الأربعاء 23 ديسمبر 2020 03:15 م

بالنسبة للسودان كانت الموافقة على تطبيع العلاقات مع إسرائيل هي ثمن شطب البلاد من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب. وقد ختم اتفاق دبلوماسي مماثل مع إسرائيل مطالبات المغرب الطويلة للولايات المتحدة بالاعتراف بسيادتها على الصحراء الغربية. وكان على المسؤولين في الإمارات الذين أرادوا شراء طائرات مقاتلة من طراز "إف-35" من الولايات المتحدة التوقيع أولاً على اتفاقيات "أبراهام".

في كل هذه الحالات يمكن أن تسقط الحوافز التي أغرتهم بها إدارة "ترامب"  إما من خلال رفض الكونجرس لها أو عرقلتها من قبل إدارة الرئيس المنتخب "جو بايدن". ولا يهدد ذلك سلسلة الاتفاقيات الإقليمية الأخير فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى تفاقم النظرة العالمية بأن الولايات المتحدة لايمكن الاعتماد عليها.

تعتبر اتفاقات "أبراهام"، الإنجاز الأبرز لـ"ترامب" في السياسة الخارجية، حيث توسط لتطبيع العلاقات الاقتصادية والسياسية لإسرائيل مع البحرين والإمارات والسودان والمغرب. وقال مسؤولون مطلعون على جهود الإدارة، إن عمان وتونس قد تكونا الدولتين التاليتين اللتين ستنضمان لهذا المسار، ويمكن توسيع النطاق ليشمل دولًا في آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء حتى بعد مغادرة "ترامب" منصبه في يناير/كانون الثاني.

وقال "روبرت مالي" الرئيس والمدير التنفيذي لمجموعة الأزمات الدولية، المقرب من "أنتوني بلينكين"، الذي اختاره بايدن لمنصب وزارة الخارجية: "الدبلوماسية عبارة عن معاملات، لكن معاملات ترامب تمزج أحيانا بين أشياء لا ينبغي مزجها".

وقال "مالي" إنه لم يكن يتحدث باسم إدارة "بايدن" لكنه توقع أنها ستحاول التراجع أو إضعاف أجزاء من صفقات التطبيع التي تتحدى الأعراف الدولية، كما في حالة سيادة المغرب على الصحراء الغربية، أو التي تتحدى سياسة الولايات المتحدة القائمة منذ فترة طويلة مثل مبيعات "إف-35" للإمارات.

والأسبوع الماضي، وافق مجلس الشيوخ بفارق ضئيل على قرار شراء الإمارات لطائرات الشبح والطائرات بدون طيار وغيرها من الأسلحة الدقيقة، مما يشير إلى القلق بشأن صفقات الأسلحة الموسعة إلى الخليج العربي. ويمكن عكس ذلك إذا سيطر الديمقراطيون على المجلس بعد انتخابات الإعادة في جورجيا الشهر المقبل. كما أن إدارة "بايدن" ستراجع هذه الخطوة لضمان أن الصفقة التي تبلغ حوالي 23 مليار دولار إلى الإمارات لا تضعف التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة.

وبعد يوم واحد من تصويت مجلس الشيوخ، قال الرئيس الجمهوري للجنة القوات المسلحة، السناتور "جيمس إينهوف" من أوكلاهوما، إن قرار إدارة "ترامب" الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية "صادم ومخيب للآمال" وتوقع تغير القرار.

يشار إلى أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي يعتبرون الصحراء الغربية منطقة متنازع عليها.

وقال "إينهوف" في بيان له: "أشعر بالحزن لأن حقوق شعب الصحراء الغربية قد تم التنازل عنها.. لقد تلقى الرئيس نصائح سيئة من فريقه؛ بينما كان بإمكانه إبرام هذه الصفقة دون التنازل عن حقوق الآخرين".

وقال رئيس الوزراء المغربي "سعد الدين العثماني" إن حكومته "لا تريدها أن تكون عملية مبادلة"، مضيفا في مقابلة مع قناة "الجزيرة": "نحن لا نتفاوض على الصحراء.. لكن الانتصار في هذه المعركة تطلب الاقتران".

كما أن الاتفاق الدبلوماسي مع السودان أثبت أنه الأكثر حساسية حيث تم ربط قضية الحصانة في المحاكم الأمريكية من دعاوى الإرهاب بشرط توقيع السودان على اتفاقات السلام مع إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول.

وكانت وزارة الخارجية قد قررت بالفعل شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مقابل تعويض الخرطوم لضحايا تفجيرات 1998 للسفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا. وكجزء من تلك المفاوضات، طالبت الحكومة الانتقالية في السودان بإسقاط جميع دعاوى الإرهاب الأخرى التي واجهتها خلال 27 عامًا كانت خلالها مدرجة على القائمة.

وقد وافقت وزارة الخارجية على إسقاط الدعاوى بشرط خاص وهو أن يبدأ السودان في إذابة ميراث نصف قرن من القتال مع إسرائيل. ومع ذلك، فإن الكونجرس فقط هو من يمكنه منح السودان الحصانة القانونية التي يسعى إليها. وقد وصل المشرعون خلال الأشهر العديدة الماضية، إلى طريق مسدود بشأن القيام بذلك، بالنظر إلى أن ذلك سيحرم عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 من حقوقهم في المحكمة.

وقالت "كريستين بريتوايزر"، المحامية التي قُتل زوجها في هجمات نيويورك، في بيان صدر الأسبوع الماضي خلال مداولات ساخنة في الكونجرس: "لقد أردنا دائمًا محاسبة جميع الإرهابيين على أعمالهم في 11 سبتمبر/أيلول".

ويصر السودان على أنه غير مسؤول عن هجمات 11 سبتمبر/أيلول، بالنظر إلى أن زعيم القاعدة "أسامة بن لادن" قد ترك ملاذه في البلاد قبل 5 سنوات من تنفيذها. لكن الحل الوسط الذي تم التوصل إليه في الكونجرس، وفقًا لمسؤولين وآخرين قريبين من المفاوضات، أنه سيسمح بمواصلة دعاوى 11 سبتمبر/أيلول، مما يجعل السودان مسؤولاً عن تعويضات الضحايا بمليارات الدولارات.

وامتنع ممثلو السفارة السودانية في واشنطن عن التعليق لكنهم قالوا في وقت سابق إن البلاد قد تنسحب من اتفاقات السلام مع إسرائيل إذا لم تحصل على حصانة من دعاوى الإرهاب. وبينما تحاول إدارة "ترامب" منع انهيار الصفقة، أكد تقرير لـ"بلومبرج" أن الولايات المتحدة عرضت على السودان قرضًا بقيمة مليار دولار للمساعدة في سداد متأخراتها والحصول على ما يصل إلى 1.5 مليار دولار من المساعدات التنموية السنوية. ومن المتوقع أن يزور وزير الخزانة "ستيفن منوتشين" السودان وإسرائيل والإمارات في وفد رفيع المستوى إلى المنطقة الشهر المقبل.

وتبدو البحرين استثناءً وحيدًا من بين الدول التي عُرضت عليها حوافز كجزء من اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، بالرغم أن وزارة الخارجية الأمريكية صنفت الأسبوع الماضي "سرايا المختار" المرتبطة بإيران على أنها جماعة إرهابية، باعتبار أنها تسعى إلى إسقاط الحكم في البحرين.

وقد أثار ذلك أيضًا مخاوف المسؤولين الحكوميين الحاليين والسابقين من أن الولايات المتحدة قد تصنف المتمردين الحوثيين في اليمن كمنظمة إرهابية أجنبية، لإقناع السعودية بالتوقيع على الاتفاقات مع إسرائيل.

كما قال مسؤولون مقربون من صنع القرار إن وزير الخارجية "مايك بومبيو" كان يميل إلى إصدار التصنيف لقطع دعم إيران للحوثيين، الذين سيطروا على معظم اليمن. ولكن ذلك يمكن أن يمنع إيصال المساعدات الإنسانية إلى الموانئ الرئيسية في اليمن، والتي يسيطر الحوثيون على معظمها، مما يؤدي بدوره إلى تفاقم المجاعة في واحدة من أفقر دول العالم.

ومع ذلك، فمن المشكوك فيه أن تصنيف الحوثيين بالإرهاب وحده سيقنع السعودية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وقد يستغرق هذا الأمر بعض الوقت حتى يظهر الشباب في المملكة اهتماما أكثر بالوظائف والاستقرار الاقتصادي بدلا من الصراع القديم بين إسرائيل وفلسطين.

وقالت "نيكي هايلي"، التي كانت أول سفيرة لـ"ترامب" لدى الأمم المتحدة، إن الزيارة السرية التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" إلى السعودية الشهر الماضي للقاء ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" كانت إشارة جريئة على الانفتاح.

وقالت "هايلي" أمام قمة "ديبلوتيك" العالمية التي تتخذ من إسرائيل مقراً لها: " تريد هذه الدول العربية أن تكون صديقة لإسرائيل".

وحتى لو لم توافق إدارة "بايدن" على دبلوماسية الصفقات التي يتبعها "ترامب"، فإن الإدارة الجديدة ستكون حذرة أيضًا من الظهور بمظهر المتراجع عن دعم إسرائيل، التي تعد أقوى حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وتتمتع بنفوذ سياسي كبير على الناخبين الإنجيليين واليهود الأمريكيين.

وقال "داني دانون" السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة والذي تقاعد هذه السنة ."أعتقد أن الرئيس المنتخب "بايدن" سيحاول الاستمرار في هذا الزخم لأنه مفيد للولايات المتحدة وحلفائها، وأعتقد أن هذا سيكون الشيء الصحيح الذي يجب فعله".

المصدر | لارا جيكس - نيويورك تايمز – ترجمة وتحرير الخليج الجديد