الاثنين 4 يناير 2021 12:02 ص

منذ أن قامت الإمارات بتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في 13 أغسطس/آب، ارتفعت التوترات بين الإمارات وتركيا إلى مستويات غير مسبوقة. وقد هدد الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" بتعليق العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، في أعقاب اعتقال المخابرات التركية لجاسوس إماراتي في 16 أكتوبر/تشرين الأول. وردت الإمارات على ذلك باتهام تركيا بزعزعة استقرار الخليج من خلال قاعدتها في قطر، كما وقّعت الإمارات لاحقًا اتفاقية دفاع مشترك مع اليونان في 23 نوفمبر/تشرين الأول، وهددت بفرض عقوبات على الجزائر لتعاونها مع تركيا.

وبالرغم من استمرار الإمارات في تصعيد التوترات مع تركيا، إلا أن استدامة جهود أبوظبي لاحتواء النفوذ التركي في الشرق الأوسط لا تزال غير مؤكدة. لقد انهارت الركائز الأساسية لاستراتيجية الإمارات المناهضة لتركيا، والتي تمثلت في بناء إجماع واسع ضد تركيا في العالم العربي وتدخل عسكري ناجح في ليبيا. وفي حين أن الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن" قد يمنح الأجندة الإماراتية المناهضة لتركيا ضوءا أخضر للاستمرار، فإن الانتكاسات الأخيرة التي تعرضت لها أبوظبي قد تجبرها على إعادة ضبط استراتيجيتها تجاه تركيا في الأشهر المقبلة.

ومنذ أن أرسلت تركيا قوات إلى قطر في صيف عام 2017، حاولت الإمارات تشكيل تحالف إقليمي واسع ضد أنقرة، وكانت الدوافع الرئيسية المعلنة لجهود بناء التحالف هي "القومية العربية ومكافحة الإرهاب". وفي ديسمبر/كانون الأول 2017، صرح وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أن "العالم العربي لن تقوده تركيا" وحث الدول العربية على الالتفاف حول "المحور العربي" المتمثل في مصر والإمارات والسعودية.

وقد استخدمت الإمارات روايات التضامن العربي بطريقة مماثلة لحشد شركائها ضد حملة "غصن الزيتون" التركية في عفرين السورية في يناير/كانون الثاني 2018. كما عملت عبر حلفائها الإقليميين، مثل الجيش الوطني الليبي بقيادة "خليفة حفتر" والمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن حيث زعمت الإمارات أن تركيا تدعم الحركات الإسلامية في جميع أنحاء المنطقة.

واكتسب بناء الإمارات لتحالف عربي ضد تركيا زخمًا كبيرًا في أعقاب عملية "نبع السلام" في شمال سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2019. وخلال ذلك الهجوم، وصف "أنور قرقاش" سوريا بأنها "دولة عربية شقيقة" وأطلق دعوات لانسحاب القوات التركية من المناطق ذات الأغلبية الكردية في شمال سوريا.

ورددت السعودية والكويت الخطاب الإماراتي رغم رفضهما تطبيع العلاقات مع رئيس النظام السوري "بشار الأسد". وكانت ليبيا هي المعترض الوحيد على قرار جامعة الدول العربية الذي أدان سلوك تركيا. واعتبرت الإمارات مخاوف السعودية المتزايدة بشأن التهديد التركي والمبادرات المخصصة لاحتواء تركيا، بالإضافة إلى مصر والعراق والأردن، دليلاً على الزخم المتزايد لجهودها لمحاربة أنقرة.

ولكن في الأشهر الأخيرة، تفككت مساعي الإمارات للتوصل إلى إجماع عربي ضد تركيا. فبالرغم من إحباطات العراق من الضربات التركية المتكررة عبر الحدود على حزب العمال الكردستاني، إلا أن رئيس الوزراء العراقي "مصطفى الكاظمي" كان يتودد إلى تركيا كشريك إقليمي.

وفي ضربة أكبر للأجندة الإماراتية المناهضة لتركيا، استخدم الملك "سلمان" نبرة تصالحية مع "أردوغان" بعد تواصلهما في 20 نوفمبر/تشرين الثاني. ويمكن تفسير هذا التحول، الذي حدث بعد أسابيع من مقاطعة السعودية للسلع التركية بشكل غير رسمي، بجهود الرياض لإعادة صياغة سياستها الخارجية قبل وصول إدارة "بايدن".

وانهارت خطط الجنرال "خليفة حفتر" الحليف الليبي للإمارات، وأصبحت تركيا هي المستفيد الرئيسي من انتكاسات "الجيش الوطني الليبي. وفي الوقت الذي يكافح فيه "حفتر" للحفاظ على موطئ قدم في سرت والجفرة، يسعى شركاء الإمارات في ليبيا إلى تحقيق توازن بين الاستراتيجيات المختلفة حيث تعمل فرنسا وروسيا ومصر بانتظام مع المسؤولين الموالين لتركيا في حكومة الوفاق الوطني، مثل وزير الداخلية الليبي "فتحي باشاغا" من أجل الحفاظ على نفوذهم في ليبيا.

وفي حين أن انتقاد "أنور قرقاش" لأحادية "حفتر" في يونيو/حزيران يشير إلى أن الإمارات محبطة من زعيم الجيش الوطني الليبي، فإن تأطير أبوظبي للصراع الليبي على أنه حرب بالوكالة مع تركيا يحد من قدرتها على التكيف مع موازين القوى المتغيرة على الأرض.

وتشير الأسس المنهارة لاستراتيجية الإمارات المناهضة لتركيا إلى أن أبوظبي بحاجة إلى إعادة التفكير في نهجها لاحتواء أنقرة. ويمكن أن تؤدي إعادة تقييم الإمارات لاستراتيجيتها تجاه تركيا إلى مسارين للسياسة الخارجية.

المسار الأول هو تخفيف تكتيكي للتوتر بين الإمارات وتركيا، والذي يتحقق من خلال الحوار المتزايد وتقليل أسباب التوتر مثل الجهود التي بذلتها الإمارات لتقليل التوترات مع إيران من مايو/أيار 2019 إلى أغسطس/آب 2020 ولكن من غير المرجح أن تنجح هذه الجهود. فعلى عكس إيران، التي رأت أن التهدئة مع الإمارات وسيلة لإبعاد الولايات المتحدة عن الحرب وتقويض الهيمنة السعودية داخل دول مجلس التعاون الخليجي، فإن تركيا لديها القليل من الحوافز للتهدئة مع الإمارات. ونظرًا لأن وسائل الإعلام التركية الحكومية تتهم بشكل روتيني الإمارات بمحاولة زعزعة استقرار تركيا من خلال التجسس أو التواطؤ مع فرنسا، فإن التقارب مع أبوظبي لن يحظى بشعبية كبيرة.

ولعل المسار الثاني الأكثر منطقية هو إعادة تقويم استراتيجية الإمارات المناهضة لتركيا. ونظرًا لأن عقوبات قانون "قيصر" تمنع الإمارات من الاستثمار في إعادة إعمار سوريا كما تواجه حملة الإمارات في ليبيا عائدات متناقصة، فلم يعد بإمكان أبوظبي تنفيذ سياسة احتواء موسعة ضد تركيا في الشرق الأوسط. وبسبب هذه القيود، يمكن للإمارات تخصيص المزيد من الموارد لاحتواء تركيا في أماكن أخرى مثل شرق البحر المتوسط ​​وأفريقيا جنوب الصحراء.

ويؤكد انضمام الإمارات إلى منتدى غاز شرق المتوسط ​​كمراقب والتدريبات المشتركة للقوات الجوية الإماراتية مع اليونان في أغسطس/آب على أهمية أبوظبي المتزايدة كأحد أصحاب المصلحة في شرق البحر المتوسط. وتسمح شبكة التحالفات الإماراتية في السودان وإثيوبيا جنبًا إلى جنب مع نفوذها المتزايد في منطقة الساحل بالتنافس المباشر مع تركيا في إفريقيا.

علاوة على ذلك، يمكن أن توسع الإمارات استخدامها للقوة الناعمة والدبلوماسية لاحتواء النفوذ التركي. فقد تنافست الإمارات من خلال المساعدات الطبية والإمدادات الغذائية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا خلال جائحة "كورونا" مع مبادرات تركيا المماثلة.

ويمكن أن تغير الإمارات سياستها في ليبيا والتي تجلت سابقا في الضغط على "حفتر" للانسحاب من مفاوضات السلام في يناير/كانون الثاني في موسكو، حيث قد تتجه أبوظبي إلى تشجيع زعيم الجيش الوطني الليبي على انتزاع التنازلات على طاولة المفاوضات. كما تسمح عودة سفير السلطة الفلسطينية في أبوظبي لدولة الإمارات بتوسيع دورها الدبلوماسي في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ومواجهة التعاون التركي المتزايد مع حماس.

ومع دخول أزمة العلاقات الإماراتية التركية عامها الرابع، فإن استراتيجية أبوظبي لاحتواء النفوذ التركي في الشرق الأوسط على شفا الانهيار. وبما أن المسؤولين الإماراتيين يواصلون تصوير إيران وتركيا كخصمين مشتركين في الشرق الأوسط، فإنهم غير مستعدين لتقديم تنازلات لأنقرة بشكل خاص. وبدلاً من ذلك، قد تتحول الإمارات بعيدًا عن احتواء النفوذ التركي بالقوة في الشرق الأوسط ونحو استراتيجية تركز على التنافس خارج الشرق الأوسط واستخدام القوة الناعمة. ويمكن لإعادة التقييم الاستراتيجي أن تساعد الإمارات على تطوير استراتيجية احتواء أكثر استدامة تجاه تركيا في الأشهر المقبلة.

المصدر | صمويل راماني - منتدى الخليج الدولي – ترجمة وتحرير والخليج الجديد