بعد إنكار مبدئي، بدأت إثيوبيا الصيف الماضي في ملء سد النهضة الإثيوبي، الذي يعد أكبر سد لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا، وتبرر الحكومة الإثيوبية المشروع برغبتها في توليد الطاقة وتطوير البلاد، لكن حقيقة أن السد يقع على بعد أقل من 10 أميال من الحدود السودانية ويمنع المياه التي يعتمد عليها كل من السودان ومصر في الزراعة يجعل من تشييد السد قضية دولية.

من الناحية النظرية، قد تحل الدبلوماسية الخلافات حول السد وتضع بروتوكولات لتقاسم المياه، لكن حكومة إثيوبيا تصرفت بشكل أحادي وعرقلت الدبلوماسية من أجل خلق أمر واقع.

نمط إثيوبي معتاد

نال نزاع إثيوبيا مع مصر الكثير من التغطية الإعلامية، لكن حجز النيل الأزرق في ظل غياب أي تنسيق ذي مغزى أصبح هو القاعدة وليس الاستثناء بالنسبة لأديس أبابا.

وتهدد الإجراءات الإثيوبية بشكل منهجي سبل العيش والاستقرار، ليس فقط في مصر والسودان، ولكن أيضًا في الصومال وكينيا.

ولا تعارض الدول الإقليمية حق إثيوبيا في تطوير الطاقة الكهرومائية، حيث أكدت مصر مرارًا دعمها لحق إثيوبيا في تسخير النيل الأزرق، ولكن فقط وفقًا لمبادئ القانون الدولي، وبموجب القانون الدولي العرفي، يتوجب على الدول التي تخطط لإنشاء سدود أو تحويلات على الأنهار التي تعبر الحدود الدولية أن تخطر الدول التي تشاركها النهر بمشاريعها المخططة وتتشاور معها بشأن مواصفات التصميم.

ومع ذلك، أحجمت إثيوبيا مرارًا وتكرارًا عن التفاوض وإبداء النوايا الحسنة، ومع أن المكتب الفني الإقليمي للنيل الشرقي التابع لمبادرة حوض النيل - وهي شراكة حكومية دولية تضم 10 دول من حوض النيل بما في ذلك إثيوبيا والسودان ومصر – خلُص إلى أن السعة التخزينية المثلى لسد توليد الطاقة الكهرومائية في الموقع الذي ستنشئ فيه أديس أبابا السد في نهاية المطاف هي 14.47 مليار متر مكعب، إلا أن هذا الرقم أقل من خُمس ما بنته إثيوبيا لاحقًا.

في أعقاب الاحتجاجات المصرية، وافقت إثيوبيا في نهاية المطاف على دعوة فريق خبراء دولي، وكان تقريرهم لعام 2013 مدينًا لإثيوبيا، فقد وجد أن الدراسات الإثيوبية التي أجريت للتحضير للسد كانت "مبدئية للغاية، ولم تصل بعد إلى مستوى من التفاصيل والتطور والموثوقية التي تناسب تطويرًا بهذا الحجم".

ومع ذلك، استمرت إثيوبيا في بناء سد لا يهدف إلى تعظيم الكفاءة أو معالجة مخاوف دول المصب، وفي يونيو/حزيران 2014، وافق الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" ورئيس الوزراء الإثيوبي "هيلي مريام ديسالين" على لجنة وطنية ثلاثية (تشمل السودان) للإشراف على مزيد من الدراسات، لكن هذه المبادرة فشلت أيضًا لأن إثيوبيا رفضت قبول خبرة أي مستشار دولي.

وفي مارس/آذار 2015، حاولت القاهرة والخرطوم مرة أخرى وحصلتا على اتفاق من أديس أبابا بشأن إعلان مبادئ لتسريع استكمال الدراسات والاتفاق على مبادئ توجيهية تحكم كل من ملء سد النهضة وتشغيله، ولكن لسوء الحظ، عرقل الدبلوماسيون الإثيوبيون الاجتماعات اللاحقة وقطعوا التفاهمات مع دول المنطقة والبنك الدولي والولايات المتحدة، وهكذا، بدأت من جانب واحد في ملء السد.

في حين أن اتخاذ إجراءات أحادية الجانب يمكن أن تؤثر على 98% من المصريين قد يبدو تحريضًا على الحرب، إلا إن الأحادية الإثيوبية في مجال المياه ليست جديدة.

تحدي للمعايير الدولية

لنأخذ بعين الاعتبار سدود جيبي الإثيوبية على حوض نهر أومو، فقد أدى بناء السدود الإثيوبية من جانب واحد إلى تدمير بحيرة توركانا المدرجة في قائمة اليونسكو في كينيا، وهددت أفعالها وجود البحيرة وفاقمت الجوع والصراع في المناطق المحيطة، وتكرر الإجراءات الإثيوبية - المتحذة في غياب المشاورات مع كينيا - كارثة بحر آرال في شرق أفريقيا.

كما اتخذت إثيوبيا إجراءات أحادية الجانب بشأن نهري جوبا وشبيلي اللذين يرويان جنوب غرب الصومال، ويعتبر كلا النهرين من المصادر الرئيسية للمياه العذبة في الصومال، وهكذا سيعاني الصومال بشكل مضاعف، فهو سيتأذى عندما تمنع إثيوبيا تدفق شبيلي، مما يقوض التنمية الاقتصادية، وعندما يتم إلقاء القمامة بعد ذلك في قاع النهر الجاف فتسمم مناطق المصب عندما يُستأنف جريان المياه.

وفي الوقت نفسه، تهدد مشاريع الطاقة الكهرومائية الإثيوبية على نهر جوبا الأمن المائي والغذائي في الصومال، حيث يمكن أن تبدأ الإجراءات الإثيوبية في تجفيف نهر جوبا في غضون عقد من الزمن.

ومرة أخرى، يجادل المسؤولون الإثيوبيون بأنهم يستطيعون اتخاذ إجراءات أحادية الجانب في ظل غياب اتفاقية دولية، لكن هذا يتعارض مع المعايير الدولية، التي تتطلب التشاور المسبق مع الدول الواقعة على ضفاف النهر.

غالبًا ما يحظى الخلاف بين إثيوبيا ومصر باهتمام الصحافة الدولية، ولكن، تظهر الحالات التي تؤثر في كينيا والصومال أن نمط التحدي الإثيوبي للمعايير الدولية أعمق.

الهيمنة المائية

في حين أن الهيمنة المائية لإثيوبيا سبقت رئيس الوزراء الحائز على جائزة نوبل "آبي أحمد"، فإن إخفاقاته المحلية المتزايدة دفعته إلى مضاعفة التحدي والتعنت الإثيوبي، وهذه طريقته في تقديم نفسه على أنه قومي.

أيضًا، أدى ذلك إلى قيام "آبي" بمهاجمة الولايات المتحدة بشكل متزايد من خلال الادعاء بأن الوساطة الأمريكية أدت إلى قيود غير عادلة، وقيود على الطاقة، وباب خلفي للاستعمار.

كل هذا هراء بالطبع، لأن توليد الطاقة في إثيوبيا واحترام حقوق دول المصب لا ينبغي أن يكونا متعارضين، ولا يكتفي "آبي" بكونه طاغية محليًا يحاول إضفاء الطابع المركزي على إثيوبيا، وإنما يسعى أيضًا إلى التصرف كقوة استعمارية واستغلال دول حوض نهر النيل وكينيا والصومال.

قد يتنقل "آبي" حول العالم بحثًا عن تملق أولئك الذين لديهم معرفة محدودة عنه وإثيوبيا، لكن الناس في إثيوبيا وشرق أفريقيا يرونه كرجل يخاطر لتعزيز غروره بنفسه والتوسع الإثيوبي، وقد حان الوقت لأن تراه الولايات المتحدة والعالم الغربي والجامعة العربية والعدد المتزايد من الديمقراطيات الأفريقية بنفس الطريقة وتعامله وفقًا لذلك.

المصدر | مايكل روبين/ ناشونال انترست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد