السبت 9 يناير 2021 09:37 ص

ما هو تأثير المصالحة الخليجية التي جرى الإعلان عنها في قمة العلا، الثلاثاء الماضي، على علاقات دول الخليج مع تركيا وإيران؟، وما هو مستقبل تكتل دول حصار قطر (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) في ضوء ذلك؟

يطرح مراقبو الشأن الخليجي هذين السؤالين منذ صدور إعلان العلا وفتح الحدود المغلقة بين السعودية وقطر، باعتبار أن إجابة كل منهما ذات ارتباط وثيق بتوصيف ماهية المصالحة الخليجية المعلنة، ومدى قابليتها للاستمرار.

ولأن الإجابة هي محصلة مواقف الدول الأربع من إعلان العلا، فإن موقف كل منها على حدة يقدم مؤشرا على المدى المتوقع لصمود المصالحة الخليجية، التي تتزامن مع اقتراب نهاية عهد إدارة الرئيس الأمريكي الجمهوري "دونالد ترامب" واستلام الديمقراطي "جو بايدن" دفة قيادة البيت الأبيض.

ويعد الموقف الأهم من بين مواقف رباعي الحصار هو موقف السعودية التي يخشي ولي عهدها "محمد بن سلمان" -وفق تقارير غربية- من نوايا "بايدن" تجاه المملكة، بعدما أعلن الأخير أكثر من مرة أنه يعتزم محاسبة الرياض على انتهاكات حقوق الإنسان واغتيال الصحفي "جمال خاشقجي"، فضلا عن تبنيه سياسات من شأنها الاتجاه نحو الطاقة الخضراء؛ بما يعني القفز خطوات نحو وضع نهاية لعصر النفط، الذي لا يزال يمثل أغلب موارد السعودية المالية.

ووفق هذه المعطيات، ترى الرياض أن إنهاء الأزمة الخليجية، ولو جزئيا، يعد سبيلا لبدء علاقات جيدة، مع إدارة "بايدن"، التي بات خطب ودها، أو على الأقل تحييدها، أولوية لدى "بن سلمان"، وهو أيضا كلمة السر وراء التغير في موقف السعودية من الأزمة الخليجية، حسب عديد المراقبين.

انعكس ذلك بشكل مباشر على موقف البحرين، التي شاركت في قمة العلا دون حضور الملك "حمد بن عيسى آل خليفة"، وفي ذات الوقت لم يكف إعلامها في الأيام السابقة لقمة العلا عن إثارة مشكلاتها البحرية مع قطر.

إذ شنت الصحافة البحرينية انتقادات لاذعة للدوحة، خاصة بعد حادثة الزورقين اللتين اعترضتهما السلطات القطرية على الحدود البحرية بين البلدين، الشهر الماضي.

وقبل قمة العلا بأيام، وفي وقت علقت فيه السعودية والإمارات ومصر رسميا على إعلان الكويت بشأن المصالحة الخليجية، التزمت البحرين الصمت تماما.

في المقابل، كانت الإمارات الدولة الخليجية الأكثر تحفظا بين الدول الأربعة على إنجاز المصالحة، وهو ما بدا من "تباين" واضح في تصريحات وزير الدولة للشؤون الخارجية "أنور قرقاش" من جانب وتعليق المستشار السابق لولي عهد أبوظبي "عبدالخالق عبدالله" من جانب آخر.

فـ"قرقاش" كتب تغريدة وصف فيها القمة الخليجية بأنها "تاريخية بامتياز"، لكنه أدلى بتصريحات أخرى لشبكة "CNN" الأمريكية، أكد فيها أن تطبيع العلاقات بين أبوظبي والدوحة مرهون بمستوى علاقة الأخيرة بكل من أنقرة وطهران.

ووصف "عبدالخالق عبدالله" إنجاز المصالحة الخليجية بالصورة التي جرت في قمة العلا بأنه "انتصار لقطر"؛ ما اعتبره مراقبون بمثابة تعبير عن تقييم أبوظبي لما فرضته "الضرورة"، ونواياها المستقبلية بشأن العلاقة مع الدوحة.

أما القاهرة، فرحبت بالمصالحة بشكل عام، إلا أن غياب التفاصيل حتى هذه اللحظة يجعلها مترددة في احتضانها بشكل حاسم، وهو ما بدا واضحا في رفض الأبواق الإعلامية لنظامها الحاكم للمصالحة الخليجية، في الوقت الذي جرى فيه استقبال وزير المالية القطري "شريف العمادي" في القاهرة لأول مرة منذ بداية الأزمة لافتتاح فندق مملوك لشركة قطرية.

المحلل السياسي المصري "جمال عبد الجواد" يرى أن مراقبة الإعلام القطري، ورصد خطابه تجاه مصر، قد يكون مؤشرا على مستوى "التسكين" الذين ستلتزم به القاهرة إزاء التوتر الكامن في عمق علاقتها بالدوحة، وفقا لما نقله موقع إذاعة "صوت ألمانيا" (DW).

وفي السياق ذاته، يرجح الأكاديمي والعضو السابق بمجلس الشورى السعودي "خليل الخليل" أن يستمر الخلاف القطري المصري بشكل ثنائي؛ بسبب استمرار علاقة قطر بجماعة الإخوان المسلمين، لكن بدرجة صراع أقل سخونة من ذي قبل.

ويعزز من ترجيح تخفيف قمة العلا من سخونة الأزمة الخليجية دون حلها بشكل جذري غياب أي موقف رسمي من السعودية والإمارات والبحرين ومصر بشأن مصير الاشتراطات الـ13 التي سبق أن أعلنتها ثمنا للمصالحة مع قطر، وفقا لما نقلته وكالة "فرانس برس" عن الأستاذ المساعد في جامعة الكويت "بدر السيف".

فبعد 3 سنوات، وافقت الدول الأربع على إعادة العلاقات مع قطر، لكن بإجراءات ثقة مختلفة؛ الأمر الذي يصنف مصالحة العلا في إطار "تكتيكي" وليس "استراتيجيا".

عزل إيران

حضور "جاريد كوشنر"، مستشار وصهر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لإعلان العلا، يعد هو المفتاح المحدد لهذا التكتيك؛ فواشنطن كثفت ضغوطها على الدول المتخاصمة لحل الأزمة لسبب صرح به "كوشنر" بوضوح، وهو أن "وحدة الخليج ضرورية لعزل إيران".

لكن هل يعني ذلك قطع الدوحة علاقاتها مع طهران؟ كل مؤشرات ما قبل قمة العلا تنفي ذلك، وأهمها توقيع الدوحة اتفاقات تعاون اقتصادي جديدة مع طهران بنهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

فرغم أن قطر ترى أن أنشطة إيران الإقليمية "خطرة ومزعزعة للاستقرار"، فإنها تدرك في الوقت نفسه أن الإبقاء على علاقات ودية مع إيران، لا سيما في ما يتعلق بإدارة حقل الغاز (المشترك بينهما) هو أمر ضروري للغاية ووجودي بالنسبة لها، وفق ما نقلته "فرانس برس" عن المحلل بمعهد الخدمات الملكية المتحدة "توبياس بورك".

ماذا يمكن للدوحة إذن تقديمه لـ"تسكين" عمق الأزمة الخليجية؟

في الكثير من الأوجه، تعد قطر أحد أكبر المستفيدين من المصالحة؛ فالتقارب مع الرياض يعفي الدوحة من دفع رسوم باهظة لطهران مقابل استخدام مجالها الجوي.

ومع اقتراب تنظيمها لكأس العالم لكرة القدم عام 2022، كان مهما لقطر استكمال استعدادتها لاستضافة الحدث عبر أجواء مفتوحة وسريعة وغير مكلفة.

في المقابل، فإن قطر لم تقدم سوى تنازل واحد حتى الآن، وهو تنازلها عن الدعاوى القضائية التي كانت قد أقامتها ضد دول الحصار أمام منظمة الطيران المدني الدولية (إيكاو)، بتهم التمييز ضدها، حسبما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مصادر مقربة من إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

وفي هذا الإطار، صرح مستشار الأمن القومي الأمريكي "روبرت أوبراين"، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بأن السماح للطائرات القطرية بالتحليق في أجواء السعودية مجددا في صدارة اهتمام إدارة "ترامب" قبل أيام من نهاية عهدها.

العلاقة مع تركيا

الملف الليبي ميزان آخر لإبقاء حالة "التسكين" سالفة الذكر مستمرة؛ حيث تعد ليبيا هي الساحة التي تنخرط فيها مصر والإمارات –بتأييد سعودي- ضد تركيا.

لكن تطورات هذا الملف، بإبداء القاهرة مرونة في التفاوض مع ممثلي حكومة الوفاق الليبية، المدعومة من أنقرة والمعترف بها دوليا، تشي بأن الملف الليبي لن يقف عقبة أمام تمرير المصالحة الخليجية، على الأقل في الوقت الراهن.

ويعزز من هكذا ترجيح ترحيب وزارة الخارجية التركية بقرار إعادة فتح الأجواء والحدود المغلقة بين قطر والسعودية، وتأكيدها أن القرار "يمثل خطوة مهمة نحو حل الأزمة الخليجية المستمرة منذ يونيو/حزيران 2017"، وإشارتها إلى أن أنقرة "شريك استراتيجي لمجلس التعاون الخليجي وتولي أهمية كبيرة لأمن منطقة الخليج واستقرارها".

من ناحيتها، يبدو أن السعودية مستعدة للتهدئة مع تركيا في الوقت الراهن، وهو ما كشفته تطورات لافتة بدأت في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بإرسال الرياض لمساعدات عاجلة بعد حدوث زلزال إزمير الذي خلف عشرات القتلى ومئات الجرحى وخسائر مادية.

وتلا ذلك اتصال هاتفي بين العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبد العزيز" مع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، في إطار الحديث عن قمة العشرين التي جرت في السعودية خلال 21 و22 نوفمبر 2020؛ حيث اتفق الجانبان على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة لتطوير العلاقات الثنائية وإزالة المشاكل.

وقد يكون توجه مصلحة تركية – قطرية مشتركة، حسبما يرى الكاتب والمحلل السياسي، "مصطفى أوزجان"، الذي لفت إلى أن "العلاقات التركية مع دول الخليج ستتسع في الفترة المقبلة؛ لأن انحصار العلاقة بين قطر وتركيا فقط لا يفيد الطرفين"، وفقا لما أوردته وكالة "سبوتنيك" الروسية.

لكن الوجود العسكري التركي في منطقة الخليج خلال سنوات الأزمة الخليجية وتطور العلاقات التركية القطرية على المستوي الأمني والعسكري لا يزال يعتبر تهديدا استراتيجيا من قبل دول الرباعي؛ ما يعزز من فكرة "المصالحة التكتيكية أو المرحلية" سالفة الذكر.

وفي هذا السياق، يشير أستاذ القانون الدولي "أيمن سلامة" إلى أن أي إدارة أمريكية "لا تريد قطر في صف إيران على وجه الإطلاق، إلا أن قطر وإن تنازلت عن خياراتها الاستراتيجية مع إيران، فإنها لن تتنازل عن تركيا إطلاقا"، وهو ما يزعج القاهرة وأبوظبي، وفقا لما أوردته قناة "الحرة" الأمريكية.

كما يرى المحلل السياسي "فراس رضوان أوغلو" أن الوجود العسكري التركي في قطر "يأتي ضمن علاقة ثنائية، وليس له علاقة بالمصالحة، وليس مرتبطا بشكل كامل بالخلاف مع الدول الأربع، إضافة إلى أن المصالحة لا تعني إنهاء الوجود التركي في قطر"، وفقا لما أورده موقع "الخليج أون لاين".

الخلاصة العملية إذن لنتيجة اتفاق العلا تتمثل في "حدود مفتوحة وعلاقات دبلوماسية مقابل إنهاء أي رسائل معادية متبادلة عبر الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر مراكز الأبحاث وجماعات الضغط الدولي من كلا الطرفين ضد بعضهما البعض.

وتبنت صحيفة "لوفيجارو" التوصيف ذاته، حيث أكدت أنه على الرغم من تأكيد البيان الختامي لقمة العلا على عودة العلاقات الكاملة بين قطر ودول الحصار واحترام مبادئ حسن الجوار، إلا أن انعدام الثقة لا يزال قائما، خاصة أن جذور التوتر لم يتم التطرق إليها.

واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن ما حصل هو تخفيف لحدة التوتر، أكثر من كونه مصالحة إقليمية واسعة النطاق.

ولذا يرى الباحث المتخصّص في شؤون الشرق الأوسط "أندرياس كريج" أن السبب الجذري الأيديولوجي للصراع الخليجي سيبقى، "بينما كل ما يفعلونه هو معالجة العوارض"، وفقا لما أوردته "فرانس برس".

ويحذر "كريج" من أن معالجة العوارض دون جذور الأزمة الخليجية "أمر خطير؛ إذ قد يندلع هذا الصراع مرة أخرى"، حسب قوله.

المصدر | الخليج الجديد