم

وعلى الرغم من هذه الانتهاكات وتصاعدها، لكن العلاقات العسكرية بين البلدين تتصاعد بشكل كبير، حتى بات واضحاً أن رهان مصر الوحيد لإبقاء العلاقات طبيعية مع إيطاليا هو زيادة معدلات استيراد الأسلحة.

هذا التقارب وصل إلى الحد الذي جعل بعض المصنعين الكبار، مثل شركة "فيركانتيري" المصنعة للفرقاطات متعددة المهام "فريم" تفضل أن تبيع للقاهرة قطعتين، كانت قد أنتجتهما في الأساس لصالح البحرية الإيطالية.

ويبلغ سعر القطعتين 1.1 مليار يورو، ويمثل شراؤهما المرحلة الأولى من صفقة تسليح قياسية بدأ التفاوض بشأنها مطلع العام الحالي، ربما تصل قيمتها الإجمالية إلى 11 مليار يورو.

وتضم الصفقة، التي وصفتها صحيفة "لا ريبوبليكا" بأنها "صفقة قرن عسكرية"، نحو 20 قاربا للصواريخ، و24 مقاتلة من طراز "يوروفايتر تايفون"، و24 طائرة "إيرماكي إم-346" للقتال المتقدم، وقمر صناعي للاستطلاع والتصوير الراداري.

ووفق مصادر، فإنّ محادثات جارية بين وزارة الدفاع والمخابرات المصرية من جهة، وهيئة تنمية الصادرات الإيطالية من جهة أخرى، للحصول على قرض بقيمة تتراوح بين 500 و650 مليون يورو، من مجموعة بنوك ومؤسسات تمويل أخرى، لتمويل المرحلة الثانية من الصفقة.

وتشمل هذه المرحلة، توريد أسلحة بحرية لم يكن مطروحاً تضمنيها في الصفقة عند بدء التفاوض في ربيع 2019، ومن بينها 4 قطع "كورفيت" على الأقل (فرقاطة صغيرة سريعة ذات تكلفة تشغيل اقتصادية وتصلح للمعارك البحرية الصغيرة والتصدي للغواصات وحمل الطوربيدات).

كما تضم الصفقة الجديدة، نحو 22 من اللانشات الهجومية الخاطفة، مع تجهيز جميع هذه القطع بمنظومة حرب إلكترونية ورادارات وأجهزة حديثة للاستشعار عن بعد، وتوفير مدربين لتمرين الضباط المصريين على استخدام بعض المميزات التي ستكون جديدة على البحرية المصرية.

وكشفت وثيقة رسمية، قبل أسابيع، للمرة الأولى، أن قيمة مشتريات مصر من الشركات الإيطالية لتصنيع الأسلحة والذخائر وقطع الغيار والبرمجيات العسكرية لعام 2019 تضاعفت 3 مرات عن قيمة المشتريات في 2018، لتكون الأعلى في تاريخ العلاقات بين البلدين.

وأنفقت مصر في شراء الأسلحة الإيطالية عام 2019، مبلغاً إجمالياً قدره 238 مليونا و55 ألفا و472 يورو، مقابل 69.1 مليون يورو تقريباً في 2018، بما يتجاوز القيمة الإجمالية للمشتريات المصرية من إيطاليا خلال العقد الأخير بعشرات الملايين.

وتوفر القطع المتعاقد عليها، قدرات نوعية للبحرية المصرية في تعزيز مهام الدوريات، والنقل والإنزال، والبحث والإنقاذ، ومكافحة الغواصات.

وقد دخلت الفرقاطة "فريم" إلى الخدمة لدى البحرية الإيطالية عام 2013، وتتميز بقدرتها في مهام الدفاع الجوي وصد الهجمات الصاروخية المعادية، ومكافحة السفن والغواصات، وضرب الأهداف البرية الساحلية، والدعم النيراني للقوات في البحار والمحيطات، والقدرة على حمل صواريخ بعيدة المدى.

ويمنح قمر التصوير الراداري، مصر، إمكانية امتلاك خرائط عالية الدقة للتضاريس الأرضية، والتغيرات الجيولوجية وأنشطة الزلازل والبراكين، بخلاف الاستخدامات العسكرية المتنوعة.

وتحتل مصر المركز الرابع عالمياً بين مستوردي الأسلحة الإيطالية، خلف الكويت وقطر وألمانيا.

الملف الليبي

ووفقا لصحيفة "نوتيزي جيوبوليتيك" الإيطالية، فإن حكومة إيطاليا ضحت بقضية "ريجيني"، مقابل الحفاظ على التنسيق التجاري بين البلدين، والتعاون الثنائي في الأزمة الليبية، ومكافحة الهجرة غير الشرعية.

ويشكل الملف الليبي أولوية لروما التي تريد تأمين مصالحها في البلد العربي النفط، خاصة أن مصر تعد أحد اللاعبين الرئيسين على الساحة الليبية، إلى جانب الإمارات وفرنسا.

ولم تضع وزارتا الخارجية والدفاع في إيطاليا أي قيود أو موانع تحول دون إتمام الصفقة مع القاهرة، حسب إفادة مدير وحدة ترخيص الأسلحة في وزارة الشؤون الخارجية الإيطالية "ألبرتو كوتيلو".

وربما تكون مصر وسيطا لتزويد الجنرال الليبي "خليفة حفتر" بقدرات جوية وبحرية متطورة، لاسيما أنه يعاني حظرا أمميا يحول دون شرائه السلاح.

وتتكبد قوات "حفتر" خسائر فادحة على يد الطائرات المسيرة التركية الداعمة لحكومة "الوفاق" (معترف بها دوليا)؛ ولذلك ليس من المستبعد أن يتم تمويل جزء من الصفقة المصرية الإيطالية عبر طرف ثالث (الإمارات) بهدف استعادة مقاليد الأمور في ليبيا.

وتعد مصر البوابة الكبيرة لدخول السلاح للشرق الليبي، وهي منفذ رئيس لشحنات السلاح الإماراتية الموجهة إلى "حفتر".

حقول الغاز

كما تبرز مصالح عملاق النفط الإيطالي "إيني" كذلك في خلفية التعاون بين القاهرة وروما؛ حيث تعمل الشركة الإيطالية في حقل "ظهر" المصري، أكبر حقول الغاز في البحر المتوسط.

وتتوافق المصالح المصرية والإيطالية في أهمية تأمين موارد الطاقة، وحماية استثمارات البلدين في منطقة شرقي المتوسط.

ومن المتوقع أن تصل معدلات إنتاج "ظهر" بنهاية العام الجاري إلى أكثر من 3 مليارات قدم مكعبة غاز يوميا، وتقدر احتياطياته بـ30 تريليون قدم مكعبة من الغاز.

وتحصل "إيني" على 40% من عوائد الحقل لاسترداد تكاليف الاستثمار، إضافة إلى حصة 35% من عوائد الحقل كأرباح، على أن تكون حصة الشركة 35% فقط من عوائد الحقل بعد استرداد تكاليف الاستثمار.

التمدد التركي

ويرى محللون ومراقبون، أن التعاون المصري الإيطالي، يستهدف مواجهة النفوذ التركي المتنامي في منطقة المتوسط.

وتقول تقارير إيطالية إن "المصريين يحتاجون إلى وحدات بحرية حديثة في غضون وقت قصير ليتمكنوا من مواجهة بحرية أنقرة".

وتخشى القاهرة تعاظم نفوذ أنقرة بعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع طرابلس، واعتزام الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" الحفر والتنقيب داخل المناطق البحرية التي تم ترسيمها بموجب الاتفاق.

ويمكن اعتبار الصفقة المصرية الإيطالية بمثابة إعادة تموضع عسكري من قبل البحرية المصرية؛ لاستعادة الهيبة وبسط النفوذ، ومواجهة التمدد التركي في منطقة المتوسط.

المصدر | الخليج الجديد