السبت 9 يناير 2021 07:33 ص

اعتبر تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن التصورات المسبقة في العقليتين التركية والأمريكية عن سياسات البلدين، التي تشكلت في فترات تاريخية سابقة، تلعب دورا كبيرا في التدهور الحاصل في العلاقات بينهما، وأن إصلاح تلك التصورات هو الطريق الأول لإعادة ضبط تلك العلاقات.

وأضاف التحليل، الذي كتبته "أسلي آيدن تاشباش"، وهي زميلة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن تركيا دولة مهمة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وأن على الإدارة الأمريكية المقبلة للرئيس الديمقراطي "جو بايدن" العمل على تعزيز العلاقات مع أنقرة، عوضا عن زيادة التوتر معها؛ فكلا البلدين في حاجة إلى بعضهما البعض.

فقبل عام من الآن، قال "بايدن"، المرشح الرئاسي آنذاك، في مقابلة مع هيئة تحرير صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، إنه "قلق للغاية بشأن تركيا"، وفقا لمقطع فيديو أثار جدلا واسعا في تركيا.

إذ اعتبر "بادين" أن الولايات المتحدة "يجب أن تتخذ نهجا مختلفا عن إدارة دونالد ترامب إزاء تركيا عبر الانخراط مع قطاع عريض من المجتمع التركي، وتعزيز المعارضة هناك، والتحدث عما نعتقد أنه خطأ".

وتعكس كلمات "بايدن" القاسية حقيقة أن تركيا كانت مصدر إزعاج كبيرا لصانعي السياسة في الولايات المتحدة على مدى السنوات القليلة الماضية.

وليس من المستغرب، إذن، أن كبار مسؤولي السياسة الخارجية في إدارة "بايدن" سيكونون في حيرة من أمرهم لصياغة سياسة بلدهم تجاه هذا "الحليف الصعب".

زواج قائم على الغش 

وترى "آيدن تاشباش" أن هناك "نوعا غريبا من العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا".

فحسب اعتقاد المسؤولين من كلا الجانبين، فإنهم يقدرون بشدة تحالفهم الذي دام عقدا من الزمان، ويدركون أنهم بحاجة إلى بعضهم البعض؛ حيث يتعاونون في مجموعة متنوعة من قضايا السياسة الخارجية التي تمتد من العراق، إلى تنظيم "الدولة"، إلى الأوضاع في البلقان.

لكن في الوقت نفسه، فإنهم يفتقدون إلى الثقة في بعضهم البعض، ويعاقبون ويدينون بعضهم البعض علانية، ويقاتلون بمرارة حول مجموعة من القضايا من الأكراد، إلى حلف "الناتو"، إلى إسرائيل.

وتُظهر هذه الحقائق المتناقضة الخلل العميق وغير المنطقي في العلاقات الأمريكية - التركية.

إذ تبدو العلاقة بين البلدين، في بعض الأحيان، كزواج يغش فيه الشريكان ويكذبان، ويستخدمان علاقتهما الحميمة لإيذاء بعضهما البعض؛ فالولايات المتحدة توفر المأوى لـ"فتح الله جولن"، زعيم منظمة الخدمة، التي تتهمها تركيا وبالوقوف وراء الانقلاب الدموي صيف 2016، كما توفر واشنطن السلاح لتنظيمات كردية تابعة لحزب العمال الكرستاني "بي كا كا"، الذي تعتبره تركيا تنظميا إرهابيا يهدد أمنها القومي.

"سيدة الدمى"

في الوقت ذاته، ترى "آيدن تاشباش" أن النظر إلى أمريكا باعتبرها "سيدة الدمى" هي حجة لبعض السياسيين في تركيا لتبرير فشلهم في بعض القضايا.

فقد كان من الأسهل بالنسبة لأحزاب المعارضة العلمانية في تركيا تفسير صعود "أردوغان" إلى السلطة باعتباره مخططا أمريكيا لإنشاء "حزام أخضر" للإسلاميين المعتدلين في الشرق الأوسط، بدلا من الاعتراف بعدم الكفاءة.

أيضا، لجأ "أردوغان"، منذ مظاهرات العلمانيين عام 2013، إلى إلقاء اللوم على الغرباء باعتبارهم المحرضين للمعارضة الداخلية، والمتآمرين على دفع تركيا نحو الانكماش الاقتصادي.

وغالبا ما يتخلل خطاباته إشارات إلى ما أسماه بـ"عقل أعلى" أو "قوة عالمية غامضة"، في إشارة للولايات المتحدة على الأرجح، التي تعمل بمثابة سيدة الدمى لأنصار "جولن"، وتنظيم "بي كا كا"، وحتى المعارضة في محاولاتها لإسقاطه.

وفي الوقت نفسه، تشتري تركيا أنظمة مضادة للطائرات "إس-400" من روسيا، عدو أمريكا الجيوسياسي، وتدعم قوى إسلامية في سوريا وليبيا، بينما تقوم بقمع وسجن الصحفيين والجهات الفاعلة في المجتمع المدني، وحتى موظفي القنصلية الأمريكية.

والحقيقة أن فريق الأمن القومي القادم لـ"بايدن" على دراية شديدة بهذا الزواج السيئ منذ أن كانوا أعضاء في إدارة الرئيس الأسبق "باراك أوباما" (يناير/كانون الثاني 2009-يناير 2017).

وعادة تشهد الاجتماعات الدبلوماسية بين الجانبين من المظالم والتهديدات بالعقوبات والتصعيد، وإلقاء اللوم على الجانب الآخر، وإذا كان معالج نفسي حاضرا أحد هذه الاجتماعات كان دون شك سينقر على غليونه، ويقول: "من الواضح أننا بحاجة إلى الوصول إلى جذر المشكلة".

يكمن جذر المشكلة في تخيلات الجانبين المستمرة حول بعضهما البعض، فقد كان هذا زواجا شكلته الحرب الباردة، لكن أمريكا وتركيا تغيرتا بشكل كبير منذ ذلك الحين، ومع ذلك بقيت التصورات عن بعضهما البعض دون تغيير.

إذ لا تزال تركيا تنظر إلى أمريكا على أنها تسعى للسيطرة على سياساتها الداخلية، ولعب دور صانع الملوك.

ولا تزال أمريكا تنظر إلى تركيا كأداة في صراعها الجيوسياسي الأكبر مع القوى العالمية، خاصة روسيا، بدلا من اعتبارها جهة فاعلة دولية في حد ذاتها.

ومن المحتمل أن تكون فكرة أن الولايات المتحدة تمارس دور صانع الملوك في السياسة التركية أحد بقايا الحرب الباردة؛ عندما مارس الجيش التركي تأثيرا كبيرا على السياسة الداخلية للبلاد، ونظم 3 انقلابات بين عامي 1960 و1980، واستمر طوال الوقت في التمتع برعاية الولايات المتحدة، إذ أدت ظروف الحرب الباردة إلى إذعان واشنطن لسلوك الجيش التركي، الذي غالبًا ما كان يصف قمعه الداخلي بأنه محاربة للإرهاب أو الشيوعية.

واليوم، تعتقد شريحة كبيرة من المجتمع التركي أيضًا أن محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/تموز 2016 كانت مدعومة، إن لم تكن منظمة، من قبل الولايات المتحدة، وهي وجهة نظر ترعاها الحكومة الحالية.

فالطبقة السياسية المستقطبة في تركيا لا تقبل إلا بفكرة أن الولايات المتحدة تحاول السيطرة على السياسة التركية، إذ يتهم الأتراك العلمانيون الولايات المتحدة بإحضار حزب "العدالة والتنمية" بزعامة "أردوغان" إلى السلطة.

على النحو ذاته، يخشى الإسلاميون في السلطة من أن واشنطن تحاول الإطاحة بـ"أردوغان". وبالنسبة لهم، فإن سعى بعض السياسيين في أمريكا إلى معاقبة تركيا بسبب شرائها أنظمة صواريخ "إس-400" من روسيا أو التحقيقات من قبل المدعين العامين في نيويورك بشأن انتهاك "هالك بنك" التركي المملوك للدولة العقوبات الإيرانية، دليل آخر على أن الدولة الأمريكية العميقة تستهدف "أردوغان".

أوهام أمريكية

لكن تركيا ليست وحدها في أوهامها، فمن المؤكد أن تركيا لعبت دورا مهما ومثيرا للقلق في بعض الأحيان في مجموعة متنوعة من قضايا السياسة الخارجية التي شغلت أمريكا على مدى العقود العديدة الماضية.

إذ حافظت على الجناح الجنوبي لحلف الناتو خلال الحرب الباردة، ودعمت فصائلها في حروب البلقان في التسعينات، وعملت كخط أمامي في الحملة التي بدأت في عام 2014 ضد تنظيم "الدولة".

كما لعبت تركيا أدوارا رئيسية في أفغانستان كشريك في الناتو، وفي قبرص، وشرق البحر الأبيض المتوسط، وحتى في بعض الأحيان حاولت التوسط بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت في المشاركة في حروب بالصومال وسوريا وليبيا، وفي كل هذه الجهود، من منظور واشنطن، فشلت تركيا في التوافق الكامل مع جهود الولايات المتحدة وأثبتت، في أفضل الأحوال، أنها حليف مزعج.

هذه الأدوار في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية الرئيسية تبرر الاهتمام بتركيا، ولكن حتى مع (أو ربما بسبب) كل الاهتمام، يميل المسؤولون الأمريكيون إلى تفسير الإجراءات التركية من خلال تأثيرها على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وليس على أنها سياسة جهة فاعلة في حد ذاتها.

إذ يُظهر المسؤولون الأمريكيون القليل من الاهتمام لفكرة أن تركيا، مثلها مثل جميع البلدان تقريبا، تعتبر نفسها وجهة وليست جسرا، وبينما تزداد ثقة تركيا بنفسها، فإنها لا ترى نفسها على أنها جائزة جيوسياسية يجب الفوز بها، ولكن باعتبارها جهة فاعلة مستقلة.

القادة الأتراك، على سبيل المثال، رأوا الصراع ضد تنظيم "الدولة" في المقام الأول من خلال عدسة نضالهم ضد تنظيم "بي كا كا"، وهذا أحبط واشنطن، التي تفضل النظر إلى الحرب ضد تنظيم "الدولة" على أنه صراع عالمي؛ ما يعكس عدم فهمها أن أنقرة قد يكون لها أولويات أخرى.

وبالمثل، فإن القرار التركي بشراء نظام روسي مضاد للطائرات من طراز "إس-400" يعكس مخاوف "أردوغان" من انقلاب آخر من قبل قواته الجوية، كما حدث في 2016، أكثر من كونه محاولة التحالف مع روسيا، وهذا ما لا تفهمه أمريكا أيضا.

فالولايات المتحدة تتمتع بسمعة كبيرة في عدم فهم الثقافات الأجنبية والجهل بالعالم، وامتلاك تخيلات جيوسياسية، لكن مع تضاؤل ​​القوة النسبية لأمريكا، تصبح هذه التخيلات أكثر تكلفة من أي وقت مضى.

وتشير "آيدن تاشباش"، في هذا الصدد، إلى أن المسؤولين الأتراك والأمريكيين يحبون وصف علاقتهم بشعارات فخمة؛ فهم يستخدمون بانتظام شعار "الحليف القوي" لوصف الدور الذي تلعبه تركيا لصالح الولايات المتحدة وحلف "الناتو".

وتعتبر أن الشعارات الفخمة تصنع قمما دبلوماسية جيدة، لكن الأوهام في العلاقة التركية الأمريكية لم تخلق شيئًا سوى خيبة الأمل والتوتر خلال السنوات القليلة الماضية. 

شرط إصلاح العلاقات

ولإصلاح العلاقات بين تركيا وأمريكا، تقول "آيدن تاشباش" إن على الولايات المتحدة أن تتبنى فهما جديدا لتركيا "كقوة مستقلة لها مصلحة في توسيع نفوذها الإقليمي، وغالبا ما تتبع سياسات لم تعد منسقة مع حلفاء الناتو".

إذ تمتد البصمة العسكرية لتركيا الآن من القوقاز إلى ليبيا وسوريا والعراق، ويعني تركيزها على القدرات الدفاعية المحلية أنه بمرور الوقت، ستصبح أقل اعتمادا على صادرات الدفاع الأمريكية والضمانات الأمنية من واشنطن.

فعلى إدارة "بايدن" القادمة أن تعيد ضبط العلاقات مع تركيا؛ بحيث لا تنظر إلى تركيا باعتبارها الجائزة النهائية في المنافسة الجيوسياسية مع القوى الكبرى، خاصة روسيا.

كذلك، يجب على السياسيين الأتراك أن يروا حدود السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وأن يتوقفوا عن تخيل أن "الدولة العميقة" الأمريكية تحاول تقسيم تركيا وإعادة تشكيلها، أو إنشاء دولة كردية على حدودها.

والأهم من ذلك، تحتاج أنقرة إلى الوصول إلى تقييمها الخاص حول قيمة شراكتها مع الولايات المتحدة، إذ سعت الإمبراطورية العثمانية وجمهورية تركيا تاريخيا إلى الحصول على دعم غربي ضد جارتها القوية في الشرق (روسيا) وقد تسعى تركيا أيضًا إلى الحصول على دعم الولايات المتحدة للتحوط من التوسع الروسي أو عزلتها الإقليمية.

وفي المرحلة المقبلة، يبدو أن إدارة "بايدن" الجديدة ستقوم بصياغة نوع جديد من الحرب الباردة، وهو صراع عالمي للديمقراطيات ضد التحدي الاستبدادي الذي تقوده الصين وروسيا.

وبالتالي، فهي ربما تعتقد أن حلفاء أمريكا في الحرب الباردة سيلتفون مرة أخرى تحت قيادتها، لكن تركيا، على سبيل المثال، لم تعد ترى العالم بمثل القطبية الثنائية، إنها ليست مهتمة بالتحالف مع أو ضد الولايات المتحدة في الصراع العالمي المقبل، فهي تريد أن تكون قطبا خاصا.

الحقيقة هي أن تركيا والولايات المتحدة لديهما مصالح متباينة ولا يبدو أنهما معجبان ببعضهما البعض، لذا، فإن المكان الجيد للبدء في معالجة المشاكل الثنائية هو التخلص من الأساطير والبارانويا، فبدلا من التشدق بالتحالف الاستراتيجي الأبدي، يمكن للبلدان البدء بتعريف واقعي لعلاقاتهم وقبول طبيعة المعاملات.

إن تصحيح التخيلات لن يساهم في إصلاح علاقات تركيا وأمريكا بشكل تام، لكنه شرط أساسي لعلاقة أكثر فاعلية.

فتركيا دولة مهمة للغاية، واستراتيجية للغاية؛ بحيث لا يمكن للولايات المتحدة أن تتعامل معها على أنها مجرد واحدة من عشرات الحلفاء الرئيسيين.

وتختتم "آيدن تاشباش" تحليلها بالتأكيد على أن التخيلات لها أدوارها؛ فهي تحافظ على التفاؤل خلال الأوقات الصعبة، لكنها الآن تقود إلى تضليل العلاقات بين الجانبين؛ معتبرة أن "الوقت قد حان لتقديم جرعة واقعية، أو تحديث التخيلات؛ لتحقيق الاستقرار والقدرة على التنبؤ  بمسار العلاقات الأمريكية - التركية".

المصدر | فورين بوليسي | أسلي آيدن تاشباش - ترجمة وتحرير الخليج الجديد